الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 113، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل آراء العلماء المختلفة حول جواز وقوع الآلام للتعويض المجرد، حيث اختلفوا بين جواز التعويض واشتراط اقترانه بالتزام التعويض. يُظهر أيضًا الخلاف حول تعويض الآلام التي يصاب بها الإنسان أو الحيوان.
يتناول هذا الفصل نقاشًا بين أبي الحسن الأشعري وأبي علي الجبائي المعتزلي حول مسألة القدر، حيث يثبت أبو الحسن تناقض المعتزلة في هذه المسألة. كما يُظهر تحول أبي الحسن الأشعري من الجبرية إلى عقيدة أهل السنة والجماعة.
يتناول هذا الفصل تناقض القدرية النفاة ومنهم المعتزلة والرافضة في نفيهم لبعض أفعال الله تعالى، مما يؤدي إلى الاعتراض على قدر الله. يرى أن هذا التناقض يفضح بطلان عقيدتهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق هجرتين»: قال: «وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد؟ فيه قولان، مبنيان على أصل اختلفوا فيه، وهو أنه هل يحسن منه تعالى التفضل بمثل العوض ابتداءً؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداءً عندهم، وهم مجمعون على امتناعه؛ لألا يسوي بين العامل وغيره. وصار من ينتمي للتحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع. فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد، ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسن عنده الآلام لمجرد التعويض، بل قالوا: إنما تحسن لوجهين لابد من اقترانهما، أحدهما التزام التعويض، والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافًا في زجر غاوٍ عن غوايته إذا شاهدها في غيره». هذه تفريعات عن كلام هؤلاء القدرية النفاة، الذين فرقوا -كما تقدم معنا- بين إثبات وجود الشر في الأجناس وغير الجن والإنس، ولم يثبتوه في الجن والإنس أفعالهما المتولدة منها. ومر معنا أن هذا ملزم لهم بإثباته في الكل، فما كان جوابًا للثاني فهو جواب للأول. ثم لما ذكر هذا ذكر استطرادًا وزيادة إيضاح: أنهم اختلفوا في التعليل لإثبات هذا الشر، وكيفية جوابهم أنهم -كما زعموا- لا يتعارض مع الأول. ومر معنا كذلك أن من جعل جوابًا في الثاني لازمه أن يكون هذا جواب للأول. فإذا كان ما يقع من آلام على البهائم والأطفال هو لحكمة ولأجل أن يحصل النفع الذي هو أعظم من ذلك الألم، فما المانع أن يكون مثله أو نحوه جواب للأول؟ فأصل الشر الذي يقع من الإنسان وفعله وما يتولد منه كذلك وقع بإرادة الله الكونية لحكمة. ولما كان هذا منافيًا للإطراد الذي ينبغي أن يكون من القياس الصحيح، فضلاً عن مخالفته للشرع الصريح، حصل هذا الاضطراب بينهم. ولذلك أشار إلى هذا الخلاف ها هنا، فيقول: «أنهم اختلفوا على فرق، ومن أشارها مذهبين وفرقتين في التفريق بين ما كان من الآلام له عوض -يعني هو في مقابل عوض- أو ليس هو في مقابل عوض. فمثلاً فرق منهم -كما تقدم- يقولون: آلام الطفل والحيوان في مقابل منفعة؛ هذا هو التعويض، فالطفل ينتفع بقوته، والحيوان ينتفع به الإنسان. ومن لم يقل بهذا التعويض قالوا بأشياء أخرى، كما قال: كونه ألطافًا في زجر غاوٍ عن غوايته -يعني كأنه يقول: هذا الألم الذي أصاب الطفل أو الحيوان لأنه يحصل منه شيء من الغواية، فيكون هذا مقابله- مع أن هذا غير صحيح، ولا مضطرد؛ ليس كل حيوان عنده بغي، وليس كل طفل يكون عنده كذلك غواية. فكون هذه الآلام مضطردة كالأمراض والأسقام والجروح وغيرها، ولا تفرد بين حيوان وآخر وطفل وآخر، هذا يبطل ادعاؤهم ذلك. اجترأوا أن هذا من العدل في كون الله وقدره، وهذا باطل كما هو ظاهر شرعًا وعقلاً». قال رحمه الله: «ذهب عباد الصيم منهم إلى أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، ورد عليه جماهير القدرية ذلك». ومعنى قوله: «أن الآلام تحسن لمجرد الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته»؛ يعني أن ذلك بحد ذاته حكمة، ولا يلزم أن يكون له عوض. ولا شك أن هذا منافي لقاعدتهم بإثبات التعليل في كل فعل؛ هم ضد الجبرية الذين ينفون التعليل. وعلى هذا الذي قالوا به الآن ساروا بسير من الجبرية. قالوا: «ورد عليه جماهير القدرية ذلك؛ لأن هذا منافي لقاعدتهم». قالوا: «والآلام التي يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة الراجحة. قالوا: وما يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق، وما يفعله بالدنيا فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة. وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة». وأما مشايخ القوم فقالوا: «إنما يحسن منه تبارك وتعالى الإيلام؛ لأنه المنعم بالصحة والحياة، ولأنه بحكم من عار تلك المنفعة لمن لا يملكها، فله قطعها إذا شاء، ولأنه قادر على التعويض، قادر على التعويض، عالم بقدره، وليس كذلك الواحد منا». قالوا: «فإذا استرجع عارية عارية الصحة والحياة خلفها الألم ولابد». وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع، وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالمسائل والمضايقات؛ يعني أن الجبرية وجدوا الفرصة ليحاجوا القدرية؛ لأن القدرية في هذا الباب خرجوا عن قاعدتهم، فصار مدخل للجبرية على القدرية. وبالمسائل يعني الأسئلة التي تظهر تناقضات القدرية. قالوا: «ألجأهم إلى مضايق تضايقوا عنها، أن تولجها الإبر؛ يعني أنهم حشروهم بأقوالهم المتناقضة حشر الجبرية القدرية، وأضحكوا العقلاء منهم بإبداء تناقضهم، وألزموهم بإلزامات لابد من التزامها أو ترك المذهب». وهو كما قال رحمه الله: يعني العدل الذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وهكذا كذلك العقلية، هو إثبات الأمرين معًا؛ فالله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، ومن ذلك أنه يخلق الخير والشر جميعًا في الذوات والأجناس والمخلوقات وأفعالها وما تولد منها، وكل ذلك لحكمة، ولا يعني ذلك أنه يحبه؛ لأنه كما تقدم معنا لابد من التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. قال رحمه الله: «سأل أبو الحسن الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم، مات أحدهم صغيرًا، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختار الكفر، فاجتمعوا عند رب العالمين، فرفع درجة البالغ المسلم، فقال أخوه الصغير: يا رب ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي. فقال: إنك لا تستحق؛ إن أخاك بلغ فعمل أعمالاً استحق بها تلك الدرجة. فقال: يا رب فهل لا حجة لي حتى أبلغ فأعمل عملاً؟ فقال: كانت المصلحة اقتضت اقبضك قبل البلوغ؛ لأني علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر، فكانت المصلحة في قبضك الصغيرة. قال: فصاح الثالث من أطباق النار، وقال: يا رب فهل لا فعلت معي هذا الأصلح وقبضتني صغيرة كما قبضت أخي صغيرة؟ فما جواب هذا أيها الشيخ؟ فلم يحر إليه جوابًا». يعني هذا مثال ضربه أبو الحسن الأشعري في الرد على أبي علي الجبائي المعتزلي. وأبو الحسن الأشعري في أول أمره كان في باب القدر جبريًا، وفي آخر أمره رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، رحمه الله رحمة واسعة. وإن كان كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من محققين من أهل العلم: لم يرجع رجوعًا كاملاً في كل الأبواب. وهذا هو الذي به يجتمع ما يوجد في بعض كلامه في بعض كتبه؛ فإنه في الحقيقة لا ينافر رجوعه. والشاهد من هذا: أن على قاعدة القدرية النفاة، ومنهم المعتزلة والرافضة، عندهم أنه لا يمكن أن يكون ذلك، فيلزمهم على هذا التناقض والاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى بما هو أعظم من إضافة الشر إلى مخلوقات الله؛ لأنهم كما ترون في هذا المثال يثبتون بعضه وينفون بعضه، فيكون هذا سببًا في إظهار تناقضهم وبطلان عقيدتهم. طيب نقف إلى هنا، ونكمل الباقي في درس لاحق، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.