الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 40، الدرس الأربعون : من :(أنواع التشابه في القرآن ... فيبقى القرآن كله محكم لا اشتباه فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التشابه في القرآن نوعان، أحدهما حقيقي لا يعلمه إلا الله. هذا النوع من المتشابه لا يمكن للبشر إدراكه وقد أقر سلف الأمة بعدم معرفتهم له.
ينقسم المتشابه إلى نوعين: ما استأثر الله بعلمه ويعتبر السؤال عنه بدعة، وما يكون مشتبهاً على الناس ويمكن للراسخين في العلم معرفته.
يجب إعمال أدلة الوعيد والوعد معاً في فهم النصوص، والراسخون في العلم يوفقون في فهم الآيات المتشابهة بالتوفيق بينها وبين المحكمات.
يتم تفسير الآيات بطريقة تتوافق مع آيات أخرى، مما يحافظ على وضوح القرآن وعدم اشتباهه، ويضمن أن يكون القرآن كله محكماً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى: قال: أنواع التشابه بالقرآن. قال: التشابه الواقع في القرآن نوعان: أحدهما حقيقي، وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر، كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ومعنى «لا تدركه» أي: لا تحيط به، فالإدراك هنا الإحاطة، فالنفي ليس للرؤية، وإنما النفي للإحاطة. بل كما قال أهل العلم: نفي الإدراك إثبات للرؤية، نفي الإدراك إثبات للرؤية، إذ أن الإدراك الذي هو بمعنى الإحاطة، المنفي يدل على ثبوت شيء غير الإدراك، وهذا الشيء الذي هو غير الإدراك هو الذي ثبت في أدلة أخرى، وهي الرؤية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، «لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني»، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرون الله جل وعلا: «اعلموا أنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، كما صحت بذلك الأحاديث. وهكذا نصوص القرآن، فإذا من أنواع التشابه ما هو حقيقي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، يعني مشتبه عند الجميع من الخلق، لا أنه نسبي بالنسبة لناس وناس كالنوع الثاني، لا، بل هذا حقيقي لا يعلمه إلا الله. قال رحمه الله تعالى: ولهذا لمسوا إلى إمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». والمراد من إيراد هذه العبارة عن إمام مالك الإشارة إلى أن الكيف مما لا يعلمه إلا الله، فهو من المتشابه الحقيقي الذي أقر سلف الأمة أن الله استأثر بعلمه. بل هو بنصوص الكتاب والسنة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه لتعذر الوصول إليه، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «والسؤال عنه بدعة»، فالسؤال عن الكيفية، وعن الغيب الذي استأثر الله بعلمه بدعة. فبحث بعض الناس عن كيفيات الصفات مثلاً هذا من البدع، أو كذلك بحث بعض الناس عن الغيب الذي استأثر الله بعلمه كعلم الساعة، ويحاولون الوصول إليه بطرق حسابية، فهذا من البدع، لأن الله استأثر بهذا العلم لنفسه. قال رحمه الله تعالى: النوع الثاني نسبي، وهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض، يعني اشتباهه ليس حقيقياً، وهو بالنسبة للناس مشتبه، أي: لبعضهم، وهو بالنسبة للبعض الآخر معلوم. وهذا هو الذي جاءت عليه القراءة السبعية الأخرى الصحيحة في الوقف على «الراسخون في العلم» «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» أي: يعلمون تأويله. قال: وهذا النوع يسأل عنه دون بعض، فيكون معلوماً للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال: لإمكان الوصول إليه، إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، بمعنى لفظ ومعنى. وأما كيفية وحقيقة، فنعم، كيفية الرب سبحانه وتعالى في صفاته هذا لا يعلمه إلا الله، حقائق ما استأثر الله بعلمه من الغيب هذا لا يعلمه إلا الله. أما معاني القرآن والسنة، فهذا يعلمه أهل الرسوق في العلم. «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ». قال رحمه الله: ومنها قول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، حيث اشتبه على أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وزعموا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات. لا، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة، وهذا ليس بصحيح، بل الآية رد على الممثلة والمعطلة. رد على الممثلة والمعطلة، فمن زعم أن الآية تدل على نفي التمثيل فوقع في التعطيل فهو مخطئ، ومن زعم أن الآية فيها نفي التعطيل فوقع في التمثيل فهو مخطئ. بل الآية فيها نفي التمثيل والتعطيل، وفيها إثبات ما أثبت الرب لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. لا يجوز أن نأخذ الجزء الأول ونترك الجزء الثاني، ولا نأخذ الجزء الثاني ونترك الجزء الأول. قال: ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، حيث اشتبه على الوعيدية، ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمداً مخلد في النار، أي: بمعنى مؤبد له النار. والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة، سموا وعيدية لأنهم غلبوا أدلة الوعيد وأهملوا أدلة الرجاء، كما أن المرجئة سموا مرجئة لأنهم غلبوا أدلة الرجاء وتركوا أدلة الوعيد. والصواب الوسط: إعمال أدلة الوعيد وأدلة الوعد، وهي أدلة الرجاء. ودين الله بين الغالي والجافي. قال رحمه الله تعالى: ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، حيث اشتبه على الجبرية، ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وزعموا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري وغير اختياري. قال رحمه الله تعالى: والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى. وليس بعقولهم وصلوا إلى ذلك، ولكن بما علموا من شرع الله، ولكن لسلامة عقولهم مع كمال علمهم وصلوا إلى ذلك. وفي الحقيقة العقل الصحيح يجعل صاحبه داعياً حثيثاً للإنصاف في هذه المسائل. فلو أن إنساناً تأمل بكل إنصاف إلى هذه الأدلة، فإنه لو أخطأ في أول الأمر لا بد له أن يرجع إلى الحق إذا كان منصفاً، لأنه قد يخطئ لجهله ينظر إلى دليل ولا ينظر إلى دليل آخر. فإذا عرض عليه هذا وهذا كل منصف يقول: آمنت بالله كما أنزل الله في شرعه ودينه، فإن الله عز وجل أحكم شرعه ودينه. بل إن صاحب العقل السليم السديد يجد في نفسه -بما فطر الله عز وجل فيه من الفطر الحسن المستقيمة- أن قول أهل البدع قول باطل. كما أنكر من أنكر من الصحابة قبل علمهم بالإسلام ما عليه أهل الجاهلية، أنكروه بماذا؟ بفطرتهم الصحيحة، استنكروا هذا الباطل الذي رأوه بأعينهم وعاشروه بواقعهم، فوفقهم الله للحق. وهكذا كل صاحب حق وطالب له. قال: إلى معنى يتلاءم مع آيات أخرى، فيبقى القرآن كله محكماً لا اشتباه فيه، وهذا هو المقصود.