من فضائل وأحكام الصدقة

الدرس في من فضائل وأحكام الصدقة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 18 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الصدقة وأثرها على المجتمع

الصدقة سبب لطهرة القلوب والأموال وتزكي الأخلاق، وهي سبب لبث الإحسان في المجتمع وتكافله وتقليل الجرائم والشرور. كما أنها سبب لتحقيق الإيمان ودخول الجنة والقرب منها.

أهمية الزكاة وأصناف الأموال التي تجب فيها

تجب الزكاة في أربعة أصناف من الأموال: الذهب والفضة، الزروع، بهيمة الأنعام، وعروض التجارة. لكل صنف نصاب محدد وطريقة معينة لإخراج الزكاة.

عقوبة منع الزكاة وتحذير مانعيها

يُحذّر الحديث الشريف من منع زكاة الذهب والفضة، حيث يُعاقب مانعها بأن تُحمى هذه الأموال في نار جهنم وتُستخدم في كي جبينه وجنبه وظهره يوم القيامة. يُبين ذلك خطورة الامتناع عن أداء الزكاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى الحكيم، إنه جل وعلا العليم بعباده، فرض عليهم ما فرض من شرائع دينه لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا يصلحهم إلا ذلك. كيف لا وهو القائل سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإن من حكمته سبحانه وتعالى فرض بعض ما فرض من واجبات وفرائض، وما شرع من مستحبات ومرغبات، لعلمه سبحانه وتعالى أن ذلك مما يصلح حال هذا الإنسان في نفسه وفي مجتمعه، وهو الحكيم العليم جل وعلا. ومن ذلك، عباد الله، ما فرض سبحانه وتعالى من فريضة الزكاة، وما حث من أمر الصدقة، فإنها فريضة من الفرائض، وباب عظيم من أبواب القربات، فرضه وشرعه ربنا سبحانه وتعالى، وهو الغني جل وعلا، وهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فمن حكم الله جل وعلا في فرض الصدقة، فرضها ونفلها، أنها سبب لطهرة القلوب، وهكذا طهرة الجوارح، بل وكذلك طهرة الأموال. فالأموال يشوبها ما يشوبها من خطأ وزلل وظلم وتعد وتجاوز، فيكفر ذلك ويطهره ما يكون من الصدقة من فرضها ونفلها. وهكذا كذلك النفوس يصيبها ما يصيها، والقلوب يبقى فيها ما يبقى من أثر أقوال وأعمال واعتقادات تجتمع في قلب هذا الإنسان، فالصدقة كفيلة بتطهير ذلك، كما أخبر ربنا جل وعلا. بل إن الشيطان يعد هذا الإنسان أشياء كثيرة مما فيها التخلف عن الطاعات، ومما فيها الركون إلى الدنيا، ومما فيها الجهل والظلم. فإن مما يزيل ذلك ويدفعه ويكون به طرده من القلب أمر الصدقة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن لله حكمًا كثيرة، ومنها هذا الذي سمعنا. وكذلك الصدقة تطهر الأقوال وتزكي الأخلاق وتطهر كذلك الأفعال وتقيمها وتعطيها استقامتها. فمن فضائل الصدقة، فرضها ونفلها، أنها سبب لطهرة هذا الإنسان، طهرته في باطنه وطهرته في ظاهره. ومن حكمها كذلك، عباد الله، أنها سبب لبث الإحسان في المجتمع، الإحسان إلى النفس والإحسان إلى الغير، وهو من أعظم مقاصد هذا الدين. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ومن حكمها كذلك، عباد الله، أنها سبب كذلك للإحسان إلى ذوي الحاجات والفاقات والضرورات، فيكون فيه الإحسان إلى هؤلاء، ومواساتهم، ودفع ضرورتهم وفاقتهم وفقرهم. فيكون بذلك كذلك تكافل هذا المجتمع، وترابطه، وتواثقه، وحصول معاني الأخوة والتوثقة فيه. حتى إن المجتمع الذي تكثر فيه الصدقة يكون فيه من معاني المحبة والوئام والتراحم والالتحام ما لا يكون في مجتمع يكثر فيه الشح والبخل والأنانية والانفراد بالحقوق عن الغير. وهكذا كذلك من حكمه، أنه سبب لرحمة الفقير والمحتاج من المساكين ونحوهم، وسبب كذلك لحب هؤلاء الضعفة للأغنياء، وهو معنى عظيم مقصود تحث عليه الشريعة بعمومات كثيرة. ومن حكمه كذلك، أنه كذلك سبب لتقليل أنواع الآفات والشرور في المجتمعات. فإن المجتمع إذا حصل فيه التكافل، وقام الناس فيه بسد تلك الحاجات والضرورات، قلت معاني الفقر والفاقة في المجتمع. فإنك إن رأيت المجتمع حقق هذا الواجب أو هذا المعنى والمطلب الشرعي، فرضه ونفله، لا تكاد تجد تلك المظاهر التي ابتليت بها المجتمعات، مظاهر كثيرة تنافي ما أمر به ديننا، فضلًا عن المعاني الكثيرة التي حثت عليها الشرع وتؤيدها الفطر الصحيحة. وهكذا من حكمه، أنه سبب لإقلال الجرائم. فإن ذوي الحاجات إذا كفوا بهذه الصدقات من فرضها ونفلها، وأعينوا على أمور معيشتهم وحياتهم، كان ذلك سببًا في قطع حوائجهم. فعند ذلك تقل الجرائم في المجتمع، وتقل السرقات، وتقل كذلك أو تكاد تذهب أنواع معاني الشرور في المجتمع. فإنه لا يكاد يكون هناك سبب يهيج ذلك، خصوصًا وأن المجتمع قد ربي على المعاني الدينية السامية. وهكذا كذلك من حكمه، عباد الله، أن فيه حكمًا أخرى ينال بها العبد في نفسه، فهي سبب لدخول الجنة والبعد عن أبواب النيران. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة في ظل صدقتها يوم القيامة. وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس». قال يزيد أحد الرواة: «فكان أبو مرثد لا يمر عليه يوم إلا يتصدق بصدقة، حتى إذا لم يجد تصدق ببصلة أو ما كان بمعناها». أي لا يمر عليه يوم إلا ويتصدق ولو بالشيء اليسير. فالمرء في ظل صدقته يوم القيامة. وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فيرى النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». فإذا كان الجزء من التمرة يباعد بينك يا عبد الله وبين النار، فكيف بصدقات كثيرة؟! أنت اليوم في زمان الإمكان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عن الجنة وأبوابها: «أن من الناس من يدخل من باب الجهاد، وأن من الناس من يدخل من باب الصلاة، وأن من الناس من يدخل من باب الصدقة». فقال أبو بكر رضي الله عنه: أرجو ما على من فعل ذلك من ضرورة، فهل يا رسول الله يدخل أحد من تلك الأبواب جميعًا؟ قال: «نعم يا أبا بكر، وأرجو أن تكون منهم». نعم يا أبا بكر، وأرجو أن تكون منهم. فأبو بكر رضي الله عنه كان من المسابقين في أبواب الخيرات، وصنوف الطاعات، حتى رجى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممن يدخل الجنة من جميع أبوابها، لاستيعابه لخصال الإيمان ومعاني الإسلام. ولذلك، عباد الله، فإن من حكم الصدقة، فرضها ونفلها، كذلك أنها سبب لتحقيق الإيمان وبرهة الإسلام. قال النبي صلى الله عليه وسلم في متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». ومن حكمه كذلك، عباد الله، أنه كذلك سبب لدخول الجنة والقرب منها بأمان وسلام. فصح في الصحيح من حديث عبد الله بن سلام، وجاء معنا عن غيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطعم الطعام، وأكثر من الصيام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فمن أسباب دخول الجنة بسلام وأمان إطعام الطعام، إطعام الطعام، وذلك صنف وباب من أبواب الصدقة من فرضها ومن نفلها. ومن حكم الصدقة وفضائلها، أنها سبب لإزالة الأمراض والمداوات منها، الأمراض الحسية والأمراض المعنوية. أما الأمراض المعنوية، فما سمعتم من معنى التزكية والزكاء الذي يكون بفعل هذه الطاعة. وقد قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. أفلح من زكاها بالعلم النافع والأعمال الصالحة، ومن أعظم الأعمال الصالحة الصدقات. وخاب من دنسها دنسها بالجهل وصنوف السيئات والخطيئات، ومن أعظم السيئات والخطيئات الأنانية والبخل والشح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الشح والبخل: «إنه أدوأ الأدواء». فهو أدوأ الأدواء وأشد الأمراض ليس بعده مرض، فهو من أعظم الأمراض فتكًا بهذا الإنسان. وأما كونه سببًا لعلاج الأدواء الحسية، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وصححه العلامة وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع رحمه الله، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «داووا مرضاكم بالصدقة». وروي ذلك مرسلًا من حديث الحسن البصري، وعن جماعة، فهو حديث حسن، جاءت له طرق كثيرة يشد بعضها بعضًا يرتقي بها إلى الحسن. وروي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، أنه جاء إليه رجل شكى من بثرة في ركبته صار يعالج منها سبع سنين لم يجد لذلك دواء عند الأطباء، ذهب شرقًا وغربًا فلم يجد لذلك دواء. فأتى إلى هذا الإمام الجليل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، داء أصابني اشتكيت منه سبع سنوات فلم أجد له دواء. قال: أجد لك دواء، أجد لك دواء، اذهب إلى الأرض الفلانية، فإنها أرض مكحلة، واحفر فيها بئرًا تكون صدقة لك ولهم، أرجو أن يكون شفاؤك بهذه الصدقة. سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «داووا مرضاكم بالصدقة». فذهب الرجل فحفر تلكم البئر، وتصدق بها على نفسه وعلى الناس. قال الراوي: فما إن انتهى من حفر بئره حتى شفاه الله. فما إن انتهى من حفر بئره حتى شفاه الله. فصح وصدق بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقات». ولذلك سر عجيب، ذكر بعض أهل العلم أن سر ذلك أن البال للصدقة ربما تكون سبب آفته، بعض آثار ذنوبه على قلبه مما يكون به حبس الدم أو نحو ذلك. فإذا تصدق بالصدقة، كانت ذلك سببًا لطهرة قلبه، فانفتحت تلك الشرايين، وصلاح أمر دمه، فكان بذلك شفاؤه. وربما تكون أسرار أخرى غير الذي ذكر هذا العالم. عباد الله، إن هذه الطاعة العظيمة لها حكم كثيرة، وسمعنا من ذلك بعض هذا الحكم، والمقام لا يتسع لذلك كله. فنسأل الله عز وجل أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يفقهنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إذا علمنا ما علمنا، فلنعلم أن من حكمة الله سبحانه وتعالى أن شرع للناس الصدقة، منها على وجه الفرد، لعلمه أن من الناس من لا يدخل الجنة ولا يرضى لنفسه الصلاح إلا بمثل هذه الأوامر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجب لأمر المؤمن، فإن من الناس من يدخل الجنة بالسلاسل». أي يدخل الجنة جبرًا وقهرًا. فإن من الناس من لا تنفعه تلك المرغبات. فلذلك، لعلمه سبحانه وتعالى بشأن عباده، جعل من الصدقة ما هو فرض، لأجل أن تتحقق تلك المصالح للنفس وللغير والمجتمع. فلذلك، وهو الحكيم العليم، فرض على عباده سبحانه وتعالى من الصدقة ما هو فرض وواجب، وهي تنقسم إلى قسمين. فمنها ما هو بحسب ما يمر بالناس من ضرورات وفاقات، فأوجب على أهل الإسلام سد تلك الضرورات وقضاء تلك العوارض مما لا يمكن دفعه إلا بمواساة المسلمين بعضهم لبعض. وهذا موضع من مواضع الصدقات الواجبات. ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ومنها ما فرضه ربنا سبحانه وتعالى في أصناف من الأموال، بأنصبة وأنصبة مقدرة محدودة، على تقدير حكيم منه سبحانه وتعالى، وهو العليم الخبير. ففرضت الزكاة أول الأمر غير مقدرة في أول الإسلام، قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، والآيات المكية التي فيها الأمر بالصدقة والزكاة كثيرة. ثم فرضت بعد ذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بذكر بعض الأنصبة التي بين حكمها في سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وكانت في أربعة أصناف من الأموال، أولها ما كان فيه معنى الثمنية من الذهب والفضة، وما كان بمعناه مما يتعامل به الناس نقدًا، ومنه العملات الورقية في زماننا هذا، وما كان بمعناها مما يقوم مقام الذهب والفضة. فقد جعل الشرع فيها مقدارًا للزكاة، فما بلغ فيها النصاب وحال عليها الحول، ففيها الزكاة، وهو ربع العشر. وجعل نصاب الذهب عشرون دينارًا أو عشرون مثقالًا، وهو ما يعادل في زماننا هذا خمسة وثمانين جرامًا من الذهب. فإذا بلغ مال الإنسان من ذهب أو عملة ورقية ما يعادل هذه القيمة، وجب عليه أن يخرج منها ربع العشر إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول. أما الفضة، فقد جعل نصابها مئتي درهم، ومئتا الدرهم تعادل بموازيننا في الحاضرة خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة. فمن كان عنده فضة بلغ هذا النصاب ودار عليه الحول، فإنه يزكي عليه كله، ويخرج فيه كذلك ربع العشر، إما من أصل الفضة أو من قيمتها بالعملة الورقية. والصنف الثاني من أصناف ما تجب فيه الزكاة، الزروع التي تخرج من الأرض، فقد شرع ربنا جل وعلا فيها الزكاة، وفرض على أربابها الزكاة، وذلك إذا كانت ثمرات هذه الزروع قد بلغت خمسة أوسق. ففيها الزكاة، يخرج منها إن كانت تزرع بماء فيه كلفة ومشقة نصف العشر، وإن كان بماء ليس فيه مشقة ولا كلفة كالأمطار والعيون والأنهار والسيول، فما كان يسقى بذلك مما ليس فيه كلفة، فيخرج منه العشر. وما كان يسقى بكلفة، فإنه يخرج منه نصف العشر، كما صحت بذلك السنن عن نبينا عليه الصلاة والسلام. والوسق الواحد والخمسة أوسق تساوي ما يعادل ثلاثمائة صاع، تعادل بأوزاننا المعاصرة الحاضرة أكثر من ستمائة واثني عشر كيلو جرامًا. فما بلغ ستمائة واثني عشر كيلو جرامًا من ثمرات حبوب أو فواكه يقتات بها، ففيها الزكاة على التفصيل الذي سمعنا. والصنف الثالث مما تجب فيه الزكاة، بهيمة الأنعام، إبل وبقر وغنم، ما كان منها يسوم أكثر العام، أي ما كان منها يرعى من الأرض فما كان يرعى من حشيش الأرض ونحوه أكثر السنة، فإنه فيه الزكاة إذا بلغ النصاب. وجعل أقل نصاب الإبل خمسًا من الإبل، وما زاد عن ذلك فله أنصبة معروفة دلت عليها سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ويجب في البقر ثلاثين، ففي الثلاثين بنت لبون، وفي خمس من الإبل شاة واحدة، وفي الأربعين من الشياه شاة واحدة، وما زاد عن ذلك ففيه أنصبة معروفة معلومة بيّنتها سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وما كان منها يعلف في أكثر العام، فإنه فيه الزكاة. وما كان منها يعلف ولا يرعى في أكثر العام، فإنه ليس فيه الزكاة. كما أنه لا يجوز التحايل على الشرع، فلا يخرج من مجتمع ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، أي خشية أن تجب الصدقة. وما كان مجتمعًا ممن له مرعى واحد ومسك واحد، وهكذا كذلك ما أكل ومشرب واحد، ففيه جميعًا الزكاة، لا يفرق بين ذلك. والصنف الرابع مما تجب فيه الزكاة، عروض التجارة، وهو كل مال عرض للتجارة والبيع والشراء، سواء كان هذا المال من الأصناف الثلاثة المذكورة أو كان من غيرها، حتى ولو كان من الذي لا تجب فيه الزكاة. فإن الخيل مثلًا ليس فيها الزكاة، ولكن من اتخذ الخيل للبيع والشراء والتجارة، فإنه فيها الزكاة، ما دام قيمة هذا المعروض للبيع والشراء قد بلغ قيمة النقدين. فيجب فيه الزكاة بدوران الحول، وبكذلك بلوغ النصاب. على أنه ينتبه هنا كذلك أن ما دخل في ثنايا الأشهر من أرباح التجارات لا يجب أن يمر على كل واحد من تلك الأرباح سنة كاملة. ما دام أنه مر على أصل رأس المال الذي هو للتجارة مر عليه الحول، وقد بلغ النصاب، فإنه يخرج الزكاة عن كل المال. والقول بإخراج الزكاة من عروض التجارة هو الذي دلت عليه الأدلة من عمومات الكتاب والسنة. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، علمنا أصناف ما يجب إخراج فيه الزكاة. واعلموا أن إخراج الصدقة لا يزيد المال إلا كثرة ووفرة وبركة. قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى الإمام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: «ما نقصت صدقة من مال». فالصدقة لا تزيد المال إلا بركة وكثرة ووفرة، وهذا من فضل الله عز وجل على المتصدقين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومما ينبه عليه هاهنا كذلك، أن ما تلبسه النساء سواء كان ملبوسًا أو كان غير ملبوس من الذهب أو الفضة، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن فيه الزكاة، ما دام قد بلغ النصاب ودار عليه الحول. فقد صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فإذا جاء الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام، وجب امتثاله ووجب الوقوف عنده. فصح في السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مع امرأة مسكتين غليظتين، فقال: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «حبذا أن يسورك الله بهما بسوارين من نار». فقالت: هما لله ورسوله. وجاء معناه من حديث عائشة وغيرها في الأمر بالزكاة للذهب الملبوس، فضلًا عن غير الملبوس. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، أن ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة يحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره. فيقال له: هذا ما كنزت لأجلك. فنسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يردنا إلى الحق ردًا جميلًا، وأن يصلحنا ويصلح جميع أحوال المسلمين، ويغفر لنا ولسائر المسلمين. والحمد لله رب العالمين.