الدرس في تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل الصحابة والتابعين في الإسلام، ويبين أن بعثة النبي كانت في الأميين أولًا ثم امتدت إلى غيرهم. يشير إلى أن الفضل الإلهي يشمل من يأتي بعد الصحابة ويتبعهم بإحسان.
يشرح كيف أشار النبي إلى أن العجم سيكون لهم دور كبير في نصرة الإسلام، وأن الفضل في هذا الدين لا يقتصر على العرب فقط. يستشهد بأمثلة مثل سلمان الفارسي وكبار علماء الحديث.
يشرح حكمة الله في اصطفاء الأمة العربية لنبوة محمد، مستندًا إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية. يُظهر كيف أن العرب كانوا مهيئين لاستقبال النبوة بسبب صفاتهم الحميدة.
يشير إلى أن الله يمنح فضله لمن يشاء، وقد اصطفى النبي وبيته الحرام وأهله وصحابته. يُظهر عظمة فضل الله وتفرده في الاختيار، ويُنهي بالصلاة على النبي وآله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، قال المفسر رحمه الله: «وآخرين» عطف على الأميين، أي الموجودين منهم والآتين منهم بعدهم، لما لم يلحقوا بهم في السابقة والفضل، وهو العزيز الحكيم في ملكه وصنعه، وهم التابعون، والاقتصار عليهم كافٍ في بيان فضل الصحابة، المبعوث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة؛ لأن كل قرن خير ممن يليه، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في سورة الجمعة، آيات عظيمة مليئة بالعظات والعبر. وقوله سبحانه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، قال رحمه الله: عطفٌ على الأميين، أي الموجودين، وتقدم معنا في الآية التي قبلها أن النبي صلى الله عليه وسلم مبتدأ مبعثه كان في الأميين، ولا يعني ذلك أن رسالته خاصة بالأميين، ولكن من علامات صدق رسالته، وكذلك دلائل نبوته أنه يبعث أول ما يبعث في الأميين. والأميون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم هم من يكتب لهم شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه، وهذا هو قوله سبحانه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ومعناه أن بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فهم على خلاف ذلك تمامًا، وهذا هو ما ذكره الله عز وجل في كتابه في آيات كثيرة، حتى إنه سبحانه وتعالى جعل إيمان الناس يوزن بإيمانهم، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وجعل علامة صدق التدين بحسن متابعتهم والاقتداء بهم، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى في بيان أن من خرج عن طريقهم أنه من الهالكين؛ لأن طريقهم هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، والآيات كثيرة. فإذا كان كذلك، فيعلم بهذا أن السابق هو الفضل لهؤلاء الأميين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم صفوة أهل الإسلام، من نصر الله عز وجل بهم نبيه وأعلى دينه، ثم لأن فضل الله واسع لم يقف هذا الفضل ههنا، قال سبحانه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، قال المفسر: عطف على الأميين، وفي هذا أمران: الأمر الأول أن الفضل الذي وصل للأميين ماذا سيصل إلى غيرهم؟ وهكذا كذلك ثانيًا أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في الأميين فقط، بل كانت في الأميين - أي العرب - وفي غيرهم من العجم. ويؤكده ما جاء في الصحيح، في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان جالسًا بين أصحابه، والحديث حديث أبي هريرة، قال: «فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: فقلت: يا رسول الله، من هم؟ فلم يراجعه حتى سأله ثلاثًا - يعني كرر السؤال - قال: وفينا سلمان الفارسي؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء» - أي العجم على الصحيح - وليس الفرس خاصة. فأراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أن الآية تشير إلى أن من العجم من سيكون له من الفضل ما كان مثله للعرب، وقد وقعوا، فالله عز وجل نصر هذا الدين بالصحابة السابقين من المهاجرين والأنصار، ومن معهم، وهكذا كذلك بمن دخل في هذا الدين من غيرهم، فهذا سلمان الفارسي، وذاك صهيب الرومي، وهكذا، بل لو تأملت في تاريخ الإسلام لوجدت الكثير من العجم ممن كان له دور عظيم في نصرة هذا الدين، هذا بقوته وجهاده، وذاك بعلمه ومثابرته، وهكذا. فلو نظرت إلى أصحاب السنة: البخاري ومسلم، فإنهم ليسوا من العرب، بل من العجم، وأكثر أصحاب كتب السنة من العجم، ليسوا من العرب، يعني أصولهم من العجم، فالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهكذا ابن ماجة، وكل واحد من هؤلاء من جهة المشرق، ولهذا جاء في بعض الأحاديث إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشرق حيث العجم، ولم يكن قد دخلوا في الإسلام قبل، وهذا يدل - كما تقدم - على هذين الأمرين: الأمر الأول أن هذا الدين لا يختص بالعرب، والأمر الثاني أنه كذلك هذا الفضل لا يقف عند العرب، بل سيناله أناس آخرون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رجال من هؤلاء». وهذا هو قوله رحمه الله: «الأميين» أي الموجودين، أي من وجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعث فيهم، «وآخرين منهم» الذين يأتون من بعدهم، سواء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع من سلمان الفارسي وصهيب الرومي وغيرهم، وكذلك من أتى بعد ذلك بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى يومنا هذا. وقوله رحمه الله لما قال: «لم يلحق بهم» والمعنى سيكون، إن لم يكن الآن فإنه سيكون، أي قال في السابقة والفضل، والمعنى أنهم وإن لم يكونوا كذلك الآن فإنه سيكون لهم كذلك بعد، فإن «لما» لا تفيد النفي مثل «لم»، ولكن تفيد النفي المترجى، وقع وهذا هو كذلك، وهو العزيز الحكيم، قال: في ملكه وصنعه، وهذا من التفسير ببعض المعنى، وهو العزيز الحكيم في ملكه وصنعه وشرعه ودينه، وكذلك كل أحكامه سبحانه وتعالى، ومن ذلك أنه سبحانه جعل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أولًا في الأميين، وغير ذلك مما ذكر في الآيات السابقة. وقوله: «وهم التابعون»، كما مر معنا هذا يحمل على أنه من التفسير ببعض المعنى، فقد جاء عن بعض المفسرين أنهم من العجم، كما أشار في التعليم، ويدل عليه الحديث الذي قبله، وجاء كذلك هم من جاء بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كذلك يدخل في هذا المعنى. وقوله رحمه الله: «والاقتصار عليهم كافٍ في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم» إلى آخره، يعني أن هذا لا ينافي فضل الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، بل يدل على سابقتهم، ولهذا وصفهم الله بهذا الوصف، آية سورة التوبة، بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾، أي لأهل السابق فضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وفي حديث أبي هريرة كذلك بصحيح مسلم: «ومن دعا إلى هدى كان له بمثل أجر من دعا، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم - أي من أصحابه - ولا نصيفه»، فدل أن الله عز وجل ضاعف لهم أعمالهم بسابقتهم، فالعمل القليل منهم لا يساويه الكثير من غيرهم، وهذا قليل من كثير من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ لما كان لهم من السابقة من نصرة دينه، وكذلك مناصرة نبيه عليه الصلاة والسلام. وقوله رحمه الله تعالى: «من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة؛ لأن كل قرن خير مما يليه»، وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه»، فبهذين الحديثين وغيرهما يفهم هذا المعنى الذي ذكره رحمه الله تعالى. وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن ذكر معك» - يعني فيما خص في الآية الثانية من سورة الجمعة - وقد مر معنا أن الله عز وجل استفاهم بما كان من السابقة، كما استفى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم استفاء بعد استفاء بعد استفاء، كما أخبر عن نفسه عليه الصلاة والسلام، وكذلك استفى من يوفق لصحبته استفاء بعد استفاء بعد استفاء، وذلك أن الله عز وجل العزيز الحكيم علم ما في هذه الأمة من الخير والعدل، فجعلهم هم المصطفون في هذا الباب. فقد كان عند العرب من الشجاعة والشهامة، وكذلك مكارم الأخلاق في جاهليتهم ما ليس عند غيرهم من الأمم جميعًا، وهذا إلى يومنا هذا، لا تجد الصفات الموجودة في العوائد عند العرب مثل الذي عند غيرهم، حتى ولو كان المرء عنده شيء من البعد عن الدين، فالغالب أن العرب عندهم من الحرص على معاني الفضيلة والعفة والكرم والشجاعة ما يفوق ما عند غيرهم، ولا يعني ذلك أنه لم يكن عندهم من الشر والسوء شيء، ولكن كان عندهم، ولكن مقارنته بغيرهم يعتبر ماذا؟ قليل، يعتبر قليل. فكان من حكمة الله عز وجل أن جعل مبعث نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم، فالله عز وجل حكيم سبحانه وتعالى وعليم، وهو بحكمته وواسع علمه جعل هذا الاصطفاء وهذا الاختيار؛ ولأن الأنبياء لهم أثر بما يكون من صلاحهم وما يكون كذلك من اصطفائهم، جعل الله عز وجل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من سلالة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو من سلالة إبراهيم، ووضعه الله عز وجل في هذه البيئة التي تزيد في كماله واصطفائه، فزاد كمالًا واصطفاء عليه الصلاة والسلام. وبه تعرف حكمة الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا كيف يجعل له أسبابه، فجعل وضع إسماعيل في أرض العرب سببًا في إخراج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الزمان والمكان الذي أراده الله سبحانه وتعالى، فكما أنه اصطفى مكة عن سائر البقاع ببيت الحرام ومسجده الحرام، فكذلك اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم، واصطفى من تربوا على تعظيم بيت الله الحرام، ودخل في قلوبهم تعظيم معنى حدود الله وحرماته. فجد النبي صلى الله عليه وسلم - وهو كافر - علم عظمة الله وحرمة بيته وحدوده؛ لما جاء أبرهة ومن معه، يعني كان عنده من التعظيم ما علم أن الله عز وجل سينتقم لدينه، فجاء يخاطب في إبله، ولم يخاطب في بيت الله الحرام؛ لما كان عنده من اليقين - وهذا وهو كافر - أن الله عز وجل ناصر بيته، وهذا التعظيم لا شك له أثر، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء كان منهم من دخل في دين الله عز وجل الكثير، وكان المانع لأكثرهم هو خوفهم ذهاب الملك والسلطان وما هم عليه من أمر الدنيا، وإلا في قرارة أنفسهم - كما أخبر الله عز وجل - كانوا يعلمون بصدق رسالته ومبعثه ونبوته عليه الصلاة والسلام. فالشاهد من هذا أنه حقًا وصدقًا: ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فاصطفى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم كما اصطفى بيته الحرام، واصطفى من يكون من أهله وصحبته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.