طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 123

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 123

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 123، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد قول الفخر الرازي حول امتزاج الخير بالشر

يناقش الشيخ ابن بريك قول الفخر الرازي حول امتزاج الخير بالشر ويبين نتائج هذا القول غير الصحيحة في باب القدر. يشرح أن جعل الخير خيرًا محضًا يعني تغير حقائق الأشياء.

حيرة الفخر الرازي وسببها في مسألة الخير والشر

يتناول المقطع حيرة الفخر الرازي في مسألة الخير والشر ويبين أن سببها عدم التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية وعدم التصور الصحيح لمعنى الشر. ترتبط هذه المسألة بمسألة القدم والحدوث.

تناقض الفخر الرازي في آرائه حول الجبر والقدر والحل المقترح

يتناول المقطع تناقض الفخر الرازي بين قول الجبرية والقدرية والفلاسفة ويخلص إلى أن الحل يكمن في التفريق بين فعل الرب والعبد والإرادة الشرعية والكونية. ينتقد الرازي قول القدرية والجبرية ويبين الصواب.

ختام الدرس والتمهيد للدرس التالي

يختتم المقطع الدرس بذكر خلاصة حول حيرة أهل الأهواء لعدم التزامهم بالثوابت الشرعية ويشير إلى تعليق الإمام ابن القيم في الدرس التالي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»، فيما نقله عن الفخر الرازي: قال -أي الرازي- الثاني: وهو الذي يكون خيره ممزوجًا بالشر، ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، ولا شك أنها معلولات العلل العالية. قال: فلو لم يوجد هذا القسم، لكان يلزم من عدمها عدم عللها الموجبة لها، وهي خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة، وذلك شر محض، فإذن لا بد من وجود هذا القسم. وهذا الكلام نسبي، صحيح أنه لا يوجد خير محض كما لا يوجد شر محض، ولكن جعل ذلك فيما يتعلق بأفعال العباد ومخلوقات الله مما يكون من خلق الله ليس بصحيح. ولهذا ينظر إلى النتيجة، أحيانًا يكون الكلام صحيحًا، ولكن النتيجة غير صحيحة، مثل ها هنا، أصل الكلام صحيح: لا يوجد خير محض، ولا يوجد شر محض، ولكن ما هي النتيجة؟ النتيجة جعل هذا التقسيم سببًا للخلل والضلال في باب القدر، وهذا خطأ، فالنتيجة غير صحيحة. قال رحمه الله تعالى: فإن قيل: فلما لم يخلق الخالق هذه الأشياء عريية عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما قد فرغ منه. وهذا غير صحيح، إذا جعل الخير خيرًا محضًا، وكذلك ما كان فيه شائبة من شر، خيرًا كذلك محضًا، لتغيرت حقائق الأشياء، وهذا لا يوجد في الدنيا، كما مر معنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما تقدم، وكلام تلميذه ابن القيم: أن هذا يعني تغير حقائق الأشياء. فإن أردنا نارًا ليس فيها ما يسمى شر -مع أنه لا يوجد شر محض- ولو سمي شرًا فهو بالنسبة لمن يستخدمها، لا بذاتها، فلو أردنا نارًا تعطي مقصود النار دون أن تحرق، لما كانت هذه ماذا؟ ما كانت هذه نارًا. ولذلك لما صنع الإنسان هذا الوصف، هل أوجده بصورة النار؟ لا، ما أوجده بصورة النار. عندنا دفايات تعطي حرارة النار، ولكنها هل هي نار؟ لا، ليست بنار. إذن من أراد شيئًا فيه خلاف خلقتها التي أرادها هذا يعني أولًا تغير هذه الحقائق، أن الحقائق تتغير. إذن أنت تريد نارًا بغير وصف النار، فلم يحصل شيء؛ لأنك كذلك إذا انتقلت إلى الآخر وجدت مدفأة ليس فيها نار، هذه المدفأة التي ليس فيها نار فيها عيوب أخرى. إذا كانت النار توجد بسهولة ويسر، فتلك لا توجد بسهولة ويسر، فأنت تحتاج إلى طاقة أخرى تعطيك هذه الصفة، وهي ماذا؟ الدفء، فإذن فيه عيب، أو ليس فيه عيب؟ كذلك فيه عيب. وهذا يردنا إلى ما سبق: أنها أولًا تتغير الحقائق بتغير الصفات، ثم كذلك هذا الكمال المطلوب لا يوجد في الدنيا، وإنما هو في الآخرة. في الآخرة تكون الأشياء على خلاف وصفها في الدنيا، لا يكون بالآخرة إلا خيرًا محضًا، ولا وجود للشر لا المحض ولا النسبي، فالكل ما في الآخرة فهو خير. ولذلك حتى الثمار يتناولها الإنسان بمجرد يكون عنده اشتهاء لها، يعني لا يحتاج أن يتعنى لقطفها، فضلًا أن يزرعها وأن يتعب في تحصيلها. بينما في الدنيا إذا أردت هذه الثمار تحتاج ماذا؟ تحتاج إلى تعب، تحتاج إلى تعب حتى تحصل هذه الثمار وهذه النعم. أما في الآخرة فليس كذلك، كل شيء على أكمل صوره وأفضل صفاته، فكله خير محض، وهذا من خصائص الآخرة. إذن هذان أمران لأجلهما لا يمكن أن يوجد شر خالٍ، لا يمكن أن يوجد خير خالٍ من الشر، كما لا يوجد كذلك شر محض. قال رحمه الله تعالى: وبقي في العقل قسم آخر، وهو الذي يكون خيره غالبًا على شره. وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودًا، يعني هذا قسم عقلي، وهو أن يكون هناك خير غالب على الشر، وهذا حقيقة موجود. قال رحمه الله: قال: وهذا الجواب لا يعجبني؛ لأن القائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله تعالى وإرادته، مثلًا الاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبًا عن النار، بل الله تعالى اختار خلقه عقيب مماسة النار. وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار الله وإرادته، فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرًا، ولا يختار خلقه عندما يكون شرًا. ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه وتعالى فاعلًا بالذات لا بالقصد والاختيار. ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث. هنا ثلاثة مسائل: المسألة الأولى حيرة الفخر الرازي في مسألة الخير والشر، وسبب هذه الحيرة كما تقدم: الخروج عن عدد من الثوابت الشرعية، من أهمها عدم التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وثانيها عدم التفريق بين فعل الله عز وجل وفعل العبد، وثالثها كذلك عدم التصور الصحيح لمعنى الشر في الشرع. فإن هذه الأمور الثلاثة كانت سببًا في حصول الاضطراب والضلال عند الفرق التي ظلت في باب القدر والمشيئة، وهذا الموضع من المواضع الذي احتار فيه هؤلاء؛ لأنهم اعتقدوا أولًا ثم استدلوا ثانيًا. ولذلك لما كان القول مبنيًا على باطل فإنه ينتهي إلى باطل. لما كان الفخر الرازي يقول بقول الجبرية، فإنه حين يتأمل هذا الأمر من الناحية العقلية بإعراض عن الناحية الشرعية، يصل به الأمر إلى التناقض، فتأتي عليه الاعتراضات، فيرجع إلى قول من المعتزلة القدرية، وإذا سار على قول المعتزلة القدرية تأتي عليه الاعتراضات، فيبقى محتارًا. ولذلك انتهى به الأمر إلى قول القول بقول الفلاسفة، ولا يزال كذلك محتارًا. المسألة الثانية: قوله أن الخروج من هذه الحيرة يكون بإثبات أن الله فاعل بالذات، ويقصد أن الله فاعل بالذات: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فعل هذا الخير والشر بذاته لا بما قصد. والفرق بين القولين: أن القدرية النفاة -وقد قال بقولهم كما تقدم فترة من الزمن- يزعمون أن الله لا يفعل إلا الخير، وأن ما يكون من شر فهو فعل من المخلوق. فروا من وصف الرب بخلق الشر تنزيهًا كما زعموا، فوقعوا في شيء أكبر منه، وهو ماذا؟ أوجدوا خالقًا آخر أقوى من الرب يفعل الشر، والرب لا يريده. إذن من من الأقوى الذي فعل الشر؟ إذا كان الله لا يريد الكفر ولا يريد العصيان، ثم المخلوق يفعل الكفر والعصيان، إذن من الأقوى هذا المخلوق أو الرب؟ هذا المخلوق الذي فعل الكفر والعصيان، وهذا أكثر من القول الأول، أكثر من القول الأول. فهنا يقول: مع أنه غير مقتنع بهذه المقولة، يقول: لا مخرج من الإشكال الذي أنا فيه إلا أن أقول: إن الله فاعل بالذات. وإذا كان الله فاعلًا بالذات معناه القول بقول الجبر، القول بقول الجبر؛ لأن قول القدرية: الله ليس فاعلًا بالذات، وقول الجبرية: الله فاعل ليش بالذات؟ معناه هو يفعل الخير ويفعل الشر، والناس مجبورون على ذلك. وهل هذا صحيح؟ ليس بالصحيح. وقول القدرية ليس بالصحيح. والصواب هو التفريق بين فعل الرب وفعل العبد، والتفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، والتفريق بين أن ينسب الشرع إلى مخلوقات الله ولا ينسب إلى فعله وصفته، هذه ثلاثة أمور مهمة بها يحصل السلامة من هذا الإشكال. وكيف علم هذا بالأدلة الشرعية، والسير بسير ما كان عليه سلف الأمة؟ إذن الآن هو يرجع إلى قول من؟ الجبرية. والمسألة الثالثة: قوله ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث، وهذه ما تسمى بمسألة تسلسل الحوادث، وهي من قول الجبرية التي وافقت فيها الفلاسفة. وباختصار يزعمون أن الله عز وجل فاعلًا فعلًا استلزم منه تسلسل الحوادث، وهذه الحوادث التي تتسلسل كان منها هذا الخير وهذا الشر كذلك. أرادوا أن ينزهوا الله سبحانه وتعالى عن الشر، فوقعوا ماذا؟ فوقعوا في تعطيل الرب عن ربوبيته، تعطيل الرب سبحانه وتعالى عن ربوبيته، وهذا كفر أشد من الأول. وهذا باختصار، وإلا فهناك كتب أخرى وتحتاج إلى وقفات وبسط في موضعها إن شاء الله. والخلاصة: هذا قليل من كثير من حيرة أهل الأهواء بسبب عدم لزوم الثوابت الشرعية بأدلتها. وسيأتي تعليق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله في الدرس اللاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.