الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 78، الدرس الثامن والسبعون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا سعيد بن عفير حدثنا الليث ... وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أورد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي أحاديث صحيحة تبين بشارة النبي لخديجة بالجنة، وأمر الله جبريل أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. جاء في الأحاديث أن النبي كان يكثر من ذكر خديجة ويهدي إلى صديقاتها.
يُبين فضل خديجة ونصرتها للنبي، وبشارة النبي لها ببيت في الجنة، ويُظهر أن الجزاء من جنس العمل. كما يستدل على دلائل نبوة النبي وصدق رسالته من خلال هذه البشارة.
يُناقش أهمية حفظ فضل ذوي الفضل ونشره، ويشير إلى أن نسيان الفضل يعد لؤمًا، ويؤكد على ضرورة شكر ذوي الإحسان. كما يذكر فضل خديجة وما أعد الله لأهل الجنة.
يصف نعيم الجنة وما فيها من جمال ومتع تفوق ما في الدنيا، ويحث على الصبر والثبات على الحق لتحصيل ما هو أفضل من متع الدنيا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال حدثنا البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا سعيد بن عفير، قال حدثنا الليث، قال: كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه، أو قال: كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلطاء إليها منها ما يسعهن. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل أو جبريل عليه السلام أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب. قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب. قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، يشير به إلى بشارة خديجة رضي الله عنها بالجنة، إذ أمر الله عز وجل جبريل أن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويبشره، وأن يبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. ومعنى من قصب: قيل المراد به قصب من ذهب، ولا صخب فيه ولا نصب، أي في غاية من الهدوء والجمال، ولا نصب، أي لا تعب فيه. والجزاء من جنس العمل، لما كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعوته وجهاده، وتعلمون ما ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعوته من الأذية، ومن التعب والنصب، وكان شريكه في ذلك زوجه خديجة رضي الله عنها، التي كانت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بنفسها ومالها وجاهها وكل ما تملك، فواسته حيث قطعه الناس، ونصرته إذ عاداها الناس، وفعلت وفعلت، وبذلت في ذلك القليل والكثير، على ما كان عليه أمرها، فهي امرأة كسائر النساء، وعندها أبناء تقوم بهم، وتعب ونصب، ومع ذلك لم تتأخر في نصرته بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، سواء بتقويته بما قالت يوم ما كان له ما كان: والله لا يخزيك الله أبدًا، وهكذا كذلك غير ذلك من بذلها بالمال والجاه وغيره، فكان لها هذا الجزاء العظيم، بشرت ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وهذا من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، فقد بشر أناسًا بالجنة، فتوفاهم الله على ذاك الخير الذي كانوا عليه، ومنهم خديجة رضي الله عنها، وهذا هو الشاهد في إيراده في هذا الفصل في هذا الكتاب "الصحيح المسند من دلائل النبوة". وفي الحديث مسائل أخرى، منها: فيه فضل خديجة رضي الله عنها، وفيه كذلك أن فضل ذوي الفضل لم ينل براحة الجسد، ولكنه نيل بشيء من التعب والنصب والجد والاجتهاد، فكان الجزاء من جنس العمل، والذين جاهدوا فينا لنهديَنَّهم سُبُلنا، والدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء. وهكذا كذلك فيه من المسائل: بيان ما جبل الله عز وجل عليه النساء من الغيرة، وأنه ينبغي أن يعالج بحكمة، فإذا كان أمثال هؤلاء الفاضلات التي هن محل قدوة وتقى ودين وفضل، ومع ذلك قد يقع شيء من الغيرة في القلوب، فهنا ينبغي أن يكون هذا لنا أسوة أن يعالج مثل هذه الغيرة بالعلاج الصحيح. أولها: أن يجتنب كل الأسباب المهيجة لها، فمن ابتلي بزوجات فإنه ينبغي عليه أن يسايس هذا المجتمع الذي يعيش فيه، وابتلي به بالسياسة الشرعية الصحيحة، ومنها ما كان عليه حال نبينا عليه الصلاة والسلام مع أزواجه، فيجتنب كل الأسباب التي تهيج الغيرة، يحاول قطعها، ومن ذلك الحرص على العدل على الوجه الشرعي الذي أمر الله عز وجل به. وهكذا كذلك أن يستعين بذلك بوعظ ونصح يذكر به هؤلاء الزوجات بما يعين على تجاوز مثل هذه العقبة، وليس مثل هذه الأحاديث وغيرها حجة للنساء أن يستدلن بها على ما قد يقذفه الشيطان من فتن حسية أو معنوية في القلوب بحجة قد غار نساء النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهن، فإن هؤلاء من البشر، ومع ذلك هن يجتهدن، وما قد يقع فإنه يغمر في بحر الحسنات. كما قيل: الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، لكن أنت أيتها المسكينة الضعيفة التي ماءك أقل من القلتين، الصحابيات ماءهن قلتين وزيادة، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، لكن أنت أيتها المسكينة الضعيفة، ليس فضلك كفضل الصحابيات، فلا تتعلقي بما لا يصح التعلق به. فأنت تعرفين أن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة جزاؤها بمثلها، فلذلك العاقل، ذكرًا كان أو أنثى، يجتنب أن يدخل على نفسه ما يضر به في دينه ودنياه، فمثل هذه النصائح وما كان بمعناها معين على إزالة معاني الغيرة. وهكذا كذلك منه: أن لا تكون هناك ردود فعل تؤدي إلى مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة، فبعض الأزواج ربما يريد أن يصلح فيفسد، فينبغي أن يراعي المصالح من المفاسد، فيتتبعها تتبعًا دقيقًا يكون به بإذن الله تجاوز مثل هذا. وفي الحديث من المسائل كذلك: حفظ فضل ذوي الفضل ونشره وبثه، وهذا من رد الجميل، من لم يشكر الناس لم يشكر الله، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام الذي نصرته واجبة، وكيف إذا كان من زوجة له؟ فهو أشد، ومع ذلك حفظ النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة فضلها، فلا ينسى فضل ذوي الفضل إلا لئيم، فلا ينبغي أن يكون اللؤم في خلق المسلم والمؤمن، بل المؤمن يحفظ فضل ذوي الفضل، وكذلك يشكر لذوي الإحسان، حتى ولو كان صغيرًا، حفظ فضل ذوي الفضل وشكر إحسان ذوي الإحسان، هذا من عظيم خلق صاحبه ورفيع كرمه وأدبه. وأما إذا كان فيه نسيان للفضل فهذا معناه أنه لئيم، واللؤم ليس بخلق المؤمن، وهذا درس عظيم لنا أن نتأدب بهذا الأدب الرفيع. وأخيرًا فيه من المسائل كذلك: ما ذكر في هذا الفضل الذي جعل لخديجة رضي الله تعالى عنها، وفيه ذكر شيء من وصف الجنة، وما عد الله عز وجل لأهلها، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها، وأن يعيننا على العمل الموصل إليها. فهذا قليل من كثير مما في الجنة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيا من غرته المناظر الجميلة في الدنيا، وتلك كذلك الحياة الخلابة الهادئة، فإن في الجنة ما هو أحسن منها، إن كان الناس يتوصلون لذلك بالحلال والحرام والتنازل عن بعض دين الله عز وجل، ففي صبرك وكذلك ثباتك على الحق بإذن الله ما يكون سببًا لحصول ما اشتهيت في الدنيا وزيادة، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وكما سمعنا فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. إلى هنا والله تعالى أعلم.