كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية  1

كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 1

الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 1، الدرس الأول:من( كتاب الوصية ... لان عمدة التصرف على غلبة الظن بأي طريق كان بخلاف الأحكام فإن طرقها مضبوطة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الرؤى الصالحة ومدى اعتبارها شرعاً

يناقش المقطع شرعية الوصية بالرؤية الصادقة المقترنة بقرينة، ويوضح أن الرؤية الصالحة جزء من النبوة ولكنها لا تثبت بها الأحكام.

قصة ثابت بن قيس بن شماس وتنفيذ وصيته بعد وفاته بناءً على رؤيا

يتناول المقطع قصة ثابت بن قيس واستشهاده في معركة اليمامة، حيث تم تنفيذ وصيته بناءً على رؤيا رآها أحد المسلمين، ويتناول صحة هذه القصة ومدى اعتبار الرؤى.

حكم العمل بالرؤى والكشف في الأحكام الشرعية

يناقش المقطع مسألة العمل بالرؤى والكشف في الأحكام الشرعية، ويبين أن الرؤى الصادقة قد يعمل بها في غير الأحكام مع القرائن، بينما لا يعمل بالكشف في الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فيما نقل عنه في كتاب «الاختيارات»: قال: «كتاب الوصية، وتصح الوصية بالرؤية الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها، إقرارا كانت أو إن شاء، لقصة ثابت بن قيس التي نفذها الصديق رضي الله عنه». وقد اختلف في الكشف، هل هو طريق للأحكام؟ فنفاه ابن حامد والقاضي وأكثر الفقهاء. وقال القاضي: إن في كلام أحمد في دم المتكلمين على الوساوس والخطرات إشارة إلى هؤلاء. وأثبته طائفة من الصوفية وبعض الفقهاء. والمقصود أن التصرف بناء على ذلك جائز، وإن لم يجز الرجوع إليه في الأحكام؛ لأن عمدة التصرف على غلبة الظن بأي طريق كان، بخلاف الأحكام فإن طرقها مضبوطة. قوله، رحمه الله: «كتاب الوصية»، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوصية. والوصية لغة مأخوذة من الوصل والأمر. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾، أي: أمر إبراهيم بنيه، ووصل لهم هذا المقصود من هذه الوصية، أي: بالتوحيد وطاعة الله. وأما في الشرع، وفي اصطلاح أهل العلم: الأمر بوصل تصرف من حق أو تبرع بعد الموت. الأمر بوصل تصرف من حق أو تبرع بعد الموت. فحقيقة وصية الموصي هو أمر باستمرار تصرف ما بعد موته. وهذا التصرف قد يكون في حق من الحقوق، وقد يكون في تبرع من التبرعات. قوله، رحمه الله تعالى: «وتصح الوصية بالرؤية الصادقة المقترن بما يدل على صدقها»، هذه المسألة مسألة دقيقة، وهي من غوامض وغرائب ودقائق العلم. قوله، رحمه الله: «وتصح الوصية بالرؤية الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها». الناس في العمل بالرؤية أطراف كثيرة ووسط. فمنهم من بالغ فيها، فأثبت بها الأحكام، بل ونسخ بها الشرائع، وغيروا وبدلوا دين الله سبحانه وتعالى، كحال طوائف من الباطنية والمتصوفة وغيرهم، بل وطوائف من الرافضة. وطائفة أخرى ألغوا هذا المعنى تماما، كحال بعض العقلانية. والصواب في هذا، وهو الوسط: أن الرؤية الصادقة حق، فهي من المبشرات التي يستأنس بها، ولكن لا تثبت بها أحكام. وبهذا تجتمع عمومات الأدلة بانقطاع الوحي، وبكذلك تحقيق العمل بما ورد بمعنى الرؤى. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»، محمول على هذا التفصيل. وليس معنى أن تثبت به أحكام، أو أنه كذلك يغير وتنسخ به الشرائع. ولكن المقصود من ذلك أن يكون فيها شيء من المبشرات. وأما ما جاء في بعض الروايات: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الرؤية الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة»، فهو محمول -كما قال بعض أهل العلم- على قوة هذه الرؤية من قوة يقين صاحبها، ومن قوة نزولها على من نزلت عليه. وكل ذلك من الحديث الصحيحة التي صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالحديث الثاني جاء من حديث ابن عمر وابن عباس خارج الصحيحين، لكن بأسانيد صحيحة عند أحمد وابن ماجة. حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس عند أحمد وغيره. ويجمع بين هذه المعاني بما جاء في رواية حديث ابن هريرة عند البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات». قال: «وما المبشرات يا رسول الله؟» قال: «الرؤية الصالحة». وفي هذا دليل على انقطاع الوحي وإحكام الأحكام، ومع ذلك الانتفاع من الرؤية الصالحة، وأنها مبشرات. وعلى هذا جاء تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾، جاء أنها الرؤية الصالحة، فهي مبشرات. جاء عن جماعة من السلف في ذلك. وبه نعرف خطأ من فهم هذه الأدلة على خلاف فهمها، سواء من غلا فيها كتلك الطوائف من الباطنية والمتصوفة والرافضة وغيرهم، فاستدلوا بها على ثبوت وحي ينافس وحي الأنبياء، يكون لمن تكون له الرؤية من بعده، وزعم أنها تكون للصالحين والأولياء. وهذا كذب على الله وعلى رسوله وعلى دين الله عز وجل. وأكثر ما يستدلون في هذا الباب إما بشيء صحيح ليس بصريح، أو صريح ليس بصحيح، أو صريح لكنه ليس بصحيح. وليس المقام مقام بسط هذه المسألة، لكن في هذه الإشارات كفاية لمعرفة الصواب في هذه المسألة. وقوله، رحمه الله: «وتصح الوصية بالرؤية الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها»، ننتبه لقوله: «المقترنة بما يدل على صدقها». فهنا أولا: العمل بالوصية ليس في إثبات أحكام -كما سيأتي إن شاء الله-. وثانيا: أن العمل بها يكون مع وجود القرينة التي يعلم بها صدق هذه الوصية التي جاءت بالرؤية. وقوله: «إقرارا كانت أو إن شاء»، إقرارا لشيء سابق، أو إن شاء في إظهار شيء جديد. كلا الأمرين يثبت، لكن بشرط وجود هذه القرينة التي تؤيد هذه الرؤية التي فيها الوصية. ثم قال: «لقصة ثابت بن قيس التي نفذها الصديق رضي الله عنه». وفي بعض النسخ: «نقضها»، وهو خطأ. الصواب: «نفذها». نفذها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. وهذه القصة نقف عليها من «معجم الطبراني الكبير». فقد ذكرها رحمه الله تعالى. وقد أخرجها غير الله تعالى. قال الطبراني، رحمه الله تعالى، في «معجمه الكبير»: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، وأحمد بن المعلى الصدوق، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن -وهو من رجال البخاري- قال: حدثنا الوليد بن مسلم -وهو من رجال الصحيحين، أحد الثقات المعروفين، لكنه كثير التدليس، خصوصا تدليس التسوية- قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر -وهو من رجال الصحيحين، أحد الثقات- قال: عن عطاء الخرساني -وهو صدوق يهم، ويكثر من الإرسال والتدليس، روى له الإمام مسلم وغيره- قال: «قدمت المدينة، فسألت عن من يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس، فأرشدوني إلى ابنته. فسألتها، فقالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾، اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه، وطفق يبكي. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني بخبره- فأرسل إليه، فسأله، فأخبره بما كبر عليه منها. وقال: أنا رجل أحب الجمال، وأنا أسود قومي. فقال: «لست منه، بل تعيش بخير، وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة». قال: «فلما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول﴾، فعل مثل ذلك. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه بما كبر عليه، وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله -يعني برفعه صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن صوته كان جهوريا- قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لست منهم، بل تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، ويدخلك الله الجنة». فلما استنفر أبو بكر رضي الله عنه المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلم الكذاب، سار ثابت بن قيس في منساره. فلما لقوا مسيلمة وبني حنيفة، هزموا المسلمين ثلاث مرات. فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: «ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». فجعل لأنفسهما حفرة، فدخلا فيها، فقاتلا حتى قتلا. قالت -يعني ابنته-: «وأري رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه، فقال: إني لما قتلت بالأمس، مر بي رجل من المسلمين، فانتزع مني درعا نفيسة. ومنزله في أقصى المعسكر، وعند منزله فرس يستن في طوله» -ومعنى يستن: فيه حركة ونشاط، وهو واقف مكانه. فيقال للفرس إذا جرى وعدى من شدة نشاطه وحيويته: استنى الفرس شوطا أو شوطين، يعني: عدا شوطا أو شوطين- قال: «وقد أكفى على الدرع برمة» -ومعنى أكفى: يعني غطاه ببرمة. والبرمة مثل التنور اليوم- قال: «وجعل فوق البرمة رحلا» -والرحل ما يوضع على البعير أو غيره، فيجلس عليه الراكب، وتحمل عليه بعض الأمتعة في أطرافه- قال: «وأتي خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها. فإذا قدمت على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه أن علي من الدين كذا، ولي من المال كذا، وفلان من رقيق عتيق. وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه». قال: «فأتى خالد بن الوليد، فوجه إلى الدرع، فوجدها كما ذكر. وقدم على أبي بكر رضي الله عنه، فأخبره، فأنفذ أبو بكر رضي الله عنه وصيته بعد موته». فلا نعلم أن أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه. وهذا الإسناد كما نرى فيه ضعف. وقد رواه بنحو هذا الإسناد جماعة. ولبعض هؤلاء الرجال من تابعهم في تلك الأسانيد. وجاء عند الحاكم رحمه الله تعالى هذا الحديث مختصرا من حديث أنس بن مالك. وفيه ذكر هذه الوصية، وإنفاذها على وجه الاختصار. جاء من طريق السري بن خزيمة، قال الحاكم رحمه الله: حدثنا محمد بن صالح بن هانة أبو جعفر -وهو أحد الثقات- قال: حدثنا السري بن خزيمة -وهو أحد الحفاظ الثقات- قال: حدثنا موسى بن إسماعيل -وهو المنقري، ثقة ثبت من رجال الصحيحين- قال: حدثنا حماد -وهو هنا ابن سلمة- قال: حدثنا ثابت عن أنس... ثم ذكر معنى هذه القصة مختصرة. وفيه الإشارة إلى إنفاذ هذه الوصية. وهذا إسناد صحيح. وعلق شيخنا رحمه الله على هذا الحديث في «المستدرك»، فقال: «ابنة ثابت مجهولة». ابنة ثابت مجهولة، فالقصة مرسلة. ثم ذكر رحمه الله أن البخاري في «تاريخه» قال: «إسناده ليس بالقوي». وبعد الرجوع إلى «تاريخ الإمام البخاري» رحمه الله، وجد أن الإمام البخاري رحمه الله إنما ذكر القصة من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء. وهذه الطريق إسنادها ليس بالقوي لما تقدم. وأما من طريق أنس، فلم يشر إليها الإمام البخاري رحمه الله. ولهذا صحح هذه القصة جماعة من الحفاظ، كابن عبد البر رحمه الله، وابن كثير. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله هذه القصة في كتابه «الروح»، وعلق عليها بتعليق سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. وأشار إلى قبول الحفاظ لهذه القصة، ولكن بتوجيه ينضبط معه مع الضوابط الشرعية. وهكذا ابن كثير رحمه الله ذكرها في «البداية»، وأشار أن هذا الحديث وهذه القصة لها شواهد أخرى -يعني تشهد لها- فتصح بها. وهكذا شيخ الإسلام كما نرى ها هنا أخذ هذه القصة ما أخذ القبول، وأنها مما صحت. وإسنادها كما نرى مما قد يشد بعضها بعضا بوجود هذه الشواهد والمتابعات الكثيرة. فإن من تتبع أسانيد القصة وجد أن لها أصلا. بل أصلها مختصرا في الصحيح. أصلها مختصرا في الصحيح. فالحاصل: هذه القصة كما سمعناها نرى منها عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الوصية، لكن بالقرينة. وهذه القرينة هي تحقق صدق هذه الرؤية، حين جاءوا إلى مكان الرجل فوجدوا المسروق، وكذلك الوصف الذي ذكر في الرؤية. فلما تحقق ذلك، وكانت هذه قرينة عملوا بها. على أن أهل العلم لهم كذلك توجيه في هذا. ونقرأها هنا كلاما للإمام الشاطبي رحمه الله؛ لأن هذه المسألة هي كما قلنا من غوامض العلم وغرائبه ونوادره. فإن من الناس من يكتفي فيقول: «القصة لم تصح، وننتهي من المسألة». ومن الناس من ربما يبالغ فيستدل بالقصة على تلك الشطحات التي شطح بها المتصوفة والباطنية. ودين الله جل وعلا بين الغالي والجافي. قال الإمام الشاطبي رحمه الله في سياق ذكره لعمل الصحابة بالفراسة والإلهام والكشف والمنامات، فذكر كلاما نفيسا في كتابه «الموافقات». أنصح كل طالب علم تمر به هذه المسألة أن يقف على هذا الكلام. ثم قال رحمه الله: «المسألة الحادية عشرة: وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر -يعني ماذا ما تقدم ذكره من الفراسة والكشف والإلهام والرؤى- قال: «وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط ألا تخرم حكما شرعيا، ولا قاعدة دينية. فإنما يخرم قاعدة شرعية أو حكما شرعيا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم» -يعني إذا صح أن هذا موجود ادعاه إنسان فهو إما خيال وإما وهم- قال: «وإما من إلقاء الشيطان. قد يكون من إلقاء الشيطان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرؤى منها ما هو من الله، ومنها ما هو من الشيطان -أي ما يراه الإنسان- قال: وقد يخالط ما هو حق، وقد لا يخالطه. وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع. وذلك أن التشريع الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عام لا خاص -كما تقدم في المسألة قبل هذا-. وأصله لا ينخرم، ولا ينكسر، ولا ينكسر له الطراد، ولا يحاش من الدخول تحت حكمه مكلف. وإذا كان كذلك، فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادا لما تمهد في الشريعة، فهو فاسد باطل». ومن أمثلة ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد في حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في أمر، فرأى الحاكم في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لا تحكم بهذه الشهادة؛ فإنها باطل». فمثل هذا من الرؤيا لا معتبر بها في أمر ولا نهي ولا بشارة ولا نذارة؛ لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة. وكذلك السائر ما يأتي من هذا النوع وهذا الباب. كما نبه الشاطبي رحمه الله: ربما يخطئ فيه حتى الكثير من الفقهاء، بل ممن ينتسب إلى السنة، ظنا منه أن هذا من البشارات. يعني: إذا رأى الإنسان قاض دخل في قضية وحاكم، ثم يرى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «لا تقبل الشهادة»، هل يأخذ بالرؤية؟ والجواب: ولو كانت الرؤية حقا، لكن لا يجوز أن تعارض الشريعة. ننتبه لهذا: لا يجوز أن تعارض الشريعة. الشريعة قضت بأنه إذا شهد شاهدان عدلان ماذا ينبغي؟ قبول شهادتهما. قال رحمه الله تعالى: «لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة». وكذلك سائر ما يأتي من هذا النوع. وما روي أن أبا بكر رضي الله عنه أنفذ وصية رجل بعد موته برؤيا رؤية -يشير بهذا إلى قصة من؟ ثابت بن قيس- قال: «فهي قضية عين لا تقدح في القواعد الكلية لاحتمالها فلعل الورثة رضوا بذلك. فلا يلزم منها خرم أصل. وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة... ثم ذكر كلاما». والشاهد والمقصود فيما مضى، وهذا المبحث مبحث دقيق، فيه فتح لمسألة ربما صار فيها غموض على كثير من أهل العلم، فضلا عن من دونهم. ومن تتبع هذا الكلام الذي ذكره الشاطبي هنا وجد أنه لا يخالف الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام فيما سيأتي معناها هنا في هذه المسألة. ونحو ذلك ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الروح». فبعد أن ذكر كلاما في فصل يورد فيه رحمه الله إيضاح تواصل الأرواح بعضها ببعض، وأنه قد يعمل بذلك بالقرينة. قال رحمه الله: «ونظير هذا من الفقه الذي خصهم الله به دون الناس قصة ثابت بن قيس... ثم ذكر القصة وكلام ابن عبد البر رحمه الله». ونتأمل قوله: «ونظير هذا من الفقه الذي خصهم الله به»، هو فقه خص الله عز وجل به الصحابة. فمن قوة إيمانهم ويقينهم، صار عندهم إدراك ومعرفة وتمييز لمثل هذه القضايا. هل معنى هذا أنه لا يتعدى الصحابة، فلا يقال بالعمل بمثله؟ الجواب: لا. لأنه قال في آخر هذه القصة -بعد إيرادها- قال رحمه الله: «وإذا كان أبو حنيفة وأحمد ومالك يقبلون قول المدعي من الزوجين بما يصلح له دون الآخر بقرينة صدقه، فهذا أو لا». ومعناه -كما ذكر شيخ الإسلام هاهنا- أن الرؤى قد يعمل بها في غير الأحكام، مع وجود القرينة التي تصدقها، مع وجود القرينة التي تصدقها. وهكذا كما نرى في هذه المسألة التي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: «وتصح الوصية بالرؤية الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها إقرارا كانت أو إن شاء لقصة ثابت بن قيس التي نفذها الصديق رضي الله عنه». فإذن: العمل بالرؤية أولا ليس في الأحكام. لا تثبت به أحكام، ولا بما يعارض به الورثة مثلا -كما قال الشاطبي رحمه الله-: «هذه قضية عين قد يحمل لما رأى الناس تحقق صدق هذه الرؤية بوجود ماذا؟ قرينة تدل على صدقها. سلموا، سلموا لهذه الرؤية». هل هذا معقول أو ليس بمعقول؟ معقول. ونحن لا نستدل بمثل هذه القضية أن كل من رؤيا له رؤيا بوصية مدعا نفذت الوصية ولو عارض الورثة. ولكن يحمل هذا أنها تنفذ ما لم يعارض الورثة. فإذا عارض الورثة فلهم حق. وهذا حكم شرعي ينبغي أن يبقى، ولا ينبغي أن يعارض -كما ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى فيما تقدم-. وكما نرى قال شيخ الإسلام في آخر الكلام: «قال: والمقصود أن التصرف بناء على ذلك جائز، وإن لم يجز الرجوع إليه في الأحكام». فرق بين تصرف يمضى مع عدم وجود معارض، وبين تصرف يكون على حساب الأحكام. ثم قال: «لأن عمدة التصرف على غلبة الظن بأي طريق كان، بخلاف الأحكام فإن طرقها مضبوطة». ما دام أن المقصود هو: هل صحيح هذا الرجل يريد أن يوصي بهذه الوصية؟ فإذا وجدت قرينة تدل عليه، فهذا مما يعمل به بغلبة الظن -كما قال ابن القيم في المثال الآخر في قضية قبول قول أحد الزوجين بما يكون نصرة لقوله وما يدعيه مع وجود قرينة صدقه-. مع وجود قرينة صدقه. فلو قالت المرأة مثلا: «زوجي لا يأتيني أو لا يستطيع أن يفعل ما يفعل الرجال». وعندها على ذلك بينة أنها لم تحمل. كان هذا قرينة مع هذا الادعاء الذي ادعته. ولها الحق بهذا أن تطالب بالفراق مع أشياء أخرى وتفاصيل ذكرها الفقهاء في هذا الباب. وهكذا لو ادعت الضرب وأتت ببينة، أو قرينة وليست بينة صريحة أنها ضربت. أو العكس: الرجل ادعى في المرأة شيئا وأتى بقرينة. فإذا كان هذا يقبل من باب العمل بغلبة الظن، فكيف لا يعمل بذلك بمثل ذلك في مسألة الوصية؟ ففي مسألة الوصية ممكن أن يعمل بمثل ذلك. أنت تجد أن بعض الأبناء يحبون أن يجعلوا صدق لأبيهم. لو علموا أن أحدا من أصدقائه قال: «سمعت أباكم يقول: لو تيسر لي لتصدق بثلث مالي لكذا وكذا». لو كان هناك أبناء يحبون البر بأبيهم، سيسارعون بتنفيذ هذا الذي ادعاه هذا الصديق مع أنه رجل واحد. لماذا؟ لأنهم غلب على ظنهم أن مثل هذا يكون صدق مع قرينة حب أبيهم للخير، وحبهم له كذلك أن يمضي مثل ذلك. فكذلك الرؤيا المقترنة بما يصدقها لا يكون على حساب الأحكام، وإنما فيما يكون فيه -كما قال شيخ الإسلام-: التصرف بالأمر الجائز مع غلبة الظن. وقوله رحمه الله: «وقد اختلف في الكشف، هل هو طريق للأحكام؟» يبين لنا ذلك ما تقدم من كلام الشاطبي رحمه الله. وهنا يقول شيخ الإسلام: «فنفاه ابن حامد والقاضي وأكثر الفقهاء. وقال القاضي: إن في كلام أحمد في دم المتكلمين على الوساوس والخطرات إشارة إلى هؤلاء. وأثبته طائفة من الصوفية وبعض الفقهاء». يعني الخلاصة: لا يعمل بالكشف. فإن بعض الناس يزعم أنه يكشف لبعض الصالحين، فتظهر له أشياء من الغيب. وربما استدلوا بعض الآثار المروية في هذا الباب. وبعضها لم يصح، كقصة: «يا ساري الجبل»، وغير ذلك مما روي في هذا الباب. لكن كما قال شيخ الإسلام: أن الكثير من أهل العلم نفوا هذا الباب؛ لأنه أولا ليس له أصل صحيح. بخلاف الرؤى، الرؤى لها أصل صحيح بأدلة الكتاب والسنة، وفعل الصحابة. وأما الكشف فلا. ثم ذكر أن كلام الإمام أحمد في ذنب المتكلمين على الوساوس والخطرات يتناول أمثال هؤلاء الذين يعملون بالكشف. وقوله رحمه الله بعد ذلك: «والمقصود أن التصرف بناء على ذلك جائز»، هذا هو ما سبقت الإشارة إليه: بأن خلاصة هذه المسألة ونظائرها أنها تضبط بالضوابط الشرعية. فما لم تخالف الأحكام الشرعية، وكان من التصرفات التي قد يأذن بها الورثة، فهذا يمضي. في الرؤية فقط، وليس في المكاشفات. إلى هنا والله تعالى أعلم. هنا فائدة أوقفني عليها أخونا محمد -الله تعالى والفضل-. من كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «شرح الأربعين»؛ فيما يتعلق بقصة ثابت بن قيس بن شماس. فقد ذكرها في ضمن ذكر شرح حديث جبريل في «شرح الأربعين». وذكر شيئا من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم. وحينها ذكر رفع الصوت، ثم ذكر قصة ثابت. وفي آخرها أشار إلى الوصية. ثم قال شيخنا رحمه الله قال: «قالوا: ولا يوجد أحد نفذت وصيته التي أوصى بها بعد موته إلا ثابت بن قيس رضي الله عنه». قال شيخنا رحمه الله: «لكن يشكل على هذا: كيف نعتبر الرؤية في تنفيذ الوصية؟» قال: «والجواب: أنه إذا دلت القرائن على صدق الرؤية نفذت الوصية ولا حرج». ولقد حدثني رجل أثق به يقول: «إنه مات أبوه، وكان قد استأجر البيت الذي تركه بعد موته لمدة كذا سنة. فلما مات أتى أهل البيت الذي يملكون رقبة البيت، وقالوا للورثة: أخرجوا عن البيت، البيت بيتنا. فقالوا: لن نخرج، بين مورثنا وبينكم عقد لم ينته بعد. فقالوا: بل انتهى العقد. ففزع الورثة من هذه الدعوة، وضاقت بهم الأرض». يقول: «فلما كان ذات ليلة رأيت في المنام أن أبي أطل علينا من فرجة مجلس، وقال لهم: العقد في أول صفحة من الدفتر، لكن لاصق في جلدة الدفتر. فلما أصبح وفتح أول صفحة وجد العقد». سبحان الله. فالله تعالى قد يخبر بعض الموتى ببعض ما يحصل على أهله، لكن هذه مسائل ليست لكل أحد. والشاهد فيه: إقرار إقرار شيخنا للعمل بالرؤية والوصية إذا احتفت بها القرائن، كان يوجد ما يكون مصدقا لها.