الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح درجات الغنى العالي حسب ابن القيم، وهي ثلاث درجات: غنى القلب، غنى النفس، والغنى بالحق. الغنى الحقيقي يكون بالاستغناء بالله.
يشرح مراتب الغنى الثلاث ويبين أهمية صلاح القلب في تحقيق الغنى الحقيقي. القلب هو الملك الذي يسيطر على الجوارح واستقامة الجسد تعتمد على صلاحه.
يشرح أهمية الإخلاص لله ومراقبته في حياة القلب، ويبين كيف أن متابعة سنة النبي تعين على الاستقامة. كما يوضح الفرق بين الصلاة الحية والصلاة الميتة.
يشير إلى العودة إلى استكمال مناقشة أو شرح كلام الإمام الراحل مع التعبير عن الأمل في الاستمرار بإذن الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال: فصل في الغنى العالي وتفسير كلام الهروي في درجاته. قال: وأما الغنى العالي فقال شيخ الإسلام: هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى غنى القلب، وهو ملاءمته من السبب، وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة. قال: والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب وسلامتها من المسخوط وبراءتها من المراياة. والدرجة الثالثة الغنى بالحق، وهو ثلاث مراتب: الأولى شهود ذكره إياك، والثانية دوام مطالعة أوليته، والثالثة الفوز بوجوده». قلت: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس الغنى عن كثرة العرب، ولكن الغنى غنى النفس». ومتى استغنت النفس استغنى القلب. ولكن الشيخ قسم الغنى إلى هذه الدرجات بحسب متعلقه، فقال: غنى القلب سلامته من السبب ومسالمته للحكم وخلاصه من الخصومة. ومعلوم أن هذا دليل على الغنى، لا أنه نفس الغنى. بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى. فإن الغني إنما يصير غنيًا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته. وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَمَّا سِوَاهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى السِوَى حَسَرَاتٍ﴾. ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة، وحضره كل سرور وفرحة. والله المستعان. ذكر رحمه الله هنا تفسير الغنى العالي، وهو أن يصل إلى الدرجة العالية في الغنى، وذكر ثلاثة أمور أو ثلاثة درجات: الدرجة الأولى غنى القلب، والثانية غنى النفس، والثالثة الغنى بالحق سبحانه وتعالى. ثم بيّن رحمه الله أن الغنى الحقيقي إنما يكون في الدرجة الثالثة، وذلك أن الغنى هو الاستغناء، فمن كان مستغنيًا كان غنيًا. وهذا لا يكون إلا في الدرجة الثالثة. وأما الدرجة الأولى والثانية فهي أسباب ووسائل توصل إلى الدرجة الثالثة. فإذا يتدرج الإنسان ليصل إلى الغنى الحقيقي العالي بهذه الدرجات الثلاثة: أولاً باستغناء النفس، فمتى استغنت النفس استغنى القلب. كما ذكر رحمه الله. فإذًا يحتاج أن يعرف السائر إلى الله كيف تستغني نفسه. أشار رحمه الله إلى ذلك بقوله في هذه الدرجة: أن تستقيم على المرغوب، وأن تسلم من المصخوط. يعني تكون هناك مجاهدة في إقامة النفس على ما يحبه الله، ومجاهدتها في إبعادها عما يسخطه الله. كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. فتزكية النفس وغنى النفس يصل إليه بأن يجاهد المسلم نفسه حتى يقيمها على المرغوب، ويسلمها من المصخوط المبغوب. ومتى ما فعل ذلك وصل إلى الدرجة الأخرى وهي غنى القلب. فمتى ما أقمت نفسك على ما يحبه الله، وجاهدتها فأبعدتها عما يسخطه ويبغضه الله، وفقك الله بأن يكون في قلبك غناء. وهذا الغنى الذي في القلب يتوصل إليه كذلك مع ما سبق بشيئين اثنين: أولهما سلامته من السبب، ومسالمته للحكم. يعني سلم قلبك من أسباب فقره. ليس الفقر عن قلة العرض، ولكن الفقر ألا تستغني بالله. فمتى استغنيت بالله، واستغنت نفسك بالله، فإنك ستجد الغنى في القلب. وهذا هو سلامته من السبب، أنك تغلق على نفسك أسباب الفقر. وذلك بشيئين اثنين: أولهما تنظر إلى كمال الرب العظيم الغني الذي لن يستغني أحد إلا بغناه، وتنظر إلى فقرك وضعفك ونقصك وحاجتك إلى ربك وخالقك. والأمر الثاني أنك تسلم النفس، كما تقدم، من اثنين: البعد عن المصخوط، والاستقامة على المرغوب. فإذا فعلت ذلك فقد سلمت نفسك من الأسباب التي تفقر قلبك. والثاني مسالمته للحكم، ومعنى عدم المنازعة أن تكون عندك أعلى مراتب الصبر. فإذا وصلت إلى مرتبة الشكر والرضا، رضا فأنت قد وفقت لمسالمتك للحكم. فأنت راضٍ بحكم الله، وتعلم علم اليقين مع برد اليقين أن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. حتى ولو رأيت أن الذي تريده لنفسك خير، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإذا وصل إلى هذا فإنه يسلم قلبه، ولو كان فقيرًا في الدنيا، فإنه يكون غنيًا بالله سبحانه وتعالى. وهذا هو ما جاء في الحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». فإذا استغنت النفس بالله عز وجل، أغنى الله عز وجل العبد عما سوءه. ومما يعين على الدرجة التي أشار إليها الثانية، وهي غنى النفس، كما قال: استقامته على المرغوب، وسلامته من المصخوط. والناس في هذا درجات. فكلما قربت إلى الله صرت أكثر استقامة ومسالمة وسلامة من المصخوط، استقامة على المرغوب وسلامة من المصخوط. ومما يغرقك إلى الله أمران اثنان: فعل الطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات. فإذا فعلت الطاعات قربت من الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». وإذا تقربت من الله شبرًا تقرب منك ذراعًا، وإذا تقربت ذراعًا تقرب منك باعًا. حتى تصل إلى أعلى القرب، وذلك كيف؟ أن تكون في جوارحك تسمع وتبصر وتفعل كل شيء بالله عز وجل. فأنت إذا سمعت سمعت بالله، وإذا رأيت رأيت بالله، وإذا بطشت أو مشيت فكل ذلك بالله سبحانه وتعالى. ولذلك كان مما يقرب إلى الله أنك تفعل الأسباب التي تعينك على هذا القرب الحسي والمعنوي. ولما سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، ادعو الله لأن أكون معك أو رفيقك في الجنة». ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ «أعانك على ذلك بكثرة السجود». تأمل هذا وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من الرب وهو ساجد». فقوله: «أعني على ذلك بكثرة السجود» يعني اقترب من الله بكثرة سجودك، بكثرة طاعاتك. فالسجود سجودان: سجود الجسد، وسجود الجوارح. سجود الجسد هذا الذي نراه، وسجود الجوارح ومنها سجود القلب. من سجد قلبه لله هل يمكن أن يبتعد عن المرغوب؟ الجواب: لا. هل يمكن أن يقترف المصخوط؟ الجواب: لا. ومن سجدت جوارحه لله حقًا وصدقًا هل ممكن أن يبتعد عن المرغوب؟ الجواب: لا. هل يمكن أن يقترف المصخوط؟ الجواب: لا. إذًا إذا أكثرت من السجود لله، «أعني على ذلك بكثرة السجود» فأنت ستكون قريبًا من الله. وقربك من الله سبب لغناك واستغنائك به واستكفائك به عما سواه. ولهذا إذا سجد المسلم سجودًا صادقًا خالصًا لله ينسى الدنيا كلها. هذا واقع ومجرب. فإذا سجدت لله سجدة خالصة صافية بصفاء قلب، فإنك تنسى الدنيا كلها. وعند ذلك يتحقق أنك استغنيت بالله عما سواه، وتعلم علم اليقين مع برد اليقين أن ما يختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. فيصير ما تراه في الدنيا هو كله مملوك لله عز وجل، أقبلت الإسباب أو أدبرت. لا يؤثر ذلك شيئًا. وهكذا تصير الدنيا ليست في القلب أبدًا. فلهذا «ليس الغنى عن كثرة العرب، ولكن الغنى غنى النفس». قال رحمه الله تعالى: «وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس». تأمل: نحن قلنا أن أول شيء نبدأ بماذا؟ غنى النفس الذي يوصل إلى غنى القلب، والذي يوصل إلى غنى بالحق. فهي إذن ثلاثة مراتب. هذا ترتيبها: غنى النفس، ثم غنى القلب، ثم غنى بالحق. طيب لماذا قدم غنى القلب مع أنه يأتي بعد غنى النفس؟ قال رحمه الله: لأن كمال صلاح النفس وغناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغها إلى درجة الطمأنينة، لا يكون إلا بعد صلاح القلب. «لأن صلاح كل منهما مقارن لصلاح الآخر، ولكن لما كان القلب هو الملك، وكان صلاح جميع رعيته أولى بالتقديم». وهو كما قال رحمه الله. ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». اللهم صل وسلم على نبينا محمد. قال: والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية، خلع على الأمراء والرعية خلعًا تناسبهم. وفاض على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات. فأدت الحقوق سماحة لا كظما، بل بانشراح ورضا ومبادرة. وهذه أعلى مراتب الصبر. فالناس بين صاخط وصابر وشاكر وراضٍ. الطمأنينة تأتي مع الشكر والرضا. ومن وصل إلى هذا حصل له الاستغناء الحقيقي. والكثير من الناس يظن أن مجرد الصبر وصل إلى المقصود، وليس كذلك. ولكن الصبر درجة تسلمك من الغضب ومن العقاب، وليست هي الدرجة الكافية. ولكن بها تصل إلى ما هو مطلوب: من الشكر والرضا. والناس بالصبر كذلك فهناك حتى الصابر أصناف: فهناك صابر ومصطبر وصبار وصبور. فأما الصابر فهو الذي وقع منه فعل الصبر. وأما المصطبر فهو الذي جاهد نفسه فطلب الصبر. وأما الصبار فهو الذي كثر منه الصبر. وأما الصبور فهو الذي لازمه وصف الصبر. ولكن كاد يخطئه. وكل هذا يفهم من ماذا؟ من هذه الأوزان وصياغها. فلكل وزن معنى. ومع ذلك فهؤلاء الأربعة يدخلون في الصابر، ولم يصلوا إلى المطلوب. المطلوب فوق ذلك أن تصل إلى مرتبة الرضا، وما كان لازمًا له من الشكر. قال رحمه الله: وذلك لأنها جانست القلب حينئذ، وافقته في أكثر أموره، واتحد مرادهما غالبًا. فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدوًا مبارزًا بالعداوة. جوارحك أعداء، وقلبك هو الملك. فإن كان الملك حازمًا استطاع أن يجعل هذه الأعضاء والجوارح جنودًا تخدم هذا الجسد إلى ما فيه خيرها في الدنيا أو في الآخرة. وإن لم يكن الملك حازمًا عاقلاً حكيمًا، فإن الجسد سيتمرد على هذا. الجوارح ستتمرد على هذا الجسد. وهذا هو معنى كلامه رحمه الله. قال: «فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولده وعيش ونعيم هو رقيقته من نعيم أهل الجنة». قال: هذا ولم تأضع الحرب أوزارها فيما بينهما، بل عدتها وسلاحها كامن متوار. لو قوة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح. فالمرابطة على ثغر الظاهر والباطن فرض عين مدة أنفاس الحياة. معناه: إذا لم يكن القلب ملكًا حازمًا تمردت بعض الأعضاء. البصر يحتاج لمراقبة مستمرة، وإلا فكان للبصر خيانة. قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. العين حين تخون فتقع في معصية الله. أول من تخون تخون الجسد، صاحب الجسد. تخون صاحب الجسد. ومن الذي يملك سد هذه الخيانة؟ القلب السليم. القلب السليم هو الملك الذي يستطيع أن يسيطر على هذه الجوارح من الخيانة والتمرد. وهذا هو قوله رحمه الله: حتى لو استقام الجسد وأذعن، فهو كالملك الذي تحته جيش لا يدري متى تأتيه الخيانة من أي جسد، من أي موضع من الجسد. وهو لا يزال في مراقبة ومرابطة حتى يخرج من هذه الدنيا بسلام. ولما جاء الشيطان إلى الإمام أحمد في مرض موته، وقال: وهو يعض على يده «فزت يا أحمد، نجوت يا أحمد». قال: «ليس بعد». فسأله: ماذا تقول؟ قال: أتاني إبليس ويقول: «فزت يا أحمد، نجوت وفلت مني». فقلت: «ليس بعد». يعني ما دام حيًا فهو لم يفلت من الشيطان. لم يزل في خوف من وساوسه. قال: «وتنقض الحرب محمود عواقبها للصابرين، وحظ الهارب الندم». قال: وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار، وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهى. وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة. وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر، والغض عن المحارم. وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة، واستماع القول النافع، استماعه للعبد في معاشه ومعاده. وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد. فغد العبد وراح يرفل في هذه الخلع، ويجر لها في الناس أذيالاً وأردانًا. فغنى النفس مشتق من غنى القلب، وفرع عليه. فإذا استغنى سر الغنى منه إلى النفس. وغنى القلب بما يناسبه من تحققه بالعبودية المحظى التي أعظم خلعة تخلع عليه. قال: فيستغني حينئذ بما تجيب هذه العبودية له من المعرفة الخاصة، والمحبة الناصحة الخالصة. قال: وما يحصل له من آثار الصفات المقدسة، وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة، صفة على الانفراد أو مجموعها قائمة بالذات. قال: وهذا أمر تضيق عن شرعه عدة أسفار. بل حظ العبد منه علمًا وإرادة كما يدخل إصبعه في اليم. بل الأمر أعظم من ذلك. والله عز وجل أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها. والمعنى: هذا الغنى الذي يطلبه العبد يمر بمعاني كثيرة هي تدور حول هذه المراتب الثلاثة: غنى القلب، وغنى النفس، وغنى بالحق. ومتى ما تأملها وتدبرها وتفكر في جميع أمورها، وجد أنها بحر عظيم لا يكاد يحصره. ولكنه يجمعه في هذه المراتب الثلاثة التي يختصار لكلام كثير. قال رحمه الله: «فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره، استغنت النفس غنى يناسبها». وذهبت عنها البرودة التي توجب ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض. وهذه البرودة يورث لها الحرارة أمران اثنان: أما الأمر الأول وهو الإخلاص لله عز وجل، ومراقبة الرب سبحانه وتعالى وعظمته. ومن نظر إلى نفسه أنه فقير يطلب الغنى. هذا الذي يشعر بالجوع هو يعرف أن جوعه هذا بسبب فقره، فيطلب الغنى. ولو تمرة تسد جوعه أليس كذلك؟ إذًا هل ممكن يكون عنده فتور في طلب تمرة تسد جوعه؟ سيبذل الأسباب. والذي عنده فقر في عبوديته أعظم من الذي عنده فقر في معاشه. هذا أعظم. ومن كان هذا حاله هل ستجده فاترا؟ ما ستجده فاترا. والأمر الثاني مما يعين الاستقامة على أمره ونهيه باتباع سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. متى ما كان العبد مراقبًا لهذه المتابعة لم يحصل له فتور. لأنه يرى نفسه ناقصًا، ويطلب الكمال دائمًا يطلب الكمال. فلن يجد الفتور في نفسه. وأضرب لكم مثال: تجد اثنين يصليان في مكان واحد. واحد قلبه مستحضر للإخلاص، مستحضر لفقر نفسه، مستحضر لعظمة ربه. كيف يكون قلبه حاله في الصلاة؟ تكون صلاته حية. والآخر في غفلة. بل ربما في السكرة الغفلة. ما عنده شيء لا خير ولا شر. السكرة مثل الذي يشرب الخمر. صار عنده أثر ماذا؟ السكر. والسكر يغطي أن ترى ماذا؟ ما تنتفع به. وهكذا من سكرته وأسكرته الدنيا حتى في صلاته. هو عنده آثار السكر. مشغول بمال، تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. مشغول بنساء، بأولاد، بغير ذلك من شهوات الدنيا كثيرة زينت للناس. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. هنا تأتي السكرة. إنسان سكران حتى في صلاته بهذه الشهوات وزينتها. كيف يكون حال هذين الرجلين في الصلاة؟ هذا الذي قلبه حي، جسده سيكون في الصلاة كذلك حي. سترى أثر هذه الحياة في الصلاة. صلاة مستقيمة فيها خشوع فيها قنوت. ما هو القنوت؟ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. أن تُقبل على الله وتبتعد عما سوى الله. ولذلك تجد هذا الإنسان يصلي متململ من الصلاة. هذا علامة على ماذا؟ صلاة حية أو صلاة ميتة؟ ميتة. صلاة ميتة ليست حية. يتحرك حرك أربع أصابعه. يتلفت يمين يسار. تفرج على الجوال. كم الوقت؟ طول الإمام بالصلاة. صلاة حية وميتة. ميتة إلى الأخير. وآخر في خشوع. تراه إذا قرأ الإمام آية. دمعة عينه. يستحضر للقراءة. مستحضر للصلاة. هذا أمر. الأمر الثاني: المتابعة. تجد الصاحب الصلاة الحية عنده حرص على المتابعة. في القيام في الصدر. «إن معشر الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة». كل موضع له فيه عبادة مع الله، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. في القيام يده بصدره. وصاحب الميتة مرة يده في سرته. مرة تسقط يديه في الأرض. ورغبته مذلدلة. هذا صلاة حية وميتة. ميتة. هذا صلاة ميتة. والآخر صلاة حية. في كل موضع عنده عبادة ومتابعة. وقت التشهد. صاحب الصلاة الحية متابع النبي عليه الصلاة والسلام. عنده ثلاث كيفيات في وضع الإصبع في التشهد. وعنده ثلاث كيفيات في وضع اليدين في الصدر. يتعبد لله بهذه الكيفيات الثلاثة. مرة هكذا. مرة هكذا. مرة هكذا. لماذا يتعبد لله يفعل الكيفيات؟ إذًا صلاته ماذا؟ حية. قلبه حي يتابع السنة. والآخر عند التشهد يده هكذا. كأنه يد ميت. وأحيانًا حتى الأصبع ما يرفعها. خلاص الأربع الأصابع كلها ميتة. هذه المظاهر على ما على ماذا؟ على أن صلاة هذا الإنسان ميتة. وأن صاحب هذا القلب قلبه ماذا؟ ميت. كيف يحيي قلبه؟ يحيي قلبه بما سمعنا: إخلاص، وإقبال على الله. تنظر إلى فقر نفسك. قصر هذه الدنيا. تنظر إلى عظمة الله سبحانه وتعالى وغناه. وكل ما يوجب لك الإقبال عليه. فيتحقق الإخلاص. فتكون عندك صلاة حية. تحرص على السنة في كل حركة وسكنة. في القراءة قراءة. في السجود سجود. في الركوع ركوع. وقت الدعاء دعاء. تنوع الأدعية. تنوع أفعال الصلاة. حتى تكون صلاتك ماذا؟ حية. ما تكون صلاتك ميتة. مر يدك في الأرض. مر يدك في سرتك. مر يدك في عيبتك. ما تدري بنفسك ماذا تفعل في الصلاة؟ هذا هي صلاة ميتة. فإذًا مما يعين على ذلك حياة الجوارح التي تعين على حياة القلب. وكيف تحيي الجوارح؟ بقوة الملك. من هو الملك؟ القلب. «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب». قال رحمه الله: «فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره، استغنت النفس غنى يناسبها». وذهبت عنها البرودة التي توجب ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض. وصار لها حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر. ولهذا إذا نودي المنافق إلى الصلاة ماذا؟ كسل ثقيل. وأما المؤمن فهو يقوم قبل نداء المؤذن. ولهذا كان سفيان الثوري يقول رحمه الله: «بأن النداء ليس لأهل الإيمان». المؤمن الحق يأتي قبل النداء. المؤمن الحق يأتي للمسجد قبل أن يناديه المنادي. فيقول رحمه الله: «أن العبد البار بسيده هو الذي يفعل له ما يطلبه قبل أن يناديه». إذا عندك ولد بار. هل تحتاج أن تقول له افعل لهذا ويفعل لهذا؟ لا. الولد البار هكذا يقول بأبيه. هكذا يقول بأمه. يجعله مثل الزجاج. وأعظم. يفعل له كل ما يحبه قبل أن يطلب. والذي يحتاج أن يقول: «يا فلان اعطيني كذا». هل ابنه بار؟ حتى لو أتى له به البر ناقص. لأنه احتاج أن يناديه. فأنت يا أيها المؤمن. قبل أن يقول المؤذن «الله أكبر». كن في المسجد. كن في المسجد قبل أن يناديك ربك بالصلاة. فكيف بالذي يسمع النداء ويتأخر؟ كيف بالذي يسمع النداء ولا يأتي؟ هذا إيش؟ عاق وعاصي. وهذا هو معنى كلام السلف رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: قال: «وذهبت أيضًا عنها اليبوسة والمضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها». فإنها إذا كانت يابسة قاسية. كانت بطيئة الانفعال. بعيدة القبول. لا تكاد تنقاد. فإذا صارت برودتها حرارة. ويبوستها رطوبة. وسقيت بماء الحياة الذي أنزله الله على قلوب أنبيائه. وجعلها قرارًا ومعينًا له. ففاض منها على قلوب أتباعهم. فأثبتت من كل زوج كريم. فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق. مؤدية لحقوق قائمة بأوامره. راضية عنه مرضية له. بكمال طمأنينتها. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. فلنرجع إلى كلامه رحمه الله إلى هنا إن شاء الله.