الدرس في كتاب الصلاة 28، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تطرق الشيخ إلى حكم صلاة الجمعة على المرأة والعبد والمسافر والمريض، موضحًا أنها تصح منهم إذا صلوها. آراء أهل العلم في هذه المسألة تشير إلى عدم وجوبها عليهم.
تصح صلاة الجمعة للمسافر والمريض والعبد إذا صلوا بها غيرهم، وتجب على المسافر النازل إذا أدركته الجمعة. وقت صلاة الجمعة هو وقت الظهر ولا تجزئ قبل دخوله.
لا يجوز تقديم صلاة الجمعة على وقتها، والأدلة التي قد توهم بذلك ليست صريحة. القول الأحوط هو أن الصلاة يجب أن تؤدى بعد دخول وقتها.
يتم ختام الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في الدرس التالي، مع تقديم الشكر لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المولد رحمه الله تعالى: آخر شيء أخذناه إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض، هذا ما أخذناه. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب صلاة الجمعة تجب على كل مكلف إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض»، يعني أنه لا تجب هذه الصلاة على هؤلاء الأربعة، وذلك لما ورد من أحاديث في هذا الباب. وقد أشار إليها المؤلف رحمه الله في شرحه، وفي كل منها مقال. أول وحديث طارق بن شهاب وهو مرسل، وهو من الصحابة، لكنه لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام، من صغار الصحابة لقي النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسمع منه، فهو مرسل. لكن أكثر أهل العلم على تصحيح هذا الحديث؛ لأن له شواهد، كما قال البيهقي رحمه الله. محافظ بن حجر، وهكذا حسنه الشيخ العلامة، أو صححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في عدد من كتبه. وهكذا الحديث الآخر الذي أشار إليه رحمه الله، هو بمعنى هذا الحديث، جاء كذلك عند الطبراني من حديث تميم الداري، وصححه الألباني رحمه الله في الإرواء. ولأن الحديث فيه ضعف، نازع بعض أهل العلم في بعض مسائله، فقد خالف بعض أهل العلم في العبد المملوك، وذلك أنه يجب عليه ما يجب على سائر الرجال من المسلمين ما دام مسلمًا، وأنه لا يجوز لسيده أن يمنعه من هذا الواجب الذي فرضه الله عليه كسائر المسلمين، وإنما الطاعة بالمعروف. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، وإليه مال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكأنه يرى أن ما في الحديث من ضعف يؤيد هذا المعنى مع وجود العمومات التي تدل على هذه الفرضية، ولا وجود لشيء صحيح صريح يخرجه من هذا العموم. وأما المرأة والصبي والمريض، فلا شك أن الأدلة العامة كثيرة التي تؤيد هذا الحديث الذي فيه ضعف. فالمرأة لم تجب عليها الجماعة فضلاً عن الجمعة، وهكذا كذلك الصبي؛ للعموم الأدلة. وهكذا كذلك المريض. وهنا تأتي مسألة أخرى، وهي: إذا كانت الصلاة غير واجبة على هؤلاء، فهل تصح منهم الصلاة إذا صلوها؟ الجواب: نعم. وفرق بين أن لا تجب وبين أن تصح لهم. وأخطأ بعض أهل العلم إذ لم يفرق بين المسألتين، فظن أن لازم عدم وجوب الجمعة أنها لا تصح منهم إلا ظهرًا، وهذا خطأ. بل المرأة إذا صلت الجمعة صحت منها، ولكن الأفضل في حقها أن تصلي ظهرًا في بيتها. وهكذا كذلك الصبي والمريض. ومسألة أخرى تأتي، وهي: إذا صحت هذه الصلاة منهم، فهل تصح إمامتهم، خصوصًا العبد والمريض؟ وبعضهم ذكر المسافر. وأشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك في الشرح. فالجواب الصحيح أنها تصح منهم. لو صلى المسافر بالناس جمعة، صحت؛ مع أنه خلاف السنة. المسافر، خصوصًا الذي هو ضارب في الأرض، لا تجب عليه الجمعة، لكنه لو صلى الجمعة وصلى بالناس، هل تصح منه؟ الصحيح أنها تصح منه، وهذا هو الذي قاله عدد من أهل العلم. وكذلك المريض، وكذلك على القول الصحيح حتى العبد. وتأتي بعد هذا مسألة أخرى، وهي مسألة المسافر. فالمسافر ينقسم لقسمين: مسافر ضارب في الأرض، ومسافر غير ضارب في الأرض، بل مقيم ولو إقامة مؤقتة في محل معين. أو نقول: مسافر نازل، ولا نقول: مقيم. فإنه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يوجد شيء في الشرع يسمى مسافر مقيم، وهذا صحيح. لكن يوجد مسافر نازل. والمسافر النازل إذا أدركته الجمعة ولم يكن في جماعة المسافرين، فالقول الصحيح أنه تجب عليه الجمعة. وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يرى أنه تجب عليه الجمعة إذا سمع النداء؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سمع النداء فلم يأت الصلاة»، الحديث. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهي كسائر الصلوات، لا تخالفها إلا بمشروعية الخطبتين قبلها. ومعنى أنها كسائر الصلوات في وصفها؛ يعني لا تختلف في شيء، صلاة ركعتين كسائر الصلوات. ولكن يؤكد أن من صفتها الجهر بالقراءة. من صفتها الجهر بالقراءة ولو كان ذلك في النهار، على خلاف الظهر والعصر. فهي ليست كصلاة الظهر والعصر. وقوله: «إلا بمشروعية الخطبتين قبلها»؛ يعني أن الخطبتين شرعتا في صلاة الجمعة، وذلك لما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. قال: ووقتها وقت الظهر. وفي هذه المسألة خلاف، وقد أشار رحمه الله في الشرح إلى ذلك. فذهب بعض أهل العلم أنها تجزئ قبل الظهر، بل بالغ بعضهم، وأنها تجزئ من أول النهار، وهذا خطأ. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاها في أول النهار أبدًا. وإنما الذي ثبت أنه صلاها مع الزوال. وهنا يأتي خلاف أخف: هل مع الزوال، أي قبل الزوال قليلاً، يجوز أن يصليها؟ وهذا معنى أن تصلى قبل الظهر. وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، وذهب آخرون إلى عدم ذلك. ومن ذهب إلى جواز ذلك استدل بأدلة، لكن الصحيح أنها ليست صريحة بجواز صحة الصلاة قبل الزوال. بخلاف كونها يبتدأ بخطبتها قبل الزوال، لا بأس. يبتدأ بالخطبة قبل الزوال، أما الصلاة فلا تصلى إلا بعد دخول الوقت؛ لعموم الأدلة. وقد مر معنا حديث جبريل، حديث ابن عباس في تعليم جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوقات الصلوات، فصل به في أول الوقت وفي آخر الوقت، وقال: «بين هذين الوقتين صلاة». فعلم أنه لا تصح الصلاة قبل ذلك. وهكذا لا يجوز تأخيرها إلى بعد ذلك الوقت. وما ورد من أدلة ليست صريحة بأن الصلاة كانت قبل الزوال. وهنا عندنا قاعدة، وهو أنه إذا تعارض الظاهر بالشيء المجمل، فإننا نقدم الظاهر على المجمل. وإذا تعارض المحتمل مع اليقين، قدمنا اليقين على المحتمل. فالآن عندنا أدلة واضحة صريحة كثيرة تدل على وجوب الصلاة بعد دخول الوقت، وعندنا أدلة مجملة تدل أن الخطبة بدأت مع الزوال أو قبل الزوال، وليس فيها صراحة أن الصلاة كانت بعد الزوال. فمن تلك الأدلة ما أشار إليه المؤلف رحمه الله في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «كان يصلي الجمعة ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون»، والحديث في البخاري. أصله في البخاري. وقوله: «يرجعون إلى القائلة يقيلون»؛ ليس فيه أنهم كانوا يصلون قبل الزوال، لكن فيه أن القيلولة كانت يوم الجمعة بعد الزوال. وليس في هذا دليل أبدًا، لا من قريب ولا من بعيد، أن ذلك يدل على أن الصلاة كانت تصلى قبل الزوال. بل دلت بعض ألفاظ هذا الحديث إلى أنه أشار إلى أن القائلة، أي القيلولة، كانت في غير الجمعة قبل الزوال، إلا يوم الجمعة فإنها تكون بعد الزوال؛ لأجل التبكير لصلاة الجمعة. وهكذا حديث جابر أيضًا: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيروحونها حين تزول الشمس»، والحديث في صحيح مسلم. وهذا الحديث في قوله: «فيريحون حين تزول الشمس»؛ ليس هو صريحًا بأن الصلاة كانت قبل الزوال، يحتمل أن الصلاة كانت في أول وقت دخول الوقت، فالشمس ما زالت زائلة. وقد كان وقت زوالها عشر دقائق، ربع ساعة؛ يعني ما زالت في كبد السماء. ثم هذا اللفظ هو في صحيح مسلم، وأما ألفاظ الصحيحين، ليس فيها هذه الصراحة. وهكذا حديث سلمة، ولم يشِر إليه المؤلف رحمه الله، وهو بمعنى هذين الحديثين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أو قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم ننصرف، وليس للحيطان ظل»، والحديث في الصحيحين. ومعنى «ليس للحيطان ظل»؛ يعني ليس للجدران ظل. وليس معنى هذا أن الشمس لم تزل، ولكن معنى أن هذا كان في أول الوقت؛ لأنه قد يأتي في بعض المواسم يتأخر وقت ظهور الظل. يتأخر وقت ظهور الظل. وكذلك إذا كانت الصلاة أول الزوال، فإن الظل لا يكون ما يكفي إنسانًا، الإنسان الذي يمشي ويريد الظل، ما يكفيه الظل الصغير. فإن الزوال يبدأ ولو بأنملة من الظل، ولو بما هو دون ذلك، فإنه يكون بذلك الزوال. لكن المراد أنه كان في أول الوقت. وهذا القول هو الأحوط، والذي تقتضيه عموم الأدلة؛ أي أنه يجوز أن تقدم الخطبة، ولكن الأحوط أنه لا يجوز أن تقدم الصلاة قبل دخول الوقت. هذا هو القول الأحوط في هذه المسألة. نكتب بهذا القدر، ونكمل في الدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.