الصحيح المسند من دلائل النبوة 62

الصحيح المسند من دلائل النبوة 62

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 62، الدرس الثاني والستون:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:ثنا هاشم ثنا عبدالحميد ثنا شهر ... وذكر نحوه وبكير بن شهاب مستور الحال يصلح في الشواهد والمتابعات). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

لقاء النبي مع وفد اليهود وطبيعة الأسئلة المطروحة

جاء وفد من اليهود يسأل النبي عن أمور غيبية، فأجابهم عنها، مما أقر اليهود بصحة ما قاله. تناولت الأسئلة أموراً متعلقة بالتوراة والنبوة وطبيعة الولد ونوم النبي وصفات جبريل.

دلائل النبوة وصدق الرسالة في إجابات النبي

أظهرت إجابات النبي عن أسئلة اليهود دلائل نبوته وصدق رسالته، حيث أجاب عن أمور غيبية لم يكن لليهود علم بها إلا بالنبوة. رغم إقرارهم بصحة ما قاله، لم يؤمنوا بسبب العداوة لجبريل.

ضوابط مناظرة أهل الباطل وأسباب تحديد جنس المولود

يشرح المقطع ضوابط مناظرة أهل الباطل بحسب المصلحة للإسلام، ويتطرق إلى أسباب تحديد جنس المولود كما ورد في حديث النبي، مبيناً أن هذه الأسباب مظنة وليست ملزمة لوقوع الحكم.

أمثلة على قدرة الله وتفاصيل حول نوم النبي وصفات جبريل

يبرز المقطع قدرة الله على مخالفة الأسباب للحكم، ويشرح نوم عيني النبي مع يقظة قلبه، وصفات جبريل. كانت هذه الأمور معروفة لدى اليهود وتضمنت إلزاماً لهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي الصحيح المسند من دلائل النبوة: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا شهر -وهو ابن حوشب، وفيه ضعف- قال: عن ابن عباس، قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب عليه السلام على بنيه، لئن حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام، قالوا: فذلك لك، قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قالوا: أخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، كيف يكون الذكر منه؟ قالوا: أخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة؟ قال: فعليكم عهد الله وميثاقه، لئن أنا أخبرتكم لتتابعني، قال: فأعطوه ما تعلمون، قال: فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون إن إسرائيل -يعقوب عليه السلام- مرض مرضا شديدا، وطال سقمه، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد عليهم. قال: فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علاء كان له الولد والشبه بإذن الله، إن على ماء الرجل على ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن على ماء المرأة على ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: اللهم اشهد عليهم. قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم -يعني في وصف النبي الأمي الذي يبعث، فيما كان في أيديهم من علم أهل الكتاب، أن من أوصافه أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه- قال: اللهم اشهد، قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: فإن ولي جبريل عليه السلام، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم من أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا، قال: فعند ذلك قال الله عز وجل: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾، قال: فعند ذلك باءوا بغضب على غضب. قال: والحديث في سنده شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، والراجح ضعفه لسوء حفظه، ولكنه قد رواه الإمام أحمد بسند آخر إلى ابن عباس، فقال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي -وكانت له هيئة رأيناه عند حسن- قال: عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قالوا: ﴿الله على ما نقول وكيل﴾، وذكر نحوه. وبكير بن شهاب مستور الحال، يصلح للشواهد والمتابعات. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث بطوله في سياق ذكره للأحاديث التي فيها دلائل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، فيما كان يجيب عن أسئلة أهل الكتاب وغيرهم، فيكون فيه إلزامهم، وهذا نوع من الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي بما أعلمه الله. وقد مر معنا أنه في بعض الأحاديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين سئل لم يكن عنده جواب حتى أوحى الله عز وجل إليه بجواب ما سألوه، وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ومن ضمن تلك الأسئلة هذه الأسئلة الأربعة في هذا الحديث، حديث بن عباس، وفي رواية أنها خمسة، وهي كما نرى في أمر من الغيب لا يعلمها إلا من يعلم الغيب أو أعلمه من يعلم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، ويطلع من يشاء من رسله، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول، فأعلم الله عز وجل نبيه بما كان من ذاك الغيب. وهذا كثير فيما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من القرآن، وما أخبر وتكلم به من السنة. وهذا الحديث فيه مجموعة من المسائل، من أهمها هذا الذي استدل به شيخنا رحمه الله، إذ فيه دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ سئل عن أمور غيبية فأخبر بها بمثل ما وقعت، ولم يستطع اليهود أن يكذبوه. وإذا كان كذلك علم أن مثل ذلك لا يكون إلا بوحي، وهو كذلك. وفيه من المسائل كذلك كفر اليهود وشدة حسدهم وعنادهم وكبرهم، فإنهم قديما وحديثا لا يزالون على هذه الصفات الذميمة. وفيه كذلك أن اليهود من أشد القوم نقضا للعهد والميثاق، وكم قد أخذ الله عز وجل عليهم من عهود ومواثيق عن عدد من أنبيائهم ورسلهم عليهم الصلاة والسلام، فنقضوا تلك العهود والمواثيق حتى غضب عليهم ولعنهم. وهكذا كذلك من كان من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليهم العهود والمواثيق في أمور شرعية دينية، وفي مواثيق أخرى دنيوية، وكلها حصل منهم فيها النقض. فهذا الحديث مثال من أمثلة كثيرة في نقض اليهود للعهود والمواثيق، ومنها ما وقع لبني قريظة، وهكذا كذلك لبني المصطلق وبني قينقاع وغيرهم من قبائل اليهود الذين نقضوا العهود مع النبي عليه الصلاة والسلام، فوقع ما وقع يوم خيبر وقبل ذلك وبعده من يوم الخندق وغيرهم من مواقف حصل فيها نقض العهود والمواثيق من قبل اليهود. وهكذا كذلك فيه من المسائل وطبعا هذا يجعلنا ألا نأمن في معاملة اليهود وقبول عهودهم ومواثيقهم. وفيه كذلك من المسائل كما مر معنا في درس سابق جواز مناظرة أهل الباطل من كفرة وغيرهم إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين، وأن مناظرة أهل الباطل ومجادلتهم هي بحسب المصلحة، فإن كانت المصلحة الراجحة تقتضي مناظرتهم ومجادلتهم كانت المناظرة والمجادلة، وإن اقتضت المصلحة العكس فإنه لا يناظرون ولا يجادلون. وعلى هذا يكون الجمع بينما روي عن الأئمة من فعل المناظرة مع أهل الباطل ومنهم أهل البدع، ومما روي كذلك عن بعضهم من المنع والتحذير من ذلك، فيكون من منع لظروف وأحوال تقتضي المنع، ومن أجاز أجاز لظروف وأحوال تقتضي الجواز، فهو أمر يدور بحسب الأصلح للإسلام والمسلمين. فمثلا إذا كانت شوكة أهل الحق قوية وأهل الباطل ضعيفة، ومناظرتهم سبب لشهرتهم وارتفاع شوكتهم، وكان بمثابة الدعاية والإعلان لهم، ففي هذه الحال لا ينبغي مناظرتهم، بل ينبغي أن يهمشوا وأن يتركوا، ويكون الرد عليهم بغير مناظرة، ممكن يذكرون بغير تسمية، بعض أهل الباطل يقولون كذا وكذا، وجوابه كذا وكذا، من دون أن يذكروا حتى بالإسم، لأن ذكرهم بالإسم ربما يكون إشهار وتلميع لهم. وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض الأئمة من النهي عن مجادلة ومناظرة أهل الباطل قديما وحديثا. وقد يكون المقام العكس، أهل الباطل في غلبة وأهل الحق في ضعف، فمناظرتهم سبب لظهور الحق، خصوصا إذا صار إكراه لذلك، ومنه ما وقع للإمام أحمد رحمه الله في مناظرته للقائلين بخلق القرآن، ومنه ما وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مناظرته لطوائف من أهل البدع في زمانه. فالأمر يدور بحسب ما تكون به المصلحة. وفيه كذلك من المسائل جواب هذه الأسئلة الأربع التي أجاب بها النبي عليه الصلاة والسلام. فالطعام الذي حرم إسرائيل -وهو يعقوب عليه السلام- هو لحم الإبل، والشراب الذي حرم هو لبن الإبل، وعلم سبب تحريمه أنه نذر نذرا، والنذر لا يأتي بخير، وهو مكروه. وهكذا كذلك فيه ثانيا بيان حصول التذكير والتأنيث في الولد، وأن من أسبابه -وليست كل أسبابه- من أسبابه أن يعلو ماء الرجل ماء المرأة، واختلف في هذا العلو، فقيل: معناه أن يكون قبل هذا، معنى علوه، وهكذا جاء في بعض الروايات، وقيل: أن يكون أكثر، وهكذا جاء في بعض الروايات، وقال بعض أهل العلم: هو بحسب ما يكون في وضع الزوجين عند المعاشرة. وكل هذه الثلاث أسباب يكون بها التذكير والتأنيث، والأمر لله سبحانه وتعالى. ولكن كما قال أهل الخبرة بهذا الباب، ومنهم بعض أهل الطب: أنه لا يكاد يخطئ في الغالب من جمع هذه الأسباب الثلاث في أن يكون التذكير أو التأنيث، وهو مشهور في كتب أهل الاختصاص قديما وحديثا. فهي أسباب، ولا يلزم إذا وجد السبب وقع الحكم، كما تعرفون، فإن الأسباب هي من مضان وقوع الأحكام، ولا يلزم بها وقوع الأحكام. فالله عز وجل، وهو على كل شيء قدير، قادر على أن يوجد الشيء من غير سببه، وعلى أن يقع السبب ولا يقع الشيء. مثال الأول: ولد عيسى عليه السلام من غير أب، وهذا بيان لعموم قدرة الله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير، إنما نفخ في أمه جبريل عليه السلام، فقال بأمر الله: ﴿كن﴾ فكان عيسى عليه السلام، ﴿إن مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾، عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك مثال وجود السبب مع عدم وجود الحكم: رمي إبراهيم عليه السلام في النار، الغالب أن من وقع في النار ماذا أحرق؟ فالله عز وجل لعموم قدرته أظهر لعباده أنه لا يلزم عند وجود السبب وجود الحكم، فهو على كل شيء قدير، فقد جعل الله عز وجل النار على إبراهيم بردا وسلاما، وهو سبحانه على كل شيء قدير. لكن الأصل أنه إذا وجد السبب وجد الحكم. والرابع من هذه المسائل في نوم عيني النبي عليه الصلاة والسلام وعدم نوم قلبه، وأن هذا من الصفات التي أعلم بها اليهود عن صفة نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان في هذا إلزامهم ومحاججتهم بما عندهم من العلم بما لا يستطيعون أن ينكروه. والخامس وهو في الولي من الملائكة، وهو جبريل عليه السلام، ويعلم اليهود أنه جبريل، لكنهم قوم بهت وأهل عداوة، فكان ما سمعنا في الحديث غضب الله عز وجل عليهم، وباء وباءوا بغضب على غضب. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.