شرح أصول في التفسير للعثيمين 56

شرح أصول في التفسير للعثيمين 56

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 56، الدرس السادس والخمسون:من:( مثال آخر:قوله تعالى:والذين يمسكون بالكتاب ... لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإظهار في موضع الإضمار

الإظهار في موضع الإضمار هو أسلوب بلاغي يستخدم لتأكيد المعنى وتوضيح المراد، ويكون بذكر الشيء صراحة بدلًا من استخدام الضمير. هذا الأسلوب يفيد في لفت انتباه السامع إلى أهمية ما يقال.

أثر الإظهار في المعنى والبلاغة

الإظهار في موضع الإضمار يؤثر في تأكيد المعنى وإلقاء المهابة والاستعطاف، كما أنه يفيد في توضيح المراد وتجنب اللبس في الفهم. هذا ما بينه الشارح في سياق الآيات القرآنية والأمثلة الشعرية والنثرية.

مواضع وأسباب الإظهار

الإظهار يكون لأسباب بلاغية ومعنوية، مثل التلذذ بذكر شيء محبوب أو لتجنب اللبس في المعنى. كما أنه يكون ضروريًا في حالة وجود التباس في مرجع الضمير، حيث يجب الإظهار لمنع الالتباس وتوضيح المراد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: مثال آخر، قال قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، قال: ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم، فأفاد ثلاثة أمور، أولًا: الحكم بالإصلاح للذين يمسكون الكتاب ويقيمون الصلاة، ثانيًا: أن الله آجرهم لإصلاحهم، ثالثًا: أن كل مصلح فله أجر غير مضاع عند الله تعالى. وهذه الخصال الثلاث هي بمعنى الخصال الثلاث التي تقدمت في المثال الأول، ولكن أراد الشيخ، رحمه الله، أن يبين كيف ينبغي لطالب العلم أن يستنبط هذه الفوائد، وأنها تختلف اختلافًا بحسب المقام في كل مثال. فالمثال الأول كان في الحكم بالكفر، والمثال الثاني كان بالحكم بالإصلاح؛ لأن الذي أظهر هو الإصلاح، وفي الأول الذي أظهر هو الكفر، أي: وصف الكفر في حق هذا المضمر، وهنا وصف الإصلاح في حق المضمر. فنحن نتكلم الآن على الإظهار في موضع الإضمار. وهذه الفوائد الثلاث هي غير منحصرة، فهي تتكرر في كل مثال يحصل فيه الإظهار في موضع الإضمار، كهذه الأمثلة. وقد تكون هناك فوائد أخرى بحسب المقام والسياق والسباق الذي لأجله أورد الكلام. فهنا مثلًا هذه الثلاث، وزاد شيخنا، رحمه الله -كما مر معنا في شرحه كذلك- أن فيه تنبيه المستمع، وهذه فائدة رابعة: تنبيه المستمع بهذا الإظهار؛ لأن اختلاف سياق الكلام هي لفتة من اللفتات البلاغية. اختلاف سياق الكلام لفتة من اللفتات البلاغية التي توجب انتباه السامع؛ لماذا اختلف الكلام؟ فالسامع إذا وجد اختلافًا في سياق الكلام على خلاف المعهود والذي ينبغي، نبهه ذلك إلى شيء، وهذا الشيء ينتبه له بتدبر هذا الإظهار، ومنها هذه الأمور الثلاثة التي سبق الكلام على معناها في المثال الأول. فهنا الحكم بالإصلاح يعني أن من تمسك بالكتاب وأقام الصلاة فهو من الصالحين أو أعظم من ذلك: من المصلحين. من تمسك بالكتاب وأقام الصلاة، والتمسك بالكتاب يستلزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو من المصلحين. والثاني: أن المصلح يستحق الأجر عند الله، فالله لا يضيع أجره، سواء أكان عمله قد تم أم لم يتم. وفي هذا إشارة إلى أن أعمال المصلح لا يلزم أن تكون لها نهايات؛ فرب مصلح ما يصل إلى غايته في إصلاحه، لكنه سعى، فالله لا يضيع أجر المصلحين، بل ولو أخطأ. ولهذا قال النبي، عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران»؛ لأن الحاكم مصلح، أم ليس بمصلح؟ الجواب: مصلح. فما دام أنه مصلح، ولو أخطأ، فالله لا يضيع أجر المصلحين. وهكذا الثالث: أن كل مصلح فله أجر غير مضاع عند الله، كل من ألفاظ العموم، ويفيد أن كل من كان فيه معنى الإصلاح -سواء أصاب أم أخطأ، وسواء كذلك وصل إلى النتيجة أو لم يصل- فإن الله لا يضيع أجر المصلحين، له أجره عند الله سبحانه وتعالى. وممكن نستفيد فوائد أخرى بحسب سياق الكلام. فإن الإظهار في موضع الإضمار -كما قلنا- هي نكتة بلاغية. وقد ذكر البلاغيون معاني وفوائد للإظهار في موضع الإضمار. من هذه الفوائد: تمكين المعنى للسامع والمخاطب. تمكين المعنى للسامع والمخاطب. فأنت مثلًا إذا قلت: «الله ربي لا أشرك بربي أحدًا»، الأصل أن تقول ماذا: «الله ربي لا أشرك به أحدًا»، هذا الأصل، لكن لما قلت: «لا أشرك بربي أحدًا» أظهرت في موضع الإضمار. قال العلماء: هذا الإظهار أفاد تمكين معنى الربوبية لله عز وجل وحده، يعني: تأكيد حقيقة معنى الربوبية لله عز وجل، هو أقوى من قولك: «لا أشرك به أحدًا»، هو أقوى من قولك: «لا أشرك به أحدًا» يعني في التأكيد. وهكذا من فوائده: إلقاء المهابة. إلقاء المهابة على السامع أو المخاطب، كان تقول مثلًا: «قال أمير المؤمنين كذا وكذا، وقال أمير المؤمنين كذا وكذا، وقال أمير المؤمنين كذا وكذا»، تكرر لفظ «أمير المؤمنين» مع أنك يجوز أن تقول: «وقال فقط، وقال فقط»، يعني: تعطف بالضمير المستتر الموجود في الفعل، استغناءً عن تكراره بذكره مظهرًا، ولكن هذا التأكيد لإلقاء المهابة في هذا الأمر، تنبيه لمهابة مكان الآمر. وهكذا كذلك قد يكون لأجل الاستعطاف، قد يكون لأجل الاستعطاف، مثل قولك: «اللهم إني عبدك فاغفر لي»، أو «اللهم عبدك يستغفر فاغفر له»، تستطيع أن تقول: «اللهم إني أستغفرك فاغفر لي»، هذا هو الإضمار والاختصار، لكن أتيت بلفظ «عبدك» على وجه ماذا: الاستعطاف؟ وهكذا ذكر معنى تحقيق العبودية لله عز وجل والاعتراف بها، وهذا معنى من المعاني التي يستفاد بها الإظهار في موضع الإضمار. ومن ذلك كذلك: التلذذ بذكر شيء محبوب، أي: الإظهار في موضع الإضمار لأجل التلذذ بذكر شيء محبوب، كأن تقول مثلًا -وأنت تذكر أحد أبناءك الذين تحبهم-: «جاء زيد وذهب زيد، وقال زيد وعمل زيد». ومنه قول الشاعر: «سق الله نجدًا، سق الله نجدًا، والسلام على نجدي، ويا حب ذا نجد على القرب والبعد»، كان يكفي أن يقول: «والسلام عليها، والسلام عليها، ويا حب ذا هي على القرب والبعد»، لكن قيل: إنه كرر لفظ «نجد» من باب التلذذ بذكر ما يحب، وربما كذلك يضاف لأجل الوزن في هذا السياق الشعري. قال، رحمه الله تعالى: وقد يتعين الإظهار، كما لو تقدم الضمير مرجعان يصلح عوده إلى كل منهما، والمراد أحدهما، مثل: «عندكم كل منهما هكذا، ولا منهما»، الصواب: «منهما». قال: «والمراد إلى كل منهما، والمراد أحدهما، مثل: اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانة ولاة أمورهم»، إذ لو قيل: «وبطانتهم»، لأوهم أن يكون المراد بطانة المسلمين؛ لأن المرجع الآن إلى أقرب مذكور: «اللهم أصلح للمسلمين ولات أمورهم وبطانتهم»، قد تقول: «بطانتهم»، الضمير يعود إلى ماذا؟ هل إلى المسلمين أو يعود إلى ولات الأمور؟ فلما كان موهمًا، لزم الإظهار في موضع الإضمار. ولماذا نقول: الإظهار في موضع الإضمار؟ لأنه -كما تقدم- أن الأصل في اللغة والتعبير بها: الاختصار لا الإطناب، أي: التطويل. والاختصار يكون بالإظهار أو بالإضمار، ها: الاختصار يكون بالإضمار، يعني: بذكر الضمير؛ لأنه مختصر. الاختصار يكون بالإضمار، لكن قد يحتاج إلى الإظهار لأسباب بلاغية ومعنوية، فيكون الإظهار -كما مرت معنا الأمثلة-. وهكذا كذلك قد يتعين، متى يتعين؟ يتعين يعني: يزداد تأكد الإظهار عند وجود الاشتباه. عند وجود الاشتباه. من يمثل لنا مثالًا قريب مر بنا؟ هات يا بشير، مثلًا: «اشترى زيد كتابًا وباعه»، «اشترى كتابًا زيد وباعه»، هنا لا إشكال؛ لأن الضمير يعود إلى ما لا يباع أو إلى ما يباع؟ ها: الضمير يعود إلى ما يباع أو إلى ما لا يباع؟ ها: إلى ما يباع، سواء قدمت أو أخرت، الذي يباع لابد أن يعود الضمير إلى ماذا؟ إلى ما يصلح معه المعنى. إلى ما يصلح معه المعنى. لكن إذا أشكل المعنى، إذا أشكل المعنى، وقع اللبس. ها: أو مثلًا: «قطع الورق ومزقه»، يعود إلى الأول أو إلى الثاني؟ إن غيرنا مثلًا بدل الورق جعلنا مثلًا شيء آخر يقطع، هاتوا لنا شيء، ها: الثوب مثلًا، الثوب وشيء آخر مثله يقطع، فهنا إذا وقع اللبس تحتاج هنا إلى الإظهار، لابد من الإظهار، لابد من الإظهار عند وجود الاشتباه في مرجع الضمير، لابد أن تظهر، فتقول: إما الورق أو الثياب أو نحوه مما يحتاج إلى ذكره في هذا الموضع. فهنا لوجود هذا الإشكال، قال الشيخ، رحمه الله تعالى: إنه لابد من تعين الإظهار لأجل منع الالتباس. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.