وصايا وتوجيهات في زمن الفتن

المحاضرة بعنوان وصايا وتوجيهات في زمن الفتن، والتي كانت في دورة مسجد التوحيد بتريم - حضرموت يوم الجمعة 17 جمادى الأولى 1442هـ الموافق 1 يناير 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وأهمية التقوى والعلم النافع

يبدأ الشيخ بالحمد والثناء على الله، ويشير إلى أهمية العلم النافع وتقوى الله. التقوى أساس كل خير وسبب للفوز العظيم.

التوجيهات الأساسية لتحقيق التقوى والإخلاص

الخطاب يدور حول تحقيق التقوى والإخلاص لله في الأقوال والأفعال، والتعاون على البر والتقوى، والتحذير من الفرقة والاختلاف.

دور العلماء والتعاون في دفع الفتن

يؤكد على أهمية الرجوع إلى العلماء في حل النزاعات ودفع الفتن، ويشدد على ضرورة تعاون المسلمين وأهل السنة في مواجهة المخاطر.

ختام الخطاب والدعاء للجميع

يختم الحديث بالدعاء للجميع بالبركة والتوفيق، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أهمية التوجيه الصحيح للشباب.

  • 20 جمادى الأولى 1442هـ - 03/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبه ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخص سبحانه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر هذا الاجتماع المبارك وهذه الدورة النافعة التي يحيي الله عز وجل بها، بإذن الله تعالى، العباد والبلاد. فالحياة الحقيقية ليست هي حياة الأجساد؛ فهذه الحياة يشترك فيها الإنسان والحيوان، بل وحتى الجمادات. ولكن الحياة الحقيقية هي حياة الروح، حياة الإيمان، وحياة الصلة بالرحمن سبحانه وتعالى. وليس شيء يحيي الله عز وجل به العباد والبلاد في إيمانهم وأرواحهم وحسن صلتهم بربهم وخالقهم بمثل العلم النافع. فالعلم النافع مفتاح كل خير، وهو بإذن الله تعالى مغلاق لكل سوء وشر وضير. والعلم النافع بإذن الله تعالى سبب ارتقاء هذا الإنسان درجة درجة في مراتب الإيمان، حتى يصل إلى أعلى الدرجات بإذن الله تعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. فهنيئًا لمن وفقه الله لهذا الخير. وشكر الله المشايخ الفضلاء والإخوة النبلاء، وكل من ساهم وشارك في هذا الخير في مسجد التوحيد وغيره من المساجد الأخرى، مساجد أهل السنة التي تشارك في هذا الخير. ومن جاء من الدعاة رجالًا ونساء وطلبة العلم، فنسأل الله عز وجل أن يبارك في جهود الجميع، وأن يجعل في هذا الخير والبركة، وأن يعمم الله عز وجل به كذلك النفع. نسأل الله ذلك، اللهم آمين. ومما أوصي نفسي وإخواني وأبنائي وأبائي، أوصي نفسي أولًا وإياكم بتقوى الله عز وجل، وصية الله للأولين والآخرين. تقوى الله التي أمر الله عز وجل بها هذه الوصية، التي أمر الله عز وجل بها عباده في آيات عديدة في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، حتى كان عليه الصلاة والسلام يكررها في مفتتح خطبه عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. تقوى الله التي بها يجعل العبد بينه وبين غضب الله عز وجل وقاية، فيكون في غاية الخشية والخوف والمراقبة، وهي تأخذ بالعبد إلى أعلى مراتب هذا الدين، ألا وهي مرتبة الإحسان، أن تكون عند العبد مراقبة، وأن يكون عند العبد كذلك حرص على الإحسان فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وفيما بينه وبين الخلق. فإذا أسس الأمر على التقوى، فلا تسعى عن الخير الذي يأتي من بعده. فلذلك نحن بحاجة أن نؤسس التقوى في قلوبنا، في أقوالنا وأعمالنا، فإن في ذلك الخير الكثير. كما قال الله عز وجل: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفى جرف هار فانهار به في نار جهنم﴾. نسأل الله السلامة والعافية. فهذا البناء الحسي، وهكذا كذلك البناء المعنوي. والتقوى محلها القلب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أشار بإصبعه إلى صدره: «التقوى ها هنا، التقوى ها هنا». كررها عليه الصلاة والسلام عدة مرات. فإذن نحن بحاجة أن نحقق هذه التقوى عمليًا. ولهذا نتأمل قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾. كثير من يدعي التقوى، ومن يعرف معنى التقوى، ولكن قليل من يحقق هذه التقوى على الوجه الذي يحبها الله سبحانه وتعالى ويرضاه. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء، أن نحقق التقوى في أقوالنا وأعمالنا ومواقفنا، وفي كل تصرفاتنا. إذا حققنا التقوى، فإننا سنرى الخير الكثير. لن نرى خصومات ونزاعات ومشاحنة في المواقف، وفي غيرها من التصرفات التي تحصل بين الخاصة، فضلًا عن العامة. لأن من يتق الله عز وجل يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، فعند ذلك يرتقي بنفسه. أن تكون عنده مشاحنة تنافي العدل والإحسان الذي أمر الله عز وجل به: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾. وكل هذا مما يقتضيه التقوى. إذا اتق الله عز وجل العبد، فإن هذا كله يدخل ضمنًا لهذا. كانت الوصية للأولين والآخرين بالتقوى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتقين. وهكذا مما أوصي به نفسي وإياكم الوصية بالإخلاص لله عز وجل في أقوالنا وأعمالنا ومواقفنا، أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. ومن معاني الإخلاص لله عز وجل أن لا نؤثر شيئًا من الدنيا الفانية على ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه، ولو كان العمل دينيًا، ولو كان العمل من الأعمال الصالحة. لأنه قد يزين الشيطان -والعياذ بالله- أن يستغل الإنسان بضعفه وشهوة نفسه، وكذلك مجاراة لغيره بعض الأعمال الصالحة في شيء من أمور الدنيا الفانية. بل ربما فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. وأعظم من هذا أن يدفع الحياء والخجل والمجاراة أن يكون سلّمًا لدنيا غيره -والعياذ بالله-، حتى الدنيا الذي قصدها لم يقصدها لنفسه، إنما جارى غيره ممن يستحي منه أو ممن له عليه منّة، فيصل به غيره إلى الدنيا وهو مسكين، حرم الدنيا والدين، حرم ما عند الله، وحرم نفسه العاجلة. فلذلك نمرر معنى التقوى ومعنى الإخلاص دائمًا على أقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا ومواقفنا: هل هي حقيقة توافق ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه؟ هل هي على التقوى الذي أمرنا الله عز وجل؟ هل هي خالصة لله سبحانه وتعالى؟ بذلنا ومنعنا، متابعتنا ومفارقتنا، اجتماعنا وتفرقنا، جنبًا إلى جنب يكون كله لله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. وأما ما أوصي به نفسي وإخواني كذلك، الوصية بالجد والاجتهاد في تحصيل العلم والعمل به. وأنتم ترون ما عليه أهل الباطل، وكيف يتعاونون على هذا الباطل ويتكاثفون، فتسلطوا على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، سواء كجماعات أو كدول، بل حتى كأفراد. فأين تعاون أهل الحق وتكاثف أهل الحق وتناصر أهل الحق، الذي هم أحق بهذا الأمر العظيم؟ فالله عز وجل أوصانا بالاعتصام بحبله والاجتماع على دينه والتعاون على البر والتقوى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وهكذا كذلك: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون﴾. وكما قال سبحانه: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. فينبغي تعاون أهل الحق وتناصر أهل الحق. ومن هذا التعاون والتناصر التطاوع وعدم الاختلاف، وغض الطرف عما يرغب به شياطين الجن والإنس من الفرقة، وكذلك بذل كل الأسباب. وهذا من التطاوع التي تعين على الاجتماع والتخلي عن كل الأسباب التي تجلب الفرقة. والتعاون يكون بالحق على الحق، والاجتماع يكون بالحق على الحق. وإذا حصل خلاف، فعندنا من ثوابت ديننا ومن علماء هذه الأمة من نرجع إليهم، فيكون بإذن الله سبحانه وتعالى حل النزاع وإزالة الإشكال: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولو الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا﴾. فضل الله سبحانه وتعالى بلزوم ما أمرنا الله به في الكتاب والسنة، ومن ذلك لزوم غرز العلماء. غرز العلماء الذي به تدفع الفتن، فهم يبصرون ما لا يبصر غيرهم، وإذا نصحوا نصحوا لله سبحانه وتعالى. وما أكثر الأمور التي تلتبس على بعض الدعاة، فضلًا عن غيرهم، فيزين الشيطان لهم بعض الأعمال أنها مما ينصر بها الدين، والأمر ليس كذلك. فينبغي أن نستفيد من نصائح كبار مشايخنا وعلمائنا، وأن كذلك نحرص على الاقتراب والاستفادة بصدق. فإذا كان الإنسان بعيدًا لم يستفد، لكن يكرر التواصل ويكرر الاستشارة. الدعاة فضلًا عن طلبة العلم، إذ بهذا يحصل الخير لدعوتنا ولطلابنا ولمراكزنا. ونحن نعرف أن من أعداء هذه الدعوة المباركة، بل أعداء الدين، من يحرص على أن يصرف أهل الحق عن الطريق المستقيم والصراط القويم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، تارة بالشبهات وتارة بالشهوات، وربما يأتيك بلباس النصح وإرادة الخير، والأمر ليس كذلك. بل كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كم من مريد للخير غير مريد، ليس كل ما ظنه الإنسان خيرًا فهو خير، ولا ما أراده خيرًا يكون خيرًا». بل ينبغي أن يوزن الأمر على ما يحبه الله ويرضيه، وعلى ما قررته الشريعة وأذنت به. ولذلك الرجوع إلى العلماء والقرب من العلماء واستمرار طلب النصح والاستشارة منهم سبب خير في حفظ دعوتنا وطلابنا وأبنائنا ومجتمعاتنا ومراكزنا. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. وأخيرًا أنصح نفسي وإخواني وأبائي وأبنائي بالحرص والاعتناء بشبابنا، خاصة في مثل هذا الوقت الذي كثرت فيه الفتن، اعتناء خاصًا ببذل النصائح والتوجيهات وإشغالهم بالعلم النافع وتوجيههم إلى ما يبذلون فيه طاقتهم، حتى لا يستغلها أهل الأهواء وأهل الباطل فيستغلون قوة الشباب وحماسهم في الباطل. فلذلك ينبغي أن يجتهد أهل الحق وأهل الخير بإقامة مثل هذه الدورات المباركة، ويشكر أهل هذا المسجد المبارك وكل من تعاون في هذا الخير على هذا الخير، وكذلك غيره من الجهود الأخرى، بزيارة المراكز العلمية، وكذلك القيام بالأعمال الصالحة والتعاون عليها، بالتكليف ببعض الكتابات والبحوث لمن هو أهل لذلك، وكذلك غيرها من الأعمال الكثيرة النافعة، علمية وعملية، تكون سببًا في حفظ أبنائنا شبابنا ومجتمعنا من أن تخترقه بعض الجهات التي تريد استغلال قوة الشباب وحماسهم، فيصرفونهم إلى الباطل -والعياذ بالله-، سواء في هذه النزاعات والخلافات الباطلة أو كذلك في بعض الأفكار المنحرفة. نسأل الله عز وجل أن يحفظنا والمسلمين وأننا من أجل ما ظهر منها وما بطن. ولا أنسى كذلك أن نحرص ونحن في هذا الوضع الذي ترون على التعاون والتناصر بالحق وعلى الحق. ومن ذلك تعاون مع ولاة الأمر في حصول الخير واستقرار الأمن في البلد، ودفع مكر الماكرين وكيد الكائدين، وكذلك عداء المعتدين، سواء من الرافضة والحوثة وكل من عاناه من الداخل والخارج، أو كذلك بعض الدعوات الأخرى التي تستغل هذه النزاعات ببعض ما يكون فيه الضرر على الفرد والمجتمع وعلى أهل هذا الدين وأهل الحق خاصة. وينبغي أن يتبصر المسلمون عمومًا وأهل السنة خصوصًا والدعاة وطلبة العلم على وجه أخص بمعرفة هذه المفاسد وكيفية التعاون في دفعها. فهذه مسؤولية الجميع كذلك. ونحن من أفراد هذا المجتمع ومن أفراد كذلك هذا البلد، ولابد أن تكون لحمة أهل البلد لحمة واحدة، نتعاون على البر والتقوى وندفع كل سوء وشر وباطل. نسأل الله عز وجل أن يحفظنا وبلادنا والمسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وأكرر شكري للمشايخ الفضلاء القائمين على هذه الدورة، وكذلك من شارك فيها، فجزى الله خيرًا الجميع خير الجزاء. ونسأل الله عز وجل أن يبارك بجهود الجميع. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.