شرح أصول في التفسير للعثيمين 8

شرح أصول في التفسير للعثيمين 8

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 8، الدرس الثامن : من : ( 2-بيان عناية الله تعالى برسوله ... أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله من شعائر الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية معرفة أسباب نزول الآيات

يشرح الشيخ أهمية معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية وتأثيرها على فهم المعنى الصحيح للآيات. معرفة سبب النزول يساعد في تفسير الآيات بشكل دقيق.

أحكام الصلاة ومسائل الطهارة والتبرك

يناقش المقطع حكم الصلاة لمن فقد الماء والتراب، ويوضح مفهوم التبرك وحدوده الشرعية. يبين أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وأن التبرك يجب أن يكون بسبب شرعي.

فهم الآيات القرآنية في سياقها الصحيح

يشرح كيفية فهم الآيات القرآنية بشكل صحيح من خلال معرفة سبب نزولها وسياقها التاريخي. يضرب مثالًا على ذلك بآية الصفا والمروة لتوضيح أهمية السياق في الفهم الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح لتيمين رحمه الله تعالى في كتاب أصول في التفسير: قال ثانيًا، أي من فوائد معرفة أسباب النزول، قال: بيان عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدفاع عنه. قال: مثال ذلك، وهذا من الأسرار والحكم، فإنك تعرف بهذا بعض أسرار وحكم القرآن في معرفة أسباب نزوله. قال: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، يعني طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة كما نزلت الكتب السابقة، لا ينزل مفرقًا. وقوله جل وعلا: «كذلك» أي يستأنف ربنا جل وعلا في الجواب عليهم «كذلك لنثبت به فؤادك»، وردّتناه ترتيلًا. قال: وكذلك آيات الإفك، فإنها دفاع عن فراش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتطهيرًا له عما دنسه به الأفاكون. ومعروف حديث عائشة في الصحيحين في ذكر سبب نزول الآيات التي فيها تبرئتها من فوق سبع سماوات. فإن من يقرأ القصة ويرى الابتلاء العظيم الذي ابتليت به، وابتلي به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى ظن أبو بكر أن كبد عائشة ينفطر من شدة الهم والغم والحزن الذي أصابها بعد إذ علمت ما قاله المنافقون فيها، رضي الله عنها وأرضاها. فحين نعلم سبب نزول تلك الآيات يزيد المرء بهذا إيمانًا ويقينًا أن الله عز وجل ينصر عباده ولا يخذلهم. ومثله كذلك في قصة ذلكم الصحابي -كما سيأتي معنا إن شاء الله- الذي رأى رجلًا مع امرأته، فلما اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة أو حد في ظهرك». فأنزل الله عز وجل قرآنًا يبرئه، ويكون في ذلك حكم اللعان أو الملاعنة الذي كان بعد ذلك فيه نجاة ذلكم الصحابي من ما كان قد أراده النبي عليه الصلاة والسلام -يعني حد القذف- وحكم اللعان نجاه من أن يحد بحد القذف لعدم البينة. فمثل هذه الأسباب ومعرفتها تدل على عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وكذلك يتبين للإنسان بعض الأسرار والحكم. قال رحمه الله تعالى: ثالثًا، بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم. وهذا يمكن أن يضم كذلك إلى معنى معرفة الحكم والأسرار. قال: مثال ذلك آية التيمم. ففي صحيح البخاري أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها وهي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لطلبه -يعني تأخر لطلب العقد- وأقام الناس على غير ماء -يعني في موضع ليس فيه ماء- والغالب أن المسافر إذا نزل ينزل في موضع فيه ماء؛ لأجل إذا أدركتهم الصلاة تدركهم الصلاة وعندهم الماء، لكنهم تأخروا في ذاك الموضع لعدم الماء؛ لأجل العقد، ولم يكن في ذاك الموضع ماء. قال: وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث، وفيه: «فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا». فقالوا: «يا آل أبي بكر، ما هي بأول بركتكم». والحديث في البخاري مطولًا -يعني هذا مختصر من الحديث- والمراد أن معرفة سبب نزول آية التيمم فيه رحمة الله جل وعلا وتفريجه عن الناس. واستفاد منه العلماء كذلك حكمًا آخر مع ما ذكروه من أمر أن المشقة تجلب التيسير. الحكم الآخر وهو أنهم صلوا بعض الصلوات بغير تيمم ولا ماء، وهو ما يسمى بحكم فاقد الطهورين، من لم يستطع الماء ولا التراب، فإنه يصلي بغير طهارة. يصلي بغير طهارة من لم يستطع الماء والتراب، مثل المحروق أو الموثوق -رجل أوثق يعني مربوط- فما يستطيع لا يتوضأ ولا يتيمم، هل يترك الصلاة؟ لا يصلي ولو كان بغير تيمم ولا وضوء. ومثله كذلك رجل خرج من عملية ولا أحد يعينه، وهذا يقع لبعض الناس في غرفة العناية -كما يقال المركزة- ما أحد يعينه لا على تيمم ولا على وضوء، وربما لا يستطيع الوضوء وإن كان يستطيع التيمم فلا أحد يعينه على ذلك. فإذا كان كذلك هل يترك الصلاة؟ الجواب: لا، ما يترك الصلاة، يصلي ولو بغير وضوء ولا تيمم. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وحديث عائشة رضي الله عنها هذا الذي عندنا يدل على هذا المعنى. وهكذا كذلك فيه ما أراد المؤلف رحمه الله إيراده، وهو كما قال: عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم. فإن الله جل وعلا لطيف رؤوف بعباده سبحانه، حتى كانت هذه العناية بمثل هذه الأحكام. وقوله: «ما هي بأول بركتكم»، هل هذا معنى أن غير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأتي بالبركة؟ أو تكون منه البركة؟ الجواب: لا. فالعلماء فرقوا بين البركة بالشخص، فليس أحد يكون له ذلك إلا النبي عليه الصلاة والسلام. فالله جل وعلا هو الذي جعله مباركًا أو جعل فيه البركة عليه الصلاة والسلام في شخصه. وأما إن نريد بالبركة -وطبعًا على الأول- من دون النبي عليه الصلاة والسلام لا يقال: إنه يتبرك به، فلا يتبرك بأحد من الناس مهما كان هذا الأحد، فإنه لم يثبت ذلك لا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من أئمة الدين، بل الأدلة دلت على النهي عن هذا المعنى، وهذا هو التحقيق في مسألة التبرك. وأما إن أريد بالبركة سبب الخير، فهذا جائز، ليس تبرك بالشخص أو الذات وبقاياه، وإنما أنه سبب للخير. مثل هذا الحديد: «ما هي بأول بركتكم؟» يعني ما هي بأول شيء من الخير يأتي بسببكم، فهذا صحيح. لكن هل معنى أنه يتبرك بآل أبي بكر؟ الجواب: لا، ليس هذا معنى، ولكن معنى أنه قد حصل للناس خير بسببهم. فإذا كان هذا المعنى فلا بأس. وأما أن يتبرك بشخص معين أو بآثاره، فهذا لا يجوز إلا في النبي عليه الصلاة والسلام كما دلت الأدلة على ذلك. وغير النبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز. فنفرق بين المسألتين. نفرق بين التبرك بالشخص وآثاره، فهي مسألة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وليست لأحد أبدًا لا من الصحابة ولا التابعين ولا غير هؤلاء. وأما مسألة أن يوصف إنسان بأنه فيه بركة أو جاء الله عز وجل به فجاءت به البركة، فهذا لا بأس به كما في هذا الحديث؛ لأن المقصود أن الخير يأتي على يديه غالبًا أو قد أتى شيء من الخير على يديه. مثلًا رجل بنى مسجدًا لأناس، فاجتمع الناس فيه فحصل خير، فلا بأس أن يقال: «هذا من بركة فلان»، يعني لأن فلان كان سببًا في هذا الخير الذي اجتمع. وهذا كذلك العمل الصالح الذي اتفق الناس عليه وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: رابعًا، فهم الآية على الوجه الصحيح. قال: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾، أن يسعى بينهما. فإن ظاهر قوله: «فلا جناح عليه» أن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح. وفي صحيح البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، قال: «كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾». وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه حيث يرون أنهما من أمر الجاهلية. أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: «من شعائر الله». فهذه الآية من لم يعرف سبب نزولها وأخذ بظاهر سياقها لم يفهمها على فهم الصحيح. فهو سيفهمها على أحد مفهومين خاطئين: المفهوم الأول وهو: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾ يعني لا حرج، وهو مباح، إن شاء تطوف وإن شاء لم يتطوف. يعني كأن الحاج أو المعتمر ليس بملزم بالطواف والسعي بين الصفا والمروة. وهذا مفهوم خاطئ. وقد ظن هذا المفهوم بعض التابعين، فجاء في قصة عروة بن الزبير مع عائشة أنه سأل هذا السؤال، والحديث في الصحيحين. فبينت له أنه ليس هذا معنى الآية، وإنما كان معنى الآية: كان معنى الآية أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون شيئًا من العبادات الشركية، وما كانت من أوثان بين الصفا والمروة، وكان ذلك من نسكهم، فتحرج أهل الإسلام أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فبين ربنا جل وعلا أنه لا حرج ما دام أن ذلك الشرك غير موجود، وأنهم يفعلون شيئًا على نسك إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفعله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصار من نسك أهل الإسلام في الحج والعمرة السعي بين الصفا والمروة. ولهذا قال الشيخ رحمه الله: فكونه من الشعائر ومن العبادة ومن النسك في قوله: «من شعائر الله»، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. وما هو حكمه؟ حكمه أنه واجب، يجب على الحاج والمعتمر أن يطوف بين الصفا والمروة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قدوا عني مناسككم». فبقي النسك على ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا مفهوم آخر وخاطئ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾، فلا جناح، أن يظن أن الصحابة ظنوا أن الصفا والمروة إثم، فبين الله عز وجل -وفعل النبي عليه الصلاة والسلام- أنه ليس كذلك، وليس هذا المعنى. فهو ليس إثم، ليس هناك سبب للتأثم من ذات الصفا والمروة، ولكن التأثم لما كان يصنعه أهل الجاهلية بين الصفا والمروة هذا المقصود. وبسبب معرفة سبب النزول -كما في حديث أنس وحديث عائشة في الصحيحين- يفهم معنى الآية. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين.