شرح أصول في التفسير للعثيمين 19

شرح أصول في التفسير للعثيمين 19

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 19، الدرس التاسع عشر : من : ( وقد ظهرت نتائج هذا الجمع ... فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العاليمن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان

جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهد عثمان بن عفان كان له فوائد عظيمة، منها اجتماع الأمة واتفاق الكلمة وحلول الألفة. تم جمع القرآن الكريم عبر ثلاث مراحل: حفظه في الصدور، ثم جمعه في مصحف واحد في عهد أبي بكر، ثم جمعه في مصحف الإمام في عهد عثمان.

فوائد الرسم العثماني للمصحف الشريف وأهميته

الرسم العثماني للمصحف الشريف له فوائد عديدة، منها زيادة الحفظ ودفع الاختلاف في القراءة والمحافظة على أوجه القراءات. كما أنه ساعد في سد باب التفرق في كتابة المصحف وتيسير تعلم القرآن والتأدب مع القرآن وتعظيم كلام الله.

ضوابط كتابة المصحف الشريف والاستدلال بالكتابة

يجب الالتزام برسم مصحف عثمان وكراهية مخالفته، كما هو مبين في آراء العلماء الأوائل. كما ناقش المقطع صحة الاستدلال بالكتابة على حكم معين، وبيّن أن الكتابة لا يمكن أن تكون دليلاً على حكم معين إذا لم تكن من أصل الدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «أصول في التفسير»: قال رحمه الله تعالى: «وقد ظهرت نتائج هذا الجمع حيث حصلت به المصلحة العظمى للمسلمين من اجتماع الأمة واتفاق الكلمة وحلول الألفة، واندفعت به مفسدة كبرى من تفرق الأمة واختلاف الكلمة وفشو البغضاء والعداوة. وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن، متفقا عليه بين المسلمين، متواترا بينهم، يتلقاه الصغير عن الكبير، لم تعبث به أيدي المفسدين، ولم تطمسه أهواء الزائغين. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين». ختم شيخنا رحمه الله تعالى هذا الفصل بهذه السطور التي فيها بيان بعض فوائد، وكذلك المصالح التي كانت من جمع عثمان رضي الله عنه أرضاه لهذا القرآن في المصحف المسمى بالمصحف الإمام، وهو الجمع الثالث. وقد علمنا الجمع الأول، وهو ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والجمع الثاني، وهو ما كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه أرضاه، والجمع الثالث، وهو الذي كان في زمن عثمان رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاه. فمن فوائده، كما ذكر رحمه الله، أنه اجتمعت به الكلمة واتفقت، واندفعت به مفسدة كبرى من تفرق الأمة واختلافها. وذلك توفيق من الله سبحانه وتعالى، من حفظ الله عز وجل لكتابه، أن سخر له هذا التدرج بحفظه. وتعرفون الشيء إذا أسس بتدرج ليس كالشيء الذي يؤسس دفعة واحدة، فإنه إذا أسس على وجه التدرج كان ذلك أدعى لإتقانه وإحكامه، كالبنيان يؤسس خطوة خطوة ودرجة درجة، ليس كالشيء الذي يؤسس دفعة واحدة، فإنه سرعان ما ينهار وتكثر فيه الخلل والخطأ. لكن من توفيق الله عز وجل وحفظه لكتابه سبحانه وتعالى، أن يسر لحفظه هذه المراتب الثلاث: حفظه أولا في الصدور بنزوله متدرجا، وكتابته في الرقاع والصحف والجلود والعظام وغيرها، حتى إذا كتب وحفظ في الصدور وأطقن، يسر الله عز وجل بجمعه في زمن أبي بكر، فجمع في مصحف واحد بعد أن جمع في الصدور كما مر معنا. وأنه من زيادة توثقة الصحابة أنهم كانوا لا يكتبون الآية إلا بشاهدين، كل يأتي بما كتب عنده، مع أنهم كانوا رضي الله عنهم يحفظونه في الصدور كما مر معنا في قصة أبي غزيمة الأنصاري، فإنه جاء بالآية التي في سورة التوبة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ فكتبوها عنه، مع ما كان معهم من حفظه في الصدور. وكانوا يطلبون رجلا آخر يأتي بآية مكتوبة كما كتبت عنده. وهكذا كذلك آية الأحزاب التي أتى بها خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أرضاه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ فإنها ثبتت عندهم وحفظت في صدورهم. كثير من علماء الصحابة من حفظ القرآن، ولكن أرادوا زيادة في الاستيثاق أن يأتي رجل آخر بهذه الآية كما أتى بها خزيمة بن ثابت مكتوبة. وهذا إن دل على شيء، دل على زيادة التوثقة والحفظ لهذا القرآن في كتابته وفي لفظه، وفي كذلك حفظه. وهكذا في عهد عثمان رضي الله عنه أرضاه، وهذا الأخير قصة خزيمة كانت في عهد عثمان، في جمع عثمان، لما جمع ما جمع، كان كما قلنا لأجل أن تجمع أوجه القراءات، فجمعها على هذا الرسم وهذه الكتابة التي تسمى بالرسم العثماني، يعني كتابة يكون فيها جمع أوجه القراءة، وهي الأحرف السبعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن القرآن نزل على سبعة أحرف. وعلمنا أن السبعة الأحرف على القول الصحيح ليست هي القراءات السبعة، ولكنها لهجات العرب السبعة المشهورة التي اشتهر عند العرب واختلفوا ما هذه اللهجات السبع، اتفقوا في بعضها واختلفوا في بعضها. وقد أشار إلى ذلك السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه «الإتقان». وقد مر معنا الإشارة إلى بعض ذلك، وهي لغة قريش، وهكذا كذلك لغة بني تميم، وهوازن، ونحو ذلك مما ذكر. فالشاهد من هذا كان من فوائد هذا الجمع زيادة الحفظ لهذا القرآن، وهذا من تيسير الله عز وجل وتسخيره، فقد سخر الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى كان هذا الحفظ. وهكذا كذلك من هذه الفوائد، مع ما سبق، الأولى: دفع الاختلاف في القراءة، والمحافظة على أوجه القراءات، المحافظة على أوجه القراءات. ومن فوائده كذلك سد باب التفرق في كتابة المصحف، فإن المصحف لو لم يكتب على ما كتب في عهد عثمان رضي الله عنه وجمع، لكان هذا سببا للتفرق، ليس فقط في القراءة، كذلك في الكتابة، لأن أوجه الإملاء اختلف فيها أهل العربية، ولكل زمان ومكان أوجه، لكل زمان ومكان وعصر أوجه وقواعد في الإملاء تختلف عن الزمان الذي قبله. فكان من حفظ الله عز وجل لكتابه أن يسر وسخر عثمان رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الذين اتفقوا على ذلك، كما مر معنا في كلام علي رضي الله عنه، أنهم اتفقوا على هذا الرسم الذي رسم عليه القرآن، وهو إلى يومنا هذا، والمسمى بالرسم العثماني. فسد بهذا باب التفرق في باب كتابة المصحف، وهكذا كما سد باب التفرق في باب القراءة. وهكذا من فوائده سد باب التفرق والاختلاف في النطق والقراءة، فإنه لو كتب على قواعد الإملاء، لكان هذا مستدعيا لتفرق الناس في قواعد الإملاء، وتفرقهم في كتابته، وتفرقهم في نطقه. لكن من حكمة الله عز وجل أن سخر عثمان ومن معه رضي الله تعالى عنهم لحفظه على هذا الرسم المسمى بالرسم العثماني. ومن فوائده كذلك تيسير تعلم القرآن بحفظه بهذا الرسم العثماني الذي جمع برسمه الواحد أكثر من عشر قراءات. تعرفون القراءات العشر كلها قراءات صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلها تجمع في هذا المصحف الواحد المسمى بالرسم العثماني أو المصحف العثماني. بينما لو جعل لكل قراءة مصحف آخر، ماذا سيكون؟ سيحتاج الإنسان عشرة مصاحف. ولكن كان من فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورسوخ علمهم أن جمعوه على هذا الرسم العثماني الذي جمع بلفظه أوجه القراءات، وكذلك ما نزل به القرآن. وهكذا كذلك من فوائده سد باب التفرق والاختلاف في النطق والقراءة، فإنهم ينطقونه على ما سمعوه، لا على ما كتب في المصحف، لأن ما كتب له أوجه أخرى. فلذلك صار المسلم يستسلم لما يسمع من القراءة، لا بما يرى من المكتوب. وهذا كذلك يفيد شيء آخر، وهو الاعتناء بتلقي هذا القرآن على وجه السماع، التلقي بهذا القرآن على وجه السماع. ولهذا كان سلفنا وعلماؤنا يقولون: «لا تأخذ القرآن من مصحفي»، الذي يأخذ القرآن ممن يعطيك من المصحف هذا يخطئ. يخطئ في تلقينا القرآن. ولكن يأخذ القرآن ممن أخذه من أفواه الشيوخ، ممن أخذه من أفواه الشيوخ. ولهذا كان سلفنا يعتنون بقراءة القرآن على علمائه، لا يكتفون بقراءته من المصحف حتى يأخذوه ممن أخذه من العلماء من أفواه العلماء. فربما قرأوا المرة والمرتين والثلاث وأكثر، كما مر معنا عن أحد القراء أنه قرأ على أكثر من سبعين رجلا من الصحابة، ومن هو؟ أو من التابعين؟ مر معنا قريبا: نافع المدني القارئ، قرأ على أكثر من سبعين رجلا من التابعين. وهكذا كذلك من فوائده التأدب مع هذا القرآن وتعظيم كلام الله العزيز الحكيم، وذلك بتخصيصه بهذه الكتابة الخاصة التي لا تشبه كتابة الناس جميعا. فصار هذا القرآن معظما بكتابته بهذا الرسم العثماني الذي هو من خصائص القرآن، لا يكتب به شيء إلا القرآن. كتب به القرآن، فصار في هذا التعظيم لهذا الكتاب العظيم. فالحاصل: في الرسم العثماني فوائد. ولهذا كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم وجوب لزوم هذا الرسم العثماني في كتابة المصحف، يعني لا يجوز للإنسان أن يكتب المصحف على غير الرسم العثماني، بل يجب أن يكتب على هذا الرسم العثماني. وقد نقلت آثار كثيرة عن الأئمة في ذلك. فسئل الإمام مالك رحمه الله تعالى: «هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟» فقال: «لا، إلا على الكتبة الأولى». رواه الداني في «المقنع». وهكذا كذلك قال بعده الداني رحمه الله: «وقال: لا مخالف له من علماء الأمة»، يعني لا مخالف للإمام مالك فيما قال رحمه الله. وسئل كذلك الإمام مالك مرة عن الحروف في القرآن: الألف والواو، أترى أن تغير في المصحف إن وجد فيه كذلك؟ يعني إن وجد الحرف على خلاف ما ينطق، وهذا كثير في القرآن. قال: «لا»، يعني لا يبقى على ما هو عليه، على ما كان في الرسم الأول. قال أبو عمر: «يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم، المعدومتين في اللفظ، نحو ﴿أَلْوُ﴾ فأنت تقرأ: ﴿أَلُو﴾ تضم الهمز بدون مد، ومع ذلك فإنها تكتب في المصحف بماذا؟ بالواو. تكتب بالواو. ومثله ﴿أُولَئِكَ﴾ ونحو ذلك مما يكتب ولا ينطق». وهكذا كذلك روي عنه -على إمام مالك رحمه الله- كراهة وضع العلامات بالأحمر وغيره على المصحف. وقال: «لا بأس به في مصاحف الغلمان»، يعني الأوراق التي يحفظ بها الغلمان. وهكذا كذلك، وهذا من زيادة توثقتهم، من زيادة توثقتهم لعدم خلط القرآن بغيره. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «جردوا القرآن، ولا تخلطوه بشيء». وروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن كتابة المصحف، فقال: «تحرم مخالفة خط مصحف عثمان». «يحرم مخالفة خط مصحف عثمان». ونقل الجعبري رحمه الله تعالى وغيره إجماع الأئمة الأربعة على لزوم رسم مصحف عثمان. وهكذا ذكر البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه «شعب الإيمان» قال: «من كتب مصحفا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم، ولا تسقطا لهم». ونقل قبل ذلك: وهذه مسألة أخرى، نقل عن الحسن أنه لا بأس بنقط المصحف. فإذن مصحف عثمان كان على ذلكم الرسم لهذه المصالح التي ذكرت. ولا ينافي البقاء على هذا المصحف ما كان من تحسين لرسم المصحف العثماني بعد عهد عثمان، من وضع النقط والشكل -يعني الحركات- مما روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه أمره عبد الملك بن مروان، وغير ذلك مما فيه تحسين الرسم العثماني. فإن ذلك مما يكون فيه زيادة حفظ هذا القرآن، وهذا من تيسير الله عز وجل وتسخير العباد لحفظ كتابه. فروى ابن أبي داود عن الحسن بن سيرين أنهما قالا: «لا بأس بنقط المصاحف». وروى عن عبد الرحمن بن ربيع شيخ الإمام مالك أنه قال: «لا بأس بشكله»، يعني تشكيل المصحف. وهكذا قال النووي رحمه الله تعالى: «نقط المصحف وشكله مستحب، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف، صيانة له من اللحن والتحريف». فما كان وسيلة جائزة للحلال والواجب فهو كذلك، أي مما أجازه الشرع، أو قد يكون من الواجب إذا كان لا يتم حفظ الواجب إلا به. ولكن لا بد أن تكون الوسيلة مشروعة. وقد دل فهم السلف على أن هذه الوسيلة وسيلة مشروعة. وهكذا كذلك من المسائل التي ينبه عليها في هذا الموضع أن بعضهم يستدل بفعل عثمان رضي الله عنه على البدعة الحسنة في الدين، ويزعمون أن فعل عثمان من البدعة الحسنة. وهذا خطأ. فعثمان رضي الله عنه أرضاه ما فعل شيء يخالف الدين، ولا شيء جديد زائد عن الدين. وإنما الذي فعله هو الإبقاء على سنة النبي عليه الصلاة والسلام في القراءة، وذلك بكتب هذا الرسم على ما أجمع عليه الصحابة، أنه هو الموافق لأوجه القراءات التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فهو أولا ليس بشيء ليس له أصل في الدين، وثانيا كان بإجماع الصحابة، والتي هي من سنتهم وسنة الخلفاء الراشدين التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بها. وأما البدعة الحسنة التي يزعمها المتأخرون، فهي أشياء لا أصل لها في دين الله سبحانه وتعالى. وفرق بين الأمرين، فرق كبير بين الأمرين. على أن بعضهم جعل ذلك أنه ليس من أصل الدين، أي الكتابة ونحو ذلك. وفيكون بذلك مما لا يدخل بالعموم. فعلى كلا الأمرين، ليس هناك وجه للاستدلال بهذا على ما يزعمه هؤلاء. والله تعالى أعلم.