الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم الغنى والفقر في الإسلام، حيث يفرق بين الغنى الحقيقي الذي هو صفة من صفات الله تعالى، والغنى النسبي الذي هو عارض للمخلوقات ويدل على نقصها وفقرها.
الغنى الحقيقي هو الاغتناء بالله عز وجل، وليس امتلاك المال أو الدنيا، لأن الدنيا زائلة وليست دليلاً على الغنى بل على الفقر والنقص.
يتطلب التخلص من التعلق بالدنيا أن يتعلق الإنسان بالله وحده، كما يناقش الشيخ مسألة الغنى بالله ويحذر من سوء فهم بعض العبارات.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، فصل في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل. قال: ولما كان الفقر إلى الله عز وجل هو عين الغنى به، فأفطر الناس إلى الله أغناهم به، وأذلهم له، أعزهم، وأضعفهم بين يديه، أقواهم، وأجهلهم عند نفسه أعلمهم بالله، وأمقتهم لنفسه أقربهم إلى مرضات الله، كان ذكر الغنى بالله مع الفقر إليه متلازمين متناسبين، فنذكر فصلًا نافعًا في الغنى العالي. قال: واعلم أن الغنى على الحقيقة لا يكون إلا لله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر. لفظة «بذاته» بعض طلبة العلم عنده تحسس منها، يعني ليست لفظة «بذاته» في كل موضع تكون محل تحسس ومحل كذلك تحفظ. وقعت مسألة وهي التعبير بلفظة «بذاته» في المعية، الله معنا بذاته، هذه اللفظة أنكرها أهل العلم، ووقع لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله محنة كبيرة عظيمة في هذه القضية. فإنه رحمه الله تكلم على مسألة المعية، وأن معية الله معية حقيقية، ومن ضمن كلامه عبر بلفظة «بذاته» ويريد بذلك رحمه الله تأكيد الحقيقة، وذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المثال الذي مثل به، كأن تقول: الله معنا حقيقة، كقول القائل: سرنا والقمر معنا، فالقمر في علوه وهو معنا حقيقة، ولا تقتضي هذه الحقيقة مخالطة القمر للسائرين، فهو في علوه الخاص الذي يليق به كمخلوق له هذا العلو، والله سبحانه وتعالى العظيم له العلو المطلق، وهو مع خلقه حقيقة، سواء المعية العامة أو المعية الخاصة، المعية العامة والخاصة تقتضي معية حقيقية. إن عبرت «بذاته» كان اللفظ فيه ما فيه، لأنه قد يستغله بعض أهل الحلول والاتحاد ووحدة الوجود فيجعلونه مدخلًا للمخالطة ونحوها، فردوا على شيخنا رحمه الله بردود عظيمة، حتى قالوا: كفر الشيخ، يعني مثل الشيخ العثيمين، هل ممكن يكفر؟ إنسان يحارب الكفر، يحارب البدعة، وهذه اللفظة أراد بها رحمه الله هذا التعبير. الشاهد: الشيخ رحمه الله تراجع في مكتوب وصوت عن هذه اللفظة، ثم في دروسه الخاصة لما سألته: أنا بنفسي، شيخنا حفظكم الله، نسمع لكم أحيانًا تأكيدًا للمعية الحقيقية، وأحيانًا تعبرون بالذاتية، وأنها لا تستلزم الخلطة، فهل تراجعتم عن تراجعكم؟ فيقول: تراجعي لدرأ المفسدة، وإلا فالذي أراه المعية الذاتية الذي أقصدها هي نفسها المعية الحقيقية، لم أقصد الخلطة ونحوها من الأمور المتوهمة، فلكن درءًا للخلاف وسدًا لأن يتسلق أحد على هذه الكلمة، معنى كلامه رحمه الله: تركنا التعبير بلفظة «بذاته»، فهذه قضية. ثم تأتي بعد ذلك مسائل أخرى، مر معنا قبل أيام تعبير الإمام ابن القيم رحمه الله «الباطن بذاته»، وقد استشكلت ذات تلك الكلمة على بعض المشايخ وطلبة العلم، والصحيح أنه ليس فيها شيء، فـ«الباطن بذاته» مثل «الغني بذاته»، مثل كذلك «العلي بذاته» ونحوها، تأكيد لهذه الصفة، وقد عبر بها الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع، وكثير من المشايخ عبروا بها، كذلك عبر بها الشيخ سليمان بن سحمان في بعض ردوده، وجماعة من أهل العلم، حتى الحافظ ابن حجر والكرماني، وكثير ممن شرح صحيح البخاري في بعض المواضع ذكروا، وينقل بعضهم عن بعض، لا شك ينقل بعضهم عن بعض، عبروا بهذا التعبير «الباطن بذاته»، فالمراد هو هذا تأكيد هذه الحقيقة. وفي هذا الموضع يستبعد ذاك الوهم، أي الخلطة والقول بوحدة الوجود أو نحوه، فإن شاء الله لا إشكال في مثل هذه اللفظة، وفي مسألة المعية لأنها فيها مدخل، فالأحوط تركها وسد الذريعة المفضية إلى الفهم الخاطئ، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر، كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع، فكما أن كونه مخلوقًا أمر ذاتي له، فكونه فقيرًا أمر ذاتي له، كما تقدم بيانه، وهذا ظاهر، كما قلنا: كل مخلوق ناقص فقير، بل هو قبل ذلك كذلك، وبعده ازداد فقرًا ونقصًا. قال: وغناه أمر نسبي إضافي عارض له، فإنه إنما استغنى بأمر خارج عن ذاته، فهو غني به فقير إليه، ولا يوصف بالغنى على الإطلاق إلا من غناه من لوازم ذاته، فهو الغني بذاته عما سواه، الأحد الصمد الغني الحميد. والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال. فالغنى السافل: الغني بالعواري المستردة، من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرف. وهذا أضعف الغنى، فإنه غنى بظل زائل، وعارية ترجعا قريبًا إلى أربابها، لأنه ملك مؤقت، وملك يدل على النقص الذي يحتاج إلى النساء، ويحتاج إلى الذهب، ويحتاج إلى الخيل والأنعام والحرف، هذا ناقص، لأنه يكمل نقصه بماذا؟ بهذه المملوكات. فكونه ملك فصار غنيًا، وغيره ليس مالك فصار فقيرًا، هذا أمر نسبي، وهو غنى يدل على السفول، غنى يدل على السفول. أما الغنى التام فهو الغنى الذي لا يفتقر إلى شيء. فإذا أصل سبب الملك نقص وفقر، من احتاج أن يمتلك مثل هذا هو فقير وناقص، وامتلاكه تأكيد لفقره ونقصه، ثم هو يمر بفقر ونقص، لأن هذا لا يدوم، سرعان ما يزول، وزواله يزيد في ماذا؟ في فقره ونقصه، وأنه ليس له معنى الغناء. قال رحمه الله: فإذا الفقر بأجمعه بعد ذهابها، ومعنى «بأجمعه»: يعني فقره الأصلي الذي هو وصف المخلوق، فهو يخرج بطن أمه لا يملك شيئًا فقير، ويرجع إلى قبره وهو لا يملك شيئًا كذلك ماذا؟ فقير. وهكذا كذلك امتلاكه لهذه المملوكات ليس غناء، بل هو دليل على الفقر والنقص، إذ لا يمتلك ولا يطلب هذا إلا الناقص، وهو لا يدوم. قال: وكأن الغناء بها كان حلما فانقضى، ولا همة أضعف من همة من رضي بهذا الغناء الذي هو ظل زائل. ولذلك من تعرف على غنى الله على حقيقتها هذه الصفة، فهو لن يغتني بنفسه، ولن يكتفي بنفسه، بل لا يزال فقيرًا إلى ربه وخالقه ومولاه، لعلمه أن كل ما في يده ليس هو الغنى، بل الغنى الحقيقي الغنى بالله عز وجل، الذي من افتقر إليه أغناه سبحانه وتعالى كما تقدم. قال: وهذا غنى أرباب الدنيا الذين فيه يتنافسون، وإياه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أحب إلى الشيطان وأبعد من الرحمن من قلب ما الآن بحب هذا الغنى، وبالخوف من فقده. ومن عرف هذه الحقيقة لم يكن للدنيا في قلبه ولا في يده وزن، لأنه يعلم أنها ليست الغنى، بل الغنى الحقيقي بمن بالله العظيم سبحانه وتعالى. قال بعض السلف: إذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: مؤمن قتل مؤمنًا، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر. البراد بالفقر: الفقر الدنيوي الذي هو علامة من علامات نقص العبودية. قال: وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله، وفقر بعده، وهو كالغفوة بينهما، فحقيق بمن نصح نفسه ألا يغتر به، ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سببًا لغناها الأكبر، ووسيلة إليه، ويجعله خادمًا من خدمه لا مخدومًا له، وتكون نفسه أعز عليه من أن يعبدها لغير مولاه الحق، أو يجعلها خادمة لغيره. ومراده بفقرين: أي الفقر الذي بدأ به، فهو خرج مخلوقًا ضعيفًا لا يملك شيئًا، وينتهي إلى قبره بماذا؟ بميت ضعيف لا يملك كذلك ماذا؟ شيئًا. وما ملكه هذا المولود من حين أن يورده أول لباس حين كان مولودًا، هذا الملك إلى أن يمتلك ما يمتلك حتى يموت، كل هذا بالنسبة للإنسان كالحلم، وهو كما قال: كالغفوة بين فقرين، غفوة بين فقرين، بل امتلاكه واستغناءه هو في الحقيقة دليل على فقره ونقصه كما تقدم. ثم أشار رحمه الله أن الغنى الحقيقي والأكبر هو الاغتناء بالله عز وجل والاكتفاء به، ولذلك كل ما في الدنيا هو بالنسبة له ليس بشيء، فمن أراد الغنى الحقيقي فليغتني بالله عز وجل، فلا يفتقر إلى الله إلا وزاده الله غنى. وأما إذا تعبد لغير مولاه، والعبودية المراد بها ها هنا هو بالمعنيين اثنين، سواء عبودية حقيقة حقيقية، أفرأيت من اتخذ إله هو؟ ونحو هذا، كذلك عبد الدينار، عبد الدرهم، عبد الخميصة، أو عبودية بمعنى مزاحمة عبودية الله عز وجل، فمن زاحم حب الدنيا عبودية الله، فكانت على حساب طاعة الله ومرضاته وحدوده، فهو كذلك عنده شائبة شرك لهذه الدنيا، وهو شرك خفي، وكذلك عبودية خفية تنافي كمال العبودية لله سبحانه وتعالى. ولا يحصل ذلك إلا بأن يتخلص من هذا التعلق، ويكون تعلقه بالله سبحانه وتعالى وحده. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يحسن خاتمتنا. وإلهنا والله تعالى أعلم.