نعمة مراكز العلم والحفاظ عليها

المحاضرة بعنوان نعمة مراكز العلم والحفاظ عليها، والتي كانت إلى دار الحديث بالفيوش يوم الثلاثاء 20 جمادى الآخر 1442هـ الموافق 3 فبراير 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التعاون والتناصح في طلب العلم والدعوة

يؤكد الشيخ على أهمية التعاون والتناصح بين طلبة العلم والدعاة، ويشدد على ضرورة الرفق والحكمة في التعامل مع المخالفين. يستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحث على هذه القيم.

الصدق والإخلاص والتقوى في الحفاظ على الخير

يتحدث المقطع عن أهمية الصدق والإخلاص والتقوى في الحفاظ على الخير، ويحذر من الرياء والسمعة. يؤكد على أهمية تقوى الله في كل شيء والعمل الصالح الخالص لله.

التحذير من الفرقة والخلاف وتعزيز الوحدة

يجب على المسلمين الحذر من الأخلاقيات السيئة التي تؤدي إلى الفرقة والخلاف، والالتزام بآداب الخلاف. كما يجب الحفاظ على وحدة الصف والابتعاد عن أسباب الفرقة والتفرق.

ختام الحديث والدعاء لله بالتوفيق

يختتم المتحدث كلامه بدعاء لله بالسلامة والتوفيق والسداد، ويشكر الله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يعبر عن امتنانه لله وطلب المزيد من التوفيق.

  • 21 جمادى الآخرة 1442هـ - 03/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم ما أنعم الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعمة هذا المركز الطيب المبارك، وما نحن فيه من خير، في مثل هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وأنتم ترون الناس من حولكم كيف تتخطفهم الفتن ويتخبطون فيها، فالفتن أخذت أناسًا كثرًا، أفرادًا وجماعات، والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، ولا عاصمة بعد عصمة الله سبحانه وتعالى بمثل العلم، بل ولزوم أماكن العلم، وهذه المراكز المباركة حصون محصنة بإذن الله سبحانه وتعالى، تحفظ من فيها بعد فضل الله سبحانه وتعالى من هذه الفتن، ما ظهر منها وما بطن. فهي نعمة عظيمة ينبغي أن نشكر الله سبحانه وتعالى عليها، وأن أكرر شكر الله عز وجل عليها، وأكرر مثل هذا الكلام؛ لأجل أن نمرره على قلوبنا وعقولنا وواقعنا، حتى لا ننسى ولا نغفل عن أهميته. فنحن والله نخشى أن تزول هذه النعمة منا بسبب عدم شكر الله عز وجل لنا فيها، أو بسبب تفريط بعض منا، فقد يحرم الجميع النعمة بسبب تفريط البعض. ولا أدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أصحاب السفينة، فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ الحديث المعروف في الصحيحين، قال: «لو تركوهم وما أرادوا تهلكوا وهلكوا جميعًا»، في أولئك الذين كانوا إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: «لو أن خرقنا في نصيبنا هذا خرقًا فلم نؤذ من فوقنا»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا»، فلو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا. وهكذا نحن أسرة واحدة في هذا المكان الطيب المبارك، فلا نسمح لأحد أن يغرق سفينتنا، فضلًا أن يكون واحد منا هو من يغرقها. فينبغي أن نكون لحمة واحدة وجسدًا واحدًا، كما وصفنا النبي صلى الله عليه وسلم، وصف أهل هذا الدين أنهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. فينبغي أن نكون حقيقة كالجسد الواحد، ولذلك نأخذ على يدي المقصر المفرط برفق ورحمة وحكمة، حتى لا تغرق سفينتنا ولا تزول هذه النعمة منا. فهذا أمر مهم، ولا يخفى عليكم كثرة المخالفات التي انتشرت في المركز، وهذه المخالفات لها آثارها على الفرد وعلى المجتمع، وعلى ضعف الخير وتسلط أهل السوء. لذلك ينبغي على الصالحين والمصلحين والمحسنين أن يعيدوا الأمر إلى ما فيه كماله وتمامه وسلامته، وينبغي أن نصلح ما أفسد الناس، لا نكتفي بأن نصلح أنفسنا، بل نصلح ما أفسد الناس. وهذا من صفات الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، فسرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، وفي رواية: «الذين يصلحون ما أفسد الناس». فمن أعظم صفات الطائفة المنصورة والفرقة الناجية صلاحها في نفسها، وحرصها على صلاح غيرها. وهو الحديث الآخر في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وقرن في رواية البخاري بقوله عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». فمن علامات هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة حرصها على الفقه في الدين، وكذلك أخذها بأيدي الآخرين إلى هذا الفقه. ولذلك لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، فهم ماضون على الخير الذي علموه وفقهوه من دين الله عز وجل، ومن الظهور الدعوة إلى الهدى والخير الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه طريقته، هذه دعوته، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. وفي الآية الأخرى: «ولو كره المشركون»، هذا الظهور لا يكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للخلق، وهذا هو مقتضى الرسالة. وحملة العلم ورثوا الأنبياء، فالعلماء ورثوا الأنبياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي الدرداء وغيره: «العلماء ورثة الأنبياء، والعلماء يورثون ذا نارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فلذلك ينبغي أن نتواصى -أيها الأحبة- بالتعاون على الخير والتكاثف عليه والتناصح فيه، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، الذي هو من أعظم ثوابت هذا الدين، بل جعله بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام؛ لأن الله عز وجل قرنه في آيات كثيرة بأركان الإسلام، بل قدم على بعض أركان الإسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة. وروح هذا الدين وقوته بهذه القوة العلمية التي من لوازمها الدعوة إلى الله والنصح للخلق، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بضوابطه الشرقة الشرعية المعروفة التي بها يوضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه. فالله -الله- يا معاشر طلبة العلم، يا أيها المدرسون والدعاة والخطباء والقراء، في هذا الواجب العظيم من واجبات ديننا، بالرفق والحكمة والرحمة التي تكسر عناد ذلكم المعرض أو المخالف. فإن بغي أن يكون هناك رفق ورحمة وحكمة يكسر بها شر صاحب الباطل. وأما العنف والشدة، فإن عواقبه في الغالب سيئة. ولذلك جاءت الوصايا الكثيرة في أدلة الكتاب والسنة في تقديم الرفق، حتى مع الكافر. قال الله عز وجل: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، حديث عائشة المشهور، وهو في الصحيح. فالرفق -الرفق- والرحمة والحكمة التي بها توضع الأمور التي ينجع فيها الأمر وتصلح، فيكون كماله وتمامه بإذن الله تعالى. وهكذا -أيها الأحبة- مما ينبغي أن نتواصى به للحفاظ على هذا الخير، نتواصى بالصدق مع الله سبحانه وتعالى، والإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، حتى يبارك الله عز وجل لنا بالشيء القليل. فإن من أعظم أسباب حفظ الخير وقبوله الإخلاص والصدق مع الله عز وجل فيه. ولا يخفى علينا الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة الدالة على هذا المعنى العظيم والثابت الكبير من ثوابت هذا الدين. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فالعمل الصالح إذا لم يكتنفه صدق وإخلاص فإنه يذهب هباءً منثورًا. ولا يخف عليكم قول النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره: «أنا أغنى الشرك فيما يقول لله عز وجل: أنا أغنى الشرك عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». كم من أعمال عظيمة تنهار إذا صار فيها شيء من الرياء والسمعة أو من مقاصد الدنيا الدنيئة الفانية. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي جاء من حديث أبي هريرة وغيره، ذكره شيخنا في «الصحيح المسند»، الشيخ الألباني -رحمه الله- وكذلك حسنه في مجموعة من كتبه، في قولها عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم لِيُجَارِيَ به العلماء، أو لِيُمَارِيَ به السفهاء، أو لِيَصْرِفَ به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله النار». هو حامل لعلم وداعٍ إليه، ومع ذلك -والعياذ بالله- يدخل بهذا العلم إلى النار؛ لماذا؟ ما كان خالصًا لله، طلبه ليجاري العلماء، ويماري السفهاء، ويصرف وجوه الناس إليه. فالله -الله- في الصدق والإخلاص حتى ننتفع من هذا الخير، ويحفظ لنا هذا الخير. وهكذا كذلك من لوازم هذا الصدق تقوى الله عز وجل. فإننا إذا اتقينا الله عز وجل أكدنا صدقنا مع الله وإخلاصنا لله عز وجل، وبذلك يحصل الخير العاجل والآجل، وتنكشف كل كربة، ويدفع الله عز وجل عن من يتقيه كل سوء ومكروه، بل ويعينه على الوصول إلى الحق والثبات عليه. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. فإذا اتقينا الله عز وجل جعل الله لنا ما نفرق به بين الحق والباطل. ولهذا كان تقوى الله من أعظم ما أوصي به الأولون والآخرون: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. تتق الله عز وجل في نفسك وأهلك وولدك ومالك، في أقوالك وفي أفعالك، في مواقفك، في كل شيء أعطاك الله سبحانه وتعالى، تراقب الله سبحانه وتعالى وتتقيه. حتى مع المخالف ومع العدو، فإنك تتقي الله عز وجل فيه، لا تفتري عليه ولا تكذب عليه ولا تتقول عليه ولا تعتدي عليه ولا تظلمه، حتى ولو كان عدوا. فأنت تراقب الله سبحانه وتعالى، لا في قليل ولا في كثير، لا في كلمة ولا في فعل، لا في حق ولا في مال. فإذا حصل هذا حصل الخير الكثير، وحصل كذلك ما لا يتصوره الإنسان من الخير العاجل والآجل. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، وهكذا يأتي الفرج، ويأتي الرزق، ويأتي كل خير بسبب تقوى الله سبحانه وتعالى. بل العسير يصير يسيرًا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فتقوى الله تفتح أبواب الخيرات وتغلق أبواب السوء والشر والسيئات. إذا اتقينا الله عز وجل حصل العدل في كل شيء، وانتفت واندفعت أسباب النقم والشحناء والبغضاء، فيضع كل شيء الإنسان بتقوى الله في موضعه، على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. فالمدرس يتقي الله عز وجل في وقته وفي تعليمه لطلابه، والطالب يتقي الله عز وجل في التعامل مع مدرسه ومع تعلمه ومع وقته، وولي الأمر يتقي الله عز وجل في من استرعاه الله عز وجل الرعية تحت يده، الكل يتقي الله عز وجل. فعند ذلك لا ترى إلا كل خير، ويندفع بإذن الله سبحانه وتعالى كل شر وضير. وهكذا كذلك مما يعيننا على الحفاظ على هذا الخير أن نتعلق بالله عز وجل وحده، وأن نعلم أننا فقراء، لولا الله سبحانه وتعالى لما صرنا بهذا الخير الذي نحن فيه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. فلولا فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته ومنته لما حصل ولما وصل هذا الخير الذي نحن فيه. فالله سبحانه وتعالى له الفضل من قبل ومن بعد، فلذلك نفتقر إليه جل وعلا، يزيدنا من فضله. ونعلم أن ما أصابنا فهو بذنوبنا ومعاصينا، فلذلك نحذر من هذه الذنوب والمعاصي: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. وهو كذلك من لوازم التقوى، إذا اتقينا الله عز وجل حق التقوى؛ لزمه الافتقار إلى الله وعدم الاغترار بالنفس، وعدم كذلك التساهل في الذنوب والمعاصي. فنحن إذا علمنا أننا أقوياء بالله لا نعصيه؛ لأننا نخاف إن عصينا سبحانه وتعالى أن يغضب علينا وينتقم منا، ويدعنا لأنفسنا الأمارة بالسوء، الفقير الضعيفة. فلولا الله لما اهتدينا، ولما حصل هذا الخير الذي جمعه الله عز وجل لدينا. فلنحافظ على هذا الخير بالمحافظة في الصلة والإحسان، الذي هو من أعلى مراتب هذا الدين، أن نراقب الله عز وجل في أقوالنا وأعمالنا ومواقفنا وفي كل أحوالنا. كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهكذا كذلك مما يعيننا على الحفاظ على هذا الخير عدم التنازع وعدم الفرقة وأسبابها؛ لأنها من أعظم الأسباب التي تزيل الخير. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي: قوتكم، فالقوة تذهب والخير يذهب بالتنازع والخلاف والفرقة. ولا يخفى علينا حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، أوصاهما بقوله: «تطاوعا ولا تختلفا». فالتطاوع من أعظم ثوابت الدين الذي به شظف قوة أهل هذا الدين، أن يحصل التطاوع. ومن معاني التطاوع أننا نعلم كيف تكون النصيحة في المسائل التي يحصل فيها الخلاف، وكيف يكون الأدب فيما بيننا، فضلًا أن يكون بين الطالب وشيخه. فننبغي أن نحذر من بعض الأخلاقيات الدخيلة على هذه الدعوة المباركة، والتي هي كذلك بعيدة كل البعد عن الإسلام الصافي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحذر -الحذر- من هذه الأخلاقيات، التطاوع يقتضي التراحم، التعاطف، التعاون، أن نكون أسرة واحدة ولحمة واحدة، ليس أن يحفر بعضنا لبعض، وأن يحقد بعضنا لبعض، ويحقر بعضنا بعضًا، وينتقص بعضنا بعضًا، وغير ذلك من الأخلاقيات السيئة. بل ينبغي أن يكون هناك الاحترام، ويكون هناك الأدب، ويكون هناك التراحم والتعاطف والتعاون، وإغلاق كل باب يفتح به الشيطان النفرة، فضلًا عن الفرقة. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. ومن ذلك أن نعرف الأدب في مسائل الخلاف، فهناك آداب ذكرها العلماء في مسائل الخلاف ينبغي أن نحرص على قراءتها والتأدب بها، وأن نحذر من طرق الكافرين الذين لا يبالون بالفرقة ولهذا حذرنا الله عز وجل من طريقتهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. ليس هذا من طريق أهل الإسلام، عدم المبالاة بالفرقة، هذا مذهب من مذاهب الكفار وطريق من طرق أهل الشرك. ومن ذلك أن الإنسان يغتر بما معه وبرأيه، فلا تكن فرعونيًا كما حكى الله عز وجل عن فرعون في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. اليوم بعض الناس ممن ينتسب للإسلام، بل وللأسف ممن ينتسب لهذه الدعوة المباركة، حاله كحال فرعون، ما يريد الناس إلا أن يكونوا على رأيه وعلى مذهبه وعلى فكرته وعلى نظرته، ومن خالف ذلك فهو أقل أحواله -إن لم يخرجه من السلفية- اتهمه بالضعف في سلفيته والدخن في سلفيته. مع أن بعض هذه المسائل ربما يسع فيها الخلاف، بل ربما يكون القول الذي تبناه هو المرجوح، والذي عارضه وخالفه هو الراجح. فالله -الله- يا معاشر طلبة العلم، يا أيها المدرسون والدعاة والخطباء والقراء، فأن يكون واحد منا مفتاح شر وسوء -والعياذ بالله- وفرقة؛ بل ينبغي أن نكون مفاتيح خير ودعاة رحمة واجتماع وألفة. فالتطاوع له معانٍ عظيمة، طولية وعملية، علمية وتطبيقية، ينبغي أن نتأملها وأن نعيد النظر فيها، وأن نمررها على حياتنا اليومية. فينبغي أن نكون -معاشر طلبة العلم- على معرفة وإدراك بأبعاد ما يريد أعداء هذه الدعوة المباركة، بل أعداء الدين من تفريق أهل الحق، وزرع النزاع والخلاف فيما بينهم، تكبير الصغير، واستشراف التفرق. هذا من أغراض الكافرين والفاجرين وأعداء هذا الدين وأعداء هذه الدعوة المباركة. فالحذر -الحذر- معاشر طلبة العلم من كل سبب يدعون إلى الفرقة. فلا حاجة إذا طرأت مسألة من مسائل التي يسع فيها الخلاف أن تظهر عضلاتك، لا يحتاج أن تظهر عضلاتك بأنك مخالف لهذا الذي ظهر، ما دام أنه صدر من إخوانك أهل السنة ومن طلبة العلم أو الدعاة أو المشايخ، وهو على أقل أحواله مما يسع فيه الخلاف. فلا حاجة لاستشراف الفرقة وإظهار كذلك المخالفة، التطاوع يقتضي إغلاق أبواب الفرقة، لا حاجة أن تجعل واجهة وسائل التواصل شيئًا من معاني المخالفة، بل ربما بعضها على خلاف الصواب، بعضها على خلاف الصواب والصواب في خلافه. فالله -الله- معاشر طلبة العلم في الحرص على جمع الكلمة، والحفاظ على اجتماع الصف وترك أسباب الفرقة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يحفظ لنا ديننا ودعوتنا. وهكذا كذلك من الأمور التي نتواصى بها ويحافظ بها الخير الذي نحن فيه، أننا نحرص على أن نجتمع مع علمائنا ولاة أمرنا، بما فيه الخير لدعوتنا وبلادنا. وهذا بفضل الله سبحانه وتعالى من منهج أهل السنة والجماعة، فضل من الله سبحانه وتعالى، وهذه دعوتنا ندين الله عز وجل بها، وهي في كتب العقائد الصغار والكبار. فلا يجوز الخروج على الأمراء، لا بالكلمة ولا بغيرها. وهكذا لا يجوز الخروج على العلماء الذين خرجوا على الأمراء، ولو بالكلمة، سموا خوارج. ومنهم تلك الفرق المشهورة القعدية، وكذلك من يخرج على العلماء هم فرق من فرق الخوارج؛ لماذا؟ لأن بهذا ضعف هذه الأمة وتفرق الناس عن الدين الحق. وهذا الذي يريده أعداء هذا الدين، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن حرض امرأة على زوجها: «لعن الله من خبب امرأة على زوجها»، أفسد بين أسرة، فكيف بمن يفسد أمة من الناس ويصرفهم عن دين الله عز وجل الحق، فيفرق، وربما تسفك الدماء، ويضيع الناس في الدين، هذا أعظم وأعظم. وها هنا ننبه بأمر كذلك ينبغي أن نحذر من أصحاب الشائعات، ومن يريد التشويش على أهل السنة، أهل السنة بفضل الله مواقفهم واضحة. ونسمع بين الحين والآخر بعض من يحاول التشويش، ولا يضر إلا نفسه. فدعوة أهل السنة دعوة واضحة، ومواقفهم واضحة، فلا نبال بهؤلاء. وفي نفس الوقت ينبغي أن يوضح لمن يريد من أهل السنة، في كل مرة يصدر بعض المشوشين تلك الأكاذيب، يريدون منهم جوابًا وتعليقًا، وهذا ليس بالصحيح أن نجاري السفهاء، فنجيبهم في كل ما يقولونه ويدعونه. فنجرجو من العقلاء القريبين والبعيدين، المحبين وغيرهم، أن يكون عندهم العدل والإنصاف. فأهل السنة مواقفهم معروفة، ودعوتهم معروفة، وطريقهم ثابت معروف، لم يتلونوا ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يكن لهم غرض من الأغراض الدنيوية. حتى في هذه الفتنة الأخيرة التي حصلت في بلادنا، لما وقعت فتنة الحوثي، أهل السنة وقفوا موقفهم الصحيح بفضل الله سبحانه وتعالى. وانظروا وتأملوا أين أهل السنة، كلام أهل السنة في الحوثة والرافضة معروف، ومواقفهم معروفة. فلماذا تنطلي بعد ذلك أكاذيب هؤلاء الكذابين، فيزايدون بالكذب ويفترون بأنواع الافتراءات الباطلة؟ موقف دار الحديث بالفيوش معروف بفضل الله سبحانه وتعالى، والشيخ عبد الرحمن -رحمه الله- له الكلمات المعروفة. بل انظروا، نسأل الله عز وجل لنتقبله في الشهداء، هذا العداء الذي وصل إلى القتل، ما سببه؟ ليسأل هؤلاء المزايدون أنفسهم، يسألوا أنفسهم ويسألهم المنصفون: سبحان الله، أبعد هذا يفترى بمثل هذا الكذب والافتراء؟ وانظروا إلى الجبهات، من فيها من طلاب مركز الفيوش والمراكز الأخرى من مراكز أهل السنة؟ فينبغي أن يترك أهل المزايدة مزايدتهم، وأهل الكذب والدجل والانحراف من كذبهم وفجورهم، ويتقوا الله عز وجل. فالظلم ظلمات في الدنيا وفي الآخرة. وينبغي كذلك على كل عاقل أن لا يقبل مثل هذه الافتراءات، ولا يفتح أذنه، فضلًا عن قلبه، وأن لا كذلك يطلب في كل فريه جوابًا، ولكل كذب ردًا، فإن هذا ليس بلازم. مواقف أهل السنة بفضل الله واضحة وبينة، تغني عن إجابة هؤلاء الكذبة وهؤلاء الفجرة الأفاكين المفترين. فهؤلاء معروفون، مواقفهم متلونة، وهذا حال أصحاب السياسة، كما ذكر البيحاني -رحمه الله-: يدور مع السياسة حيث دارت، ويلبس للسياسة ألف لبس. فهؤلاء هم يتلونون بالأوجه الكثيرة والمواقف المتنوعة، بحسب ما يقتضيه الحال. وقد رأينا الكثير منهم على هذا. ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللجميع السلامة والتوفيق والسداد. ولعلنا نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرًا.