شرح أصول في التفسير للعثيمين 3

شرح أصول في التفسير للعثيمين 3

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 3، الدرس الثاللث : من : ( قال الله تعالى ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ... وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في صفات القرآن الكريم

يتناول هذا الفصل بعض صفات القرآن الكريم مثل العظمة والبركة والكرم، ويشرح معاني الآيات التي وردت فيها هذه الصفات مثل سورة الفاتحة وآية الكرسي.

آثار القرآن الكريم على الناس

يتناول هذا الفصل صفات القرآن الكريم وآثاره على الناس، حيث يبين أنه يهدي للتي هي أقوم ويزيد المؤمنين إيمانًا ويسبب رجسًا لمن في قلوبهم مرض.

دلالة القرآن الكريم على الأحكام الشرعية

يُبيّن هذا الفصل أن القرآن يُعد تبيانًا لكل شيء ويُستخدم في الجهاد بالحجة والبرهان ويحتوي على أحكام شرعية بمختلف درجات التفصيل.

خاتمة وتأكيد على أهمية كليات القضايا

تم التأكيد في هذا الفصل على أهمية كليات القضايا الدنيوية بالدليل الخاص والعام لتحقيق النفع، مع وعد بالمتابعة في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، والقرآن المجيد. ويريد -رحمه الله تعالى- أن من أوصاف هذا القرآن أنه وصف -كما قال رحمه الله- بأوصاف كثيرة، فمنها أنه وصف بالعظمة، قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، فالقرآن العظيم قد علمنا أوجهًا من عظمة هذا القرآن. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾، اختلف أهل العلم في تفسير هذه المثاني. فمن أهل العلم -كما ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى- من فسر المثاني بتكرار الفرائض والحدود، أن القرآن تكررت فيه الفرائض والحدود. ومنهم من فسره بأن القرآن كله مثاني، يذكر أهل الجنة ويذكر أهل النار، ويذكر أهل الإيمان ويذكر بعدهم أهل الكفر، ويذكر كذلك أهل الطاعة ويذكر أهل المعصية. وهذا فكذلك من المثاني أن القراءة تثنى، أي أن القارئ الذي يقرأ القرآن يثني القراءة بعضها على بعض، يقرأ السورة والسورة، والآية والآية، وهكذا. وفسرت كذلك بأنها الفاتحة، فاتحة الكتاب. وهذا أقرب التفاسير وأصحها، لما صح به الحديث -حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني» رواه البخاري عن أبي هريرة، لسناد حسن. وأصله بالبخاري كذلك عن أبي هريرة: «أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم». فعلى هذا يكون سبعًا من المثاني والقرآن العظيم سورة الفاتحة، فهي من أعظم ما في القرآن. وليس في القرآن أعظم منها، وما هي أعظم آية؟ آية الكرسي، لحديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: «أي آية أعظم في كتاب الله؟» قال: الله والرسول أعلم، ثم سأله، فأخبره بأنها آية الكرسي. وإذا كان كذلك، فـ«سبعًا من المثاني والقرآن العظيم» إما أنه من عطف العام بعد الخاص. وفي هذا تنبيه على أهمية ذلك الخاص، وهي فاتحة الكتاب، وأم الكتاب، وأم القرآن -كما في الحديث-، مثل ما أن مكة أم القرى، ومعنى ذلك أن القرى ترجع إليها. وهكذا قال بعض أهل العلم: القرآن كله مذكور في سورة الفاتحة، يعني على وجه الإجمال، أجملت مسائل القرآن في سورة الفاتحة، فالفاتحة أم الكتاب وأم القرآن. وهكذا «المجيد» وصف من أوصاف القرآن، أنه مجيد. قال -رحمه الله تعالى-: وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وهذه كلها من الصفات التي أراد أن يذكر أمثلة لها -رحمه الله تعالى- في بيان وصف أو بعض صفات القرآن التي وصف بها في كتاب الله عز وجل. فمن صفاته أنه مبارك، أنزله الله عز وجل مباركًا. وهكذا كذلك من صفاته أنه سبب للذكر، وليتذكر أولوا الألباب، فهو مبارك لمن تدبر آياته، يحصل بذلك ويجعل الله عز وجل له البركة. وهكذا كذلك سبب للتذكر والعظة، فالقرآن يذكر به، وذكر بالقرآن من يخاف وعيدًا. وهكذا قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. ولاحظ بقوله سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي القرآن، فمن أوله إلى آخره كتاب أنزله الله عز وجل لهذا المعنى؛ لأنه مبارك، ولأجل ذلك أمروا باتباعه، فهو سبب لسعادتهم في الدنيا وفي الآخرة. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، كما ختم به هذه الفقرة من الآيات. فمن بركته أنه يهدي لأكمل خلق وأكمل دين وأكمل قول وأكمل فعل في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وهكذا كذلك من بركته أنه يدخل على صاحبه الحياة الحقيقية الحسية والمعنوية، من الراحة والطمأنينة واليقين والسكون. وهذا كذلك من الصحة والقوة، القوة النفسية والقوة الجسدية. قال: وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، كذلك وصف القرآن بأنه كريم، أي يكرم من يقرأ فيه بأنواع المكارم الحسية والمعنوية. ومر معنا أن هذه الصيغة -صيغة فعيل- تدل على ملازمة الصفة، بخلاف اسم الفاعل، فيدل ذلك على وقوع الوصف لا على ملازمة الصفة. ولهذا قالوا: كريم أبلغ من مكرم. ولهذا يعبر به في مثل هذا المقام. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، كذلك من صفات القرآن أنه يهدي، أن يوصل، وكذلك يتكفل لصاحبه أن يكون على التي هي أقوم في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بالاستقامة على الصراط المستقيم. فلا يمكن للإنسان أن يستقيم على الصراط المستقيم الذي أحبه الله عز وجل إلا بأن يهتدي بهذا القرآن. ولا يمكن له أن يصل إلى المنازل العالية ورضى الرب سبحانه وتعالى إلا أن يهتدي بهذا القرآن. فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم. وبه نعرف أنه كلما قلت هداية المرء، قلت قوامته واستقامته في الدنيا وفي الآخرة. لا يستقيم في الدنيا بقدر بعدي عن هذا القرآن، فإن هجر لفظه ومعناه وهجر العمل به وتلاوته، فإنه ينال الشقاء الكامل. وإذا كان ذلك شيئًا، فيكون له من الشقاء بقدر ذلكم الهجران. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال -رحمه الله تعالى-: وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فمن صفات هذا القرآن كذلك أنه لو أنزل على جبل أصم لكان ذلك سببًا لخشوعه وتصدعه من خشية الله عز وجل. وفي هذا بيان عظمة هذا القرآن، وحقيقة ما تحمل من معاني مؤثرة على الجمادات، فضلًا عن الإنسان الذي أعطاه الله عز وجل من الظاهر والباطن ما هو سبب للاعتبار والتعظ. ما يسمع من القرآن. وفيه دليل أن الجمادات تفقه وتعلم. وهذا ما يعتقد أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فإن أدلة الكتاب والسنة تدل على أن الجمادات لها معرفة ولها فذلك وإحساس، ولكننا لا نفقه ذلك، هو بحسب خلقتها. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، تسبيحهم شيء خاص بهم ما نعرفه. وهذا ليقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليه». نؤمن بذلك ونصدق كما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا ظاهر الآية نؤمن أنها حق. فالله عز وجل لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع وتخضع لما فيه من العبر والعضات، وما فيه كذلك من الأمر والنهي. قال -رحمه الله تعالى-: وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، يعني أن هذه الأمثال سبب لعظة الناس وتفكرهم لو أنهم عقلوا هذه الأمثال. فالله عز وجل يضرب الأمثال لأجل الاتعاظ والاحتبار والتفكر. قال: وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾، صوابه: «وإذا ما أنزلت». عندكم: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ومعناه أن من صفات هذا القرآن أنه سبب لزيادة الإيمان، يزيد أهل الإيمان إيمانًا، وأنه كذلك سبب لغواية أهل الضلال والكفر والفسوق والفجور، فإنهم لا يزدادون بسماع القرآن إلا مرضًا ورجسًا فوق مرضهم ورجسهم. لماذا؟ لأنهم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وأبصارهم، وصاروا لا يرون المعروف معروفًا ولا المنكر منكرًا، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا -يعني هذه السورة- وهم يستبشرون، فهو سبب لزيادة الإيمان، وسبب كذلك لاستبشار المؤمن. وأما الذين في قلوبهم مرضًا فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون. فهذا من صفات القرآن كذلك. قال: وقولي: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، كذلك من صفات القرآن أنه سبب للإنذار، ومن يبلغ هذا القرآن، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، فيه من الوضوح والبيان ما تقوم به الحجة ببلوغه. ما من أحد يقرأ القرآن أو يسمع القرآن إلا وينصدع قلبه لما في هذا القرآن من المعاني البليغة والعضات المتتابعة التي كما قال ذلك رجل للمشركين حين سمع تلك الآيات: «كاد قلبي أن يطير». كاد قلبه أن يطير، وهو مشرك كافر ليس بمؤمن، لكنه كما قال الله عز وجل: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾. ومن بلغه القرآن ولو كان كافرًا، إذا تأمله فإنه يقع له الإنذار، يقع له الإنذار، أي إذا تأمل وعرف معناه يقع له الإنذار وتكون به العظة. فهذا من صفات هذا القرآن. قال: وقولي: ﴿فَلَا تَطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، كذلك من صفات هذا القرآن أنه يجاهد به الكفار، فالكفار يجاهدون بالسيف والسنان، ويجاهدون كذلك بالحجة والبرهان. ومن الحجة والبرهان القرآن، القرآن من الحجة والبرهان، بل هو أقوى الحجة وأقوى برهان. كما قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. فالجهاد جهادان: جهادًا حسيًا وجهادًا معنويًا. ومن الجهاد المعنوي ما يكون بالقرآن وبالوحي الذي أنزل عليه الصلاة والسلام. قال: وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وهنا «نزلنا» تأتي بمعنى التفريق، ظاهرة. فالكتاب نزل مفرقًا، تبيانًا لكل شيء. كما قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. أي يكونون في غزو من الغزوات، يصيبهم شيء من الخوف أو يصيبهم كذلك شيء من الشدة، فتنزل عليهم من الآيات ما تطمئن قلوبهم وتثبتهم وتزيدهم إيمانًا وقوة. وهكذا كذلك تمر بهم محنة، فيكشف الله عز وجل عنهم ذلك في نزول آيات. وهكذا كذلك يحصل سؤال، فينزل الله عز وجل آيات جوابًا لذلكم السؤال. وهكذا ينزل القرآن لحكمة من الله سبحانه وتعالى، تبيانًا لكل شيء. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، فمن صفات القرآن أنه نزل مفرقًا على النبي عليه الصلاة والسلام، وبقي كذلك بهذه المعاني الموجودة في ثنايا الكتاب العزيز، تبيانًا لكل شيء. فما من شيء يحتاجه الناس إلا وذكر للناس في هذا الكتاب العزيز، منه حكمًا. وهذا إما على وجه الإجمال وإما على وجه التفصيل. وليس كله على وجه التفصيل. ننتبه لهذا، بعض الناس قد يظن أن القرآن يظهر به كل شيء على وجه التفصيل، وهذا خطأ. وليس هذا بإعجاز، وليس هذا ببيان وبلاغة. بل الأبلغ أن يكون كتاب وجيز، ومع ذلك مبين لكل شيء. فمنه ما يبين على وجه التفصيل الذي به يكون مثالًا يقتدى به لنظائره. من فوائد التفصيل أنه يقتدى به لنظائره، فيكون قياسًا يقاس عليه، وتجمع المتماثلات بعضها ببعض. ومنه كذلك حصول الحكمة السابقة في نزوله، والحكمة كذلك اللاحقة في الاعتبار بسبب ذلك النزول. نزلت آيات في قصة الإذن، هذا من التفصيل الذي حصل به من الحكمة ما حصل في ذاك الزمان، ثم حصل به كذلك ما حصل من الاتعاظ والعبرة؛ لأن الله عز وجل لا يخيب المؤمنين، وأن الله عز وجل مع الصادقين، وأن الله عز وجل كذلك يرد كيد الكافرين والمنافقين والمجرمين في نحورهم، وأنه سبحانه لهم بالمرصاد، يمهل ولكنه لا يهمل، يمهل ولا يهمل. فهي شواهد عيان يثبت الله عز وجل بها الإيمان لأهل الإيمان على مر العصور إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. وهكذا كذلك ما أجمل من آيات الكتاب، ما فيه كذلك تبيان لكل شيء. فبهذا نعرف أن الناس طرفان ووسط: من يظن أنه تبيان لكل شيء بمعنى تفصيل، فهذا خطأ. وعلى هذا أو حتى بالإجمال، فيريد بذلك أن يستخرج تفاصيل ما في الدنيا على أعيانها موجود في القرآن، وهذا خطأ. ليس كل ما في الدنيا نجده في القرآن، لكن أهم ما يحتاج إليه الناس في الدين والدنيا بين لنا حكمه في القرآن. كما قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. وهكذا طرف آخر على خطأ، يظن أنه لا يمكن أن يكون ذلك في القرآن، فيجعله فقط مثلًا في القضايا الدينية المجملة. وهذا خطأ، بل هو في القضايا الدينية جملة وتفصيلًا، لكنه بالدليل الخاص والدليل العام. وفي كذلك كليات القضايا الدنيوية بالدليل الخاص والعام، بما يكون به النفع. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل -إن شاء الله- بدرس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.