المحاضرة بعنوان الأمر بالإئتلاف والتحذير من التنازع والإختلاف، محاضرة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر والتي كانت يوم الاثنين 28 محرم 1443هـ الموافق 6 سبتمبر 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يدعو أهل السنة والجماعة إلى التمسك بدين الله والعمل به، ويؤكد على أهمية تطبيق ما يتعلمه المسلم في حياته. كما يشدد على ضرورة اجتماع المسلمين على الحق ونصرة دين الله عز وجل.
يُحذر من المؤامرات التي يخططها أعداء الدين ضد أهل السنة والجماعة، ويشدد على أهمية الوحدة وعدم التنازع. كما يشير إلى دور المراكز التعليمية في حفظ ثوابت الدين وتقوية المجتمع.
يتناول آثار التصوير السيئة مثل الوقوع في الشرك وانتشار السحر، ويشرح تحريم الإسلام للتصوير مع وجود استثناءات لبعض الحالات الضرورية. كما يشدد على ضرورة مراعاة المصالح والمفاسد.
يُناقش ضوابط الأمور المأذون فيها وحدودها الشرعية، ويحذر من التوسع فيها بشكل يخرج عن نطاقها المحدد. كما يشير إلى أن بعض الأمور المباحة قد تصبح مذمومة إذا توسع فيها الناس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي وفقنا لمثل هذا المجلس الطيب المبارك، نجتمع فيه على ما ينفعنا من العلم النافع الذي يعيننا إن شاء الله تعالى على العمل الصالح، ونشكر لشيخينا الفاضلين ما قدم من كلمات نافعة ونصائح كذلك ماتعة، نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه. وهكذا أيها الأحبة، دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة تطلب من الراعي والرعية ومن الكبير والصغير والذكر والأنثى، وكذلك جميع من في المجتمع أن يقبل على دين الله عز وجل الذي بعث الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن يقيم المرء هذا الدين في نفسه وفي أهله وفي ولده وفي مجتمعه. وهكذا كذلك أن يكون قدوة حسنة بأقواله وبأعماله وبمواقفه، وأن يكون كذلك مراقبًا لله عز وجل في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، دين الله سبحانه وتعالى الذي يدعونا إلى أن نراقب الله سبحانه وتعالى في كل ما دعان إليه بكتابه وما دعان إليه رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، هذا هو دين الله وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هي دعوة أهل السنة والجماعة. دعوة لا تدعو إلى حزبيات ضيقة ولا إلى دعوات مناطقية ولا غير ذلك من المعاني التي فيها أشياء عنصرية أو أسباب تسبب في تفرق جمع أهل الحق، ويا إضعاف قوتهم، بل دعوة تدعو جميع أهل هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، لا تفرق بين أسود وأبيض، لا تفرق بين عربي وأعجمي، لا تفرق بين غني وفقير، لا تفرق كذلك بين قارئ ومتعلم أو غير قارئ ومتعلم، بل هي دعوة إلى دين الله عز وجل الذي جعل الناس جميعًا سواسية، ولكن الكرامة في هذا الدين بتقوى الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ هذه القاعدة العظيمة في هذا الدين. ولهذا يحرص أفراد هذا الدين على أن يحصلوا هذا التقوى الذي أوصل الله عز وجل به الأولين والآخرين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. هذه الدعوة أيها الأحبة، دعوة تدعو إلى التأمل والتدبر لما في كتاب الله سبحانه وتعالى، إذا مررت بآية فيها أمر تأمل هذا الأمر، وإذا مررت بآية فيها نهي نتأمل هذا النهي، وإذا مررنا كذلك بخبر من أخبار الأنبياء وقصة من قصص الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإننا نأخذ العظات ونأخذ العبر من هذه القصص والأخبار، ما يكون عونًا لنا في إصلاح أخلاقنا وإصلاح قبل ذلك عقائدنا وإصلاح عباداتنا ومعاملاتنا. فإننا نزل أنفسنا بكل ما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة تذكر هذا الإنسان بأن العمر مهما طال فهو قصير، وأن الحياة مهما امتدت فهي لها نهاية، فإذا كان كذلك فكل إنسان يعرف قدر نفسه ويخاف الله سبحانه وتعالى أنه سيقف في يوم من الأيام بين يدي الله جل وعلا، فماذا عساه أن يجيب إن هو وقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه في الصحيح: «ما منكم إلا سيكلم ربه، ليس بينه وبينه ترجمان»، فماذا عسان أن نقول إذا وقفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى وقد أنزل إلينا كتابه وأرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا أيها الأحبة، نحن بحاجة أن نذكر أنفسنا بين الحين والآخر بهذه الثوابت العظيمة في دين الله عز وجل، وأن نعملها ونعمر حياتنا وأوقاتنا بما يكون به إصلاح حالنا. فالمقصود أيها الأحبة والمطلوب والشأن الأعظم هو أن نحقق هذا في حياتنا في أقوالنا في أعمالنا في مواقفنا، فليس الشأن كل الشأن أن تعلم شيئًا من دين الله عز وجل ثم تقف عند هذا العلم، ولكن الشأن كل الشأن أن تعلم ثم تعمل، الشأن كل الشأن أن تصدق ما تعتقد وما تتعلم بأعمالك وبأقوالك وبفعالك وبمواقفك، فهنا يكون الامتحان وهنا يكون كذلك البرهان. يا أيها الذين آمنوا، ماذا أمرنا الله عز وجل بالدعوة؟ دعانا الله عز وجل للعمل، دعانا الله سبحانه وتعالى أن نصدق أقوالنا بأعمالنا، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فاحذر يا أيها المسلم أن تكون ممن يقول ما لا يفعل، وأن نكون ممن يفعل ما لا يقول، بل الواجب أن نصدق أعمالنا بأقوالنا، وأن نبرهن كذلك ما دعانا الله عز وجل إليه. هكذا أيها الأحبة، الواجب علينا بعد إذ علمنا ما علمنا من دين الله عز وجل وما أوجب الله عز وجل علينا من العمل أن نجتهد أن نبرهن ذلك بصدق أقوالنا، وأن نجتهد كذلك في نصرة دين الله عز وجل، ونحن أمام أعداء كثر، ولا يخفى علينا مكر أعداء هذا الدين في هذا الزمان، وقد اجتمعوا جميعًا لجميع أنواعهم ومللهم وطوائفهم، اجتمعوا على أهل الدين الحق أهل السنة والجماعة أهل الإسلام الصادق، تكالبوا من كل حدب وصوت، يريدون أن يجعلوا كلمة الله سبحانه وتعالى الدنيا، ولكن بإذن الله تعالى يخيب الله عز وجل ما يريدون. ولهذا فالواجب على أهل الإسلام أن يجتمعوا لتكون كلمة الله سبحانه وتعالى هي العليا، وأن يحرصوا على الاجتماع والائتلاف على الحق كما أمرنا الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من كتابه، كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. والزمان يعود كما بدأ، والأمر يذكرنا بما مضى، فما كان من تكالب بأعداء هذا الدين في أول الأمر فإنه في هذا الزمان أشد وأعظم باجتماع ملل الكفر والشرك والنفاق والبدعة والضلالة على أهل الإسلام الحق، فلذلك علينا أن نحذر من المؤامرات الكثيرة التي يخططها ويدبرها أعداء هذا الدين على أهل الحق أهل السنة والجماعة. وأنتم ترون ما يحصل في عالمنا الحاضر، فإننا نرى المكائد الكثيرة والمؤامرات العظيمة التي يراد بها استئصال قوة بل ووجود أهل الحق، فالواجب على العقل وعلى كل من وفقه الله لمعرفة هذا الطريق أن لا يكون عونًا لهؤلاء فيما يريدون، بل ينبغي أن نكون جميعًا كالجسد الواحد يشد بعضه بعضًا، وأن نكون جميعًا أمة واحدة كما أمرنا الله سبحانه وتعالى. وأن لا نفتح الثغرات ولا نعين أعداء هذا الدين على ما يريدون بالنزاع والفرقة والخصومة والمجادلة بالباطل وغير ذلك مما يضعف قوتنا ويفرق جمعنا ويعين أعداءنا على ما يريدون ويطمعون في الوصول إليه من استئصال أهل الحق، بل أن يستطاعوا أن يحيدوا وجودهم لفعلوا. والله عز وجل حذرنا في آيات كثيرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، فالتنازع سبب للفشل وذهاب القوة وتسلط الأعداء. ولذلك من أعظم ما يحرص أهل الدين يحرصون على إيجاد الخصومات وأسباب الفرقة والنزاع والخصومة والجدال بالباطل، بما يكون به إضعاف الصف وتفرقه، وبما يكون به كذلك سهولة دخول أمثال هؤلاء، فالحذر الحذر يا أهل هذا الدين، الحذر من كل ما يضعف دعوتنا ويضعف قوتنا ويعين أعداءنا على ما يريدون. والحمد لله الذي وفق ويسر بمثل هذه المراكز الطيبة المباركة التي هي بإذن الله حصون أمام ما يريد أعداء هذا الدين، وتعد هذه المراكز والمدارس بعد فضل الله سبحانه وتعالى حصونًا حصينة تعين على حفظ ثوابت هذا الدين واجتماع الناس على الخير. فلذلك ندعو أنفسنا والمجتمع جميعًا أن نكون لحمة واحدة في الحفاظ على هذا الخير وتقويته والإقبال عليه، فإن ذلك معناه قوة هذا الخير في المجتمع، وأنتم ترون أثر هذه المراكز وما يلحقها من مدارس على المجتمع، ففيهم أو منهم تخرج الخطباء والعلماء والدعاة والأئمة والمدرسون، كل هؤلاء لهم ما لهم من الأثر العظيم في المجتمع، فيكون الخير الكثير. فعلينا أن نقبل بأنفسنا وبأهلينا وأبنائنا في الإقبال على هذه المراكز بكل ما فيها، سواء كان من جهة التعليم الصباحي أو التعليم المسائي أو كذلك حضور الدورات والأنشطة الكثيرة التي يكون بها إن شاء الله حفظ أنفسنا وأبنائنا وذرارينا ومجتمعنا من كل ما يرد على هذا المجتمع. فإنه يرد عليه من أنواع الفتن ما لا يعلمه إلا من اطلع عليه، وليس كل أحد يطلع على ذلك، ولكن نحن نرى الكثير من تلك الفتن، فتن الشهوات وفتن الشبهات، وكثير من ذلك لا يعرف الكثير من الناس، فإن مكائد أعداء هذا الدين والله إنها عظيمة، عظيمة مكائد يراد بها تحويل هذا المجتمع المسلم المحافظ الحريص على الخير إلى مجتمع منحل بعيد كل البعد عن دين الله سبحانه وتعالى. تارة على المرأة المسلمة، وتارة على الشباب، وتارة على الروابط الأسرية، وتارة على المؤسسات التعليمية المحافظة بجميع أنواعها، لأنهم يعلمون أن وجود المرأة العفيفة المتدينة حجر وعثرة فيما يريدون، لأنهم يعلمون أن وجود الشباب المتدين المتمسك بدينه حجر وعثرة أمام ما يريدون، لأنهم يعلمون أن وجود تلك المراكز التعليمية والجهات المتنوعة التي تعين على تثبيت توابط هذا الدين حجر وعثرة فيما يريدون. فلذلك تجد الدسائس الكثيرة والمكائد العديدة التي يراد منها إفساد هذا المجتمع من خلال إضعاف هذا الذي سمعتم وغيره، فالله الله معاشر المسلمين بالحرص في الإقبال على العلم النافع بأنفسنا وأبنائنا ونسائنا وذرارينا، وبثه بالمجتمع بما يكون به بإذن الله سبحانه وتعالى حفاظ أنفسنا ومجتمعاتنا. وهكذا كذلك صدي ما يريده أعداء هذا الدين من مكر عظيم بأهل هذا الدين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وبهذا القدر أكتفي، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ثم أجاب على أسئلة الحضور. أولاً: ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به، وكذلك ثانيًا عليه أن لا ييأس من الدعاء، بل عليه أن يستمر بالدعاء بالشفاء، وأن الله عز وجل يشفيه. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يجاب للعبد ما لم يعجل، يعني أنه تعجله بقطع دعائه يكون سببًا في عدم إجابة الدعاء، فلا تيأس، أدعو بلسان الحال ولسان المقال، لسان المقال ترفع يديك في أوقات الإجابة وتسجد لله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فتدعو الله سبحانه وتعالى دعاء المضطر الذي يطلب كشف ما أصابه من ضر. وانظر إلى ما أخبرنا الله عز وجل عن نبي من أنبيائه وعبد صالح من عباده، كم صبر يدعو الله عز وجل سنين طوال، ثم أجابه الله سبحانه وتعالى، كما في قصة أيوب عليه الصلاة والسلام. وإذا كان هذا في نبي من أنبياء الله، فكيف بك أنت؟ ولذلك ينبغي أن تسلي نفسك بما أصاب الأنبياء والصالحين من قبلك، فاصبر في الدعاء بلسان المقال، وهكذا كذلك بلسان الحال، أي تعبد لله عز وجل وتقرب إلى الله بما يكون به قبول هذا الدعاء، وكذلك أخذ بالأسباب، ما أنزل الله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله». وبعد ذلك الأمر لله، والخير فيما يختاره الله سبحانه وتعالى لك، فإن أجاب الله دعاءك أو أثابك وكفر عنك من سيئاتك ورفع لك من درجاتك، وفي حديث أبي هريرة وجمّعنا عن عدد من الصحابة: «إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». بل بعض هذه الأدواء إذا مات الإنسان منها كتب له أجر الشهادة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاحرص على هذا، وإن شاء الله ستجد ما يسرك في الدنيا وفي الآخرة، ولن يعدم من دعا الله سبحانه وتعالى خيرًا. ثانيًا: لا يخفى علينا أيها الأحبة أن أصل التصوير محرم بنص أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، وقد صح اللعن في المصور والتصوير، وما ذلك إلا لأن التصوير له الآثار السيئة الكثيرة على العقائد وعلى العبادات وعلى القلوب. فإن بعض الشرك الذي وقع في الأمة كان بسبب التصوير، كما أخبرنا الله عز وجل في قصة قوم نوح، كيف أنهم صوروا التصاوير وجعلوا التماثيل لأناس صالحين، ثم غلوا فيهم فتتابعت الأجيال حتى عبدوهم من دون الله سبحانه وتعالى أو مع الله. ولا يزال هذا موجودًا ليومنا هذا، فتجد من يصور صور بعض الصالحين فيغلو في حبه حتى يصل الأمر إلى الشرك، والعياذ بالله، ومن أنواع الشرك شرك المحبة. وهكذا كذلك من آثار التصوير السيئة أن السحرة والمشعوذون والكهنة والعرافون يستخدمون الصور في إيقاع السحر وتسلط الجن والشياطين على من يريدون التسلط عليه، ولذلك تجد انتشار السحر في هذا الزمان أكثر من قبل، وسهولته بسبب انتشار التصوير وأشياء أخرى ساعدت على سهولة تسلط هؤلاء الشياطين. وهكذا من آثار التصوير والتوسع فيه أنه سبب كذلك في أمراض القلوب من وقوع العشق وغيره من أمراض أخرى، واليوم صارت الفتنة بالتصوير أضعاف أضعاف ما كان في الزمان الأول، بل لا يخفى على العقلاء تلك المواقع الإباحية والمقاطع المشينة التي يستخدمها أهل الشر والفساد من كافرين ومنافقين وفاسقين ومفسدين. فاختطفوا قلوب الكثير من شبابنا فصاروا مرهونين بأيدي أولئك، فسقطوا في مستنقعات الرذيلة والفاحشة الحسية والمعنوية، وغير ذلك كثير من آثار التصوير السيئة. وإذا علمنا ذلك علمنا أن هذا الباب فيه خطر، ولذلك وغيره حرم الإسلام التصوير، ومع ذلك فإن الإسلام دين العدل ودعاة المصالح والمفاسد، فلذلك العلماء الذين أفتوا بالتحريم استثنوا صورًا وقعت فيها الضرورة أو اقتضتها مراعاة المصالح من المفاسد. فمثلاً ابتلي الناس بالتصوير لأجل الهويات والوثائق وغير ذلك، كذلك من وقع في مثل هذا فإنه معذور ولا شك، وهذا مما يستثنى، أو كذلك أشياء يقتضيها التعليم فيراعى فيه المصالح من المفاسد، فاستثنى العلماء صورًا وأحوالاً بحسب المصلحة والمفسدة. فينبغي أن تراعى مثل ذلك، ولا يعني ذلك أن نتساهل، إذ الأمر بين إفراط وتفريط، إذا كان هناك شيء مما أذن فيه العلماء أو اختلف فيه بعض أهل العلم، فينبغي أن يسعنا مثل هذا الخلاف، ولا ينبغي أن يكون مثل هذا الخلاف سببًا لتفرقنا وتعادينا ونزع المحبة والألفة فيما بيننا. بل ينبغي أن يسعنا ما وسع غيرنا من الخلاف الذي وقع، فمثلاً على سبيل المثال استخدام التصوير في باب الدعوة، كان بعض مشايخنا يرون المنع منه، يرون المنع منه كشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله إلى فترة قريبة، وفي آخر حياته رحمه الله غير رأيه لما رأى من كثرة المصالح التي تقتضيه، ولدفع مفاسد أكبر اقتضت إباحة التصوير في صور معينة وخاصة من باب تغليب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. فالتصوير مفسدة، ولكن لدرء مفسدة أكبر تعدى بمثله الشرع، وأذكر مرة في أحد المحاضرات كانت محاضرة لشيخنا الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى، وهو يرى تحريم التصوير ويفتي بهذا في الأسئلة، ولا يزال، فأحد المحاضرات كان جهاز التسجيل الفيديو يصور، فجاءه أحد الشباب: يا شيخ ما حكم التصوير؟ قال: على حرام لا يجوز، قال: وهذا الذي يصورك؟ ابتسم الشيخ، قال: لا يجوز، قال: فلماذا ترضى بهذا؟ قال الشيخ: من يجلس في مكانه. يعني فهمتم الشيخ لا يريد هذا ولا يرتضيه، لكن إذا ابتعد أمثال هؤلاء المشايخ الكبار عن مثل هذه المقامات، هذا يقتضي ماذا؟ تصلط أناسًا آخرين ربما يكونوا سببًا في إضلال الأمة، وهذا الذي يطمع به أعداء هذا الدين، يريدون أن يصرف الأمة عن العلماء الكبار، ويضعون مكانهم من هم سبب في إضلال هذا المجتمع. فلذلك راعى علماؤنا ومشايخنا هذه المفسدة الصغرى، وآثروها في درء مفسدة أكبر، فهذه المسألة يختلف فيها العلماء، فمن العلماء من يرى المنع مطلقًا، فلا يرى التصوير، ومن رأى أنه يرخص فيه لمثل هذا أو ما هو أوسع من هذا. يعني مثلاً قد يكون إنسان ليس مضطرًا للتصوير، ولكن يرى أن هذا يساعد في انتشار وتحسين الدعوة وقبولها للناس، يعني يقول الناس اليوم لما يسمع صوت ما يكون متفاعل، لما يسمع صوت وصورة أو حين ينقل الدرس مباشرة بالصوت والصورة، فعلاً في بعض المجتمعات تجد عندهم مثل هذه الرؤية. فهل هذا عذر يجعل الإنسان يفتح باب التصوير؟ بعض العلماء والدعاة يرى ذلك رخصة، وبعض العلماء والدعاة لا يرى ذلك رخصة، الأمر في هذا واسع، لا نجعل خلافنا في مثل هذه المسألة سببًا لتفرقنا وتمزقنا وحصول الشقاق وذهاب الألفة فيما بيننا. بل الواجب أن نبقى على أصل الأخوة والمحبة والرحمة، وهذا من الفقه الذي ينبغي أن ينظر الإنسان إليه بعمق، وهو مما كذلك يتقضيه مراعاة المصالح والمفاسد، وكما سبق أن سمعتم في الكلمة، ونحن في زمن تكالب علينا الأعداء، فكل على ثغرة، هذا الذي يدعو إلى الله بالصوتيات على ثغرة، والذي يدعو إلى الله بالمقاطع المصورة على ثغرة، وهذا الذي يرى الظهور في الشاشات والقنوات على ثغرة. فالمهم أن الإنسان يبقى على الثوابت، لا تجره ما في المجتمع من أحداث، بعض الناس إذا توسع في هذا الباب جرته السياسة أو جرته كذلك تلك القنوات باتجاهاتها الفكرية، فينبغي للإنسان أن يثبت على كتاب الله، على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلم من ثوابت الدين، فلا يرضى لنفسه أن يكون سلعة لترويج بعض القنوات، أو كذلك أن يكون وسيلة وسلمًا أن يستخدمه بعض السياسيين، أو أن يكون كذلك بابًا وطريقًا لبعض المنظمات أو المؤسسات. ينبغي أن يحذر المسلم أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يحرص على أن يدعو بشيء من الاستقلالية، لا يكون تبعًا لفكرة تنافي ثوابت هذا الدين، ولا لغرض ينافي ثوابت هذا الدين، بغض النظر عن الوسيلة التي وقع فيها ما دام أنه مما يسع فيه الخلاف. ننتبه لهذا، لا نقع في قاعدة شيطانية: الغاية تبرر الوسيلة، لا، انتبه من هذا، ولكن نحرص قدر المستطاع أن نأخذ الوسائل المأذون فيها للوصول للغاية المطلوبة المأذون فيها، لا تجعل الغاية إذا كانت غاية صحيحة فأنت تصل إليها بأي طريق، ولو كان الطريق محرمًا أو كذلك في شيء من الكفريات ونحوه، هذا ليس بصحيح. فهذا باختصار يعني وضح الأمر، ولكن للأسف بعض الناس يقع فيه بإفراط وتفريط، والواجب العدل في هذا الباب، فمثلاً بعض الناس يقول: قد أفتى الشيخ الفلاني بكذا وكذا، والشيخ الفلاني بكذا وكذا، ثم إذا نظرت في حاله، هل هو على هذا فقط الذي أذن فيه العلماء؟ أم توسع في المقاطع المضحكة والفيديوهات والأفلام والمسلسلات وأشياء أخرى؟ إذن هل هذا الذي قصده الشيخ الفلاني أو هذا الذي قصده الشيخ الفلاني وفلان وفلان؟ لا، ليس هذا، إذن حصل توسع، وهذا من آثار ماذا؟ فتنة التصوير، الذي يقع في فتنة التصوير يتدرج خطوات، فما يدري بنفسه إلا قد عشق التصوير، والتصوير يورث العشق، وهذا العشق أنواع، ليس معنى العشق فقط أن تعشق امرأة أو تعشق شيئًا محرمًا، ولكن العشق أن يتعلق قلبك، ويصاب بالإدمان. فينبغي أن نحذر، فلا إفراط ولا تفريط، والله تعالى أعلم. ثالثًا: إن كان في ناحية من المسجد على الوجه الذي أذن الشرع بمثله، فهذا جائز، يجوز الصلاة على الجنائز في ناحية من المقبرة، ليس في وسط القبور وبين القبور، قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة على الجنائز بين القبور. وأما أن يصل في ناحية يكون مثل مصلى ونحو ذلك، أو يهيأ فيه ما يحتاج إليه في دفن الميت ونحو ذلك، فهذا جائز إن شاء الله، وقد قرر مشايخنا وعلماؤنا عددًا من ذلك في عدد من القبور، ولعل بعضكم ممن ذهب إلى بعض الدول المجاورة، تجدون في مكة والمدينة وبعض المدن شيئًا من ذلك. رابعًا: هذا يلحق ما سبق، التوسع في المأذون فيه، يعني حديث واحد فيه أن الصحابة تمازحوا بالبطيخ، ثم نجعل ذلك قاعدة ليتحول ضاحي المسجد إلى ملعب، هل هذا صحيح؟ هذا ليس صحيحًا. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، المساجد ليست لعب كرة قدم، النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبرنا: «المساجد إنما هي لذكر الله، و قراءة القرآن»، فينبغي أن يكون هذا هو الأصل. لكن لا مانع أن يحصل حديث أحيانًا أو مزاح في شيء لا على وجه الاستمرار، أحيانًا، أما أن يكون مثل هذا الذي سأل عنه السائل، فهذا ليس بصحيح. خامسًا: إذا كان المقصود أنه أدركه وقت الأذكار وهو في المقبرة أثناء الزيارة، فلا حرج في ذلك، وأما أنه يتحين ويقصد فعل ذلك لنفسه أو للميت، فهذا لم يشرع، وليس هو من سنة أهل الإسلام، إنما الأذكار هذه للأحياء، وتخصيص زمان أو مكان بعبادة وذكر، نص العلماء أنه من البدع والمحدثات. سادسًا: توسع الناس في هذا، وصارت الأناشيد والشيلات وللأسف في سيارات الكثير من الناس بديلاً عن القرآن والذكر والعلم، وهذا خطأ، كونه أنه صح عن الصحابة فعل شيء من الشعر في السفر أو في الجهاد أو نحوه، لا يعني ذلك أن يكون في كل حياتنا، ولا أن يغلب على أوقاتنا. بل الشيء الذي أذن فيه يؤذن بضوابطه، فالشعر والحادي الذي يقال في السفر أو قد يستعمل كذلك في الجهاد أو العمل أو حتى في الأعراس، هذا جاء أولاً بوصف محدود، ولابد أن تكون كلماته بعيدة عن المعاني الفاسدة التي تنافي الشرع. فالتوسع في هذا الباب يعد خروجًا عن المأذون فيه، وخروجًا عن المأذون فيه ويصير من الغواية التي جاء التنبيه عليها في الشعر والشعراء، وهكذا كذلك فيما نص عليه العلماء من الأناشيد والانشغال بها، لأن كذلك يصير عن بعض الناس نوع من الإدمان، بعض الناس مدمن للأناشيد، بدل من أن ينشغل بالعلم والذكر والقرآن ونحوه، ينشغل بمثل هذه الأناشيد صباحًا ومساءً، في أسفاره، في ذهابه وإيابه، وغير ذلك. وإذا سألت عن شيء من العلم أو القرآن، تجده فارغًا من ذلك، فينبغي أن ننتبه لمثل هذا. سابعًا: إن قصد الصبغ بالسواد ونحوه، فلا يجوز الصبغ بالسواد لا للشعر ولا للحية ولا كذلك للحاجب، وأما الصبغ الذي استخدمه النساء، فإن كان صبغًا فيه ألوان تنافي مع عليه الفطرة، فهذا كذلك نهى عنه ومنع منه كثير من العلماء. وما كان من الألوان المعتادة، ولكن ليس هو لون نفس هذه المرأة، مثلاً كتغيير بعض الألوان أو نحو ذلك، فاختلف به العلماء، والأولى ترك مثل هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء: «المتلبس بما لم يعط كلابس ثوبي زور»، ثم التوسع في هذا الباب يدخل على الإنسان من ضياع الوقت والمال ما هو في غنى عنه. ولذلك تجد النساء الفارغات في الغالب هن اللاتي انشغلن بمثل هذا، واللاتي انشغلت المرأة بما ينفعها من الخير في نفسها وأهلها وزوجها وولدها، لا انشغلت عن هذا، ولا ينافي هذا التجمل بالمباح الذي لا يأخذ من الوقت والمال ما فيه كلفة، وقد نهينا عن التكلف. ثامنًا: اختلف أهل العلم في هذا، والصحيح والأحوط والله أعلم أنه يدخل في عموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكرًا أو فرجه»، فإنه يدخل في حكم نقض الوضوء. تاسعًا: قد تقدم معنا أنه الواجب على الإسلام الحذر من أسباب الفرقة والاختلاف، والحرص على سد هذه الأبواب، وأن يبدل كل ما يعين على اجتماع الكلمة والصف والحق، والحذر من كذلك الغلو في المسائل التي لا ينبغي أن يغلو فيها، ومن ذلك ما يسع فيه الخلاف، ينبغي أن يسعنا ما وسع من سبقنا من العلماء والأئمة، ومن حضرنا كذلك من علمائنا وأمتنا. فلا ينبغي أن نجعل مسائل التي يسع فيها الخلاف سببًا للشقاق والنزاع والفرقة، والولاء والبراء الضيق، بل والتهم بالإسلام والسنة بسبب مسائل يسع فيها الخلاف، هذا خطأ، وليس هذا من منهج الإسلام الصحيح، ولا من طريقة مشايخنا وعلمائنا الذين عرفنا منهم العدل، وكذلك النصيحة لهذه الأمة. فينبغي أن نعيد النظر في الكثير من المسائل التي يسع فيها الخلاف، فينبغي أن يسعنا ما وسع من قبلنا، ولا تكن يا أخي فرعونيًا، «ما أريكم إلا ما أرى»، لا ينبغي أن يسعك ما وسع غيرك. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.