الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 66، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يطرح الشيخ ابن بريك آراء الجمهور حول التوراة والإنجيل، حيث يرى الجمهور أن هذه الكتب لم تنقل بالتواتر وتعرضت للتحريف. كما يشرح كيف أن عملية نقل هذه الكتب لم تكن متواترة واعتمادها على نسخ محدودة أدى إلى احتمال وقوع الأخطاء فيها.
يناقش المقطع قضية تأليف الإنجيل واختلاف رواياته وعدم إجماعها، ويستدل على عدم صحة ادعاء الحواريين بالعصمة. يشير إلى أن الحواريين كتبوا الإنجيل بعد رفع المسيح عليه السلام ولم يكن مكتوبًا من قبله.
يتناول المقطع مناقشة فكرة إثبات أن المسيح هو الله من خلال الدليل العقلي والسمعي، ويبين بطلان ادعاءاتهم في ذلك. كما يبرز وجود دور ممتنع في استدلالهم حيث يعتمد إثبات رسالة الحواريين على إثبات أن المسيح هو الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شاهد السلام تيمير رحمه الله تعالى: فصل، قال: ومن حجة الجمهور الذين يمنعون أن تكون جميع ألفاظ هذه الكتب المتقدمة الموجودة عند أهل الكتاب منزلة من عند الله، لم يقع فيها تبديل، ويقولون: إنه وقع التبديل في بعض ألفاظها، ويقولون: إنه لم يعلم أن ألفاظها منزلة من عند الله، فلا يجوز أن يحتج بما فيها من الألفاظ في معارضة ما علم ثبوته. أنهم قالوا: التوراة والإنجيل الموجود اليوم بيد أهل الكتاب لم تتواتر عن موسى وعيسى عليهما السلام. أما التوراة، فإن نقلها انقطع لما خرب بيت المقدس أولًا وأجلي منه بنو إسرائيل، ثم ذكروا أن الذي أملاها عليهم بعد ذلك شخص واحد يقال له عزرا، فزعموا أنه نبي، وهذا مشهور عند اليهود، وعزرا هو أحد كتاب التوراة عندهم. ولا يعني ذلك أن هناك توراة وإنجيلًا غير محرف في زمن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وبعدهما، ولو لفترة يسيرة من الزمن؛ لأن الله عز وجل ذكر صنفًا من أهل الكتاب على وجه المدح، وهم الذين قاموا بما أنزل على أنبيائهم من كتاب. قال رحمه الله تعالى: ومن الناس من يقول: إنه لم يكن نبيًا، وإنها قوبلت بنسخة وجدت عتيقة -يعني ليس بوحي ولكن بمقابلة-، قال: وقد قيل: إنه أحضرت نسخة كانت بالمغرب، وهذا كله لا يوجب تواتر جميع ألفاظها، ولا يمنع وقوع الغلط في بعضها، كما يجري مثل ذلك في الكتب التي يلي نسخها ومقابلتها وحفظها القليل؛ الاثنان والثلاثة، بخلاف القرآن، فإنه حفظه أمة من الناس، وكتب عن أمة، وتناقلته أمم حتى وصل إلينا إلى هذا الزمان. قال: وأما الإنجيل الذي بأيديهم، فهم اعترفون بأنه لم يكتبه المسيح عليه السلام، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملوه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا -يعني هم الذين أملوا الإنجيل، وكان قد صحب المسيح-، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر: مرقص ولوقا، وهما لم يرَيا المسيح عليه السلام. وهذه أسماء مصاحف أو نقول: كتب الإنجيل عند النصارى. قال: وقد ذكر هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح وبعض أخباره، وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله، ونقل اثنين وثلاثة، ولهذا إذا قرأت الإنجيل تجد فيه حكاية الخبر على وجه القصص من هؤلاء النقلة، ويختلف السياق والخبر من إنجيل إلى إنجيل، وهم يعرفون هذا تمام المعرفة، وكل قارئ ومطلع يجد هذا المعنى جليًا؛ فإنجيل متى غير إنجيل يوحنا، غير إنجيل لوقا، وهكذا. قال: ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليه الغلط، لا سيما وقد غلطوا في المسيح نفسه حتى اشتبه عليهم بالمصلوب. ولكن النصارى يزعمون أن الحواريين رسل الله مثل عيسى بن مريم وموسى عليهم السلام، وأنهم معصومون. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وأنه باطل. قال: وأنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل، وأن لهم معجزات، وقال لهم: هذه التوراة، وهذا الإنجيل، ويقرون مع هذا بأنهم ليسوا بأنبياء. فإذا لم يكونوا أنبياء، فمن ليس بنبي ليس بمعصوم من الخطأ، ولو كان من أعظم أولياء الله، ولو كان له خوارق عادات؛ فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من أفاضل الصحابة عند المسلمين أفضل من الحواريين، ولا معصوم عندهم إلا من كان نبيًا. ودعو أنهم رسل، أنهم رسل الله مع كونهم ليسوا بأنبياء تناقض، وكونهم رسل الله مبني على كون المسيح إلهًا -يعني هذا هو السبب في مقالتهم تلك-، قال: فإنهم رسل المسيح، وهذا الأصل باطل. ولكن في طريق المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن، نمنعهم في هذا المقام، نطالبهم بالدليل على أنهم رسل الله، وليس لهم على ذلك دليل؛ فإنه لا يثبت أنهم رسل الله إن لم يثبت أن المسيح هو الله. وإثباتهم أن المسيح هو الله إما أن يكون بالعقل أو بالسمع، والعقل لا يثبت ذلك، بل يحيله -يعني يستحيل-، وهم لا يدعون ثبوت ذلك بالعقل، بل غاية ما يدعون إثبات إمكانه بالعقل، لا إثبات وجوده، وذلك أيضًا باطل. وإنما يدعون ثبوت وجوده بالسمع، وهو ما ينقلونه عن الأنبياء من ألفاظ يدعون ثبوتها عن الأنبياء، وهو من الكذب والمردود بالعقل، فضلًا عن النقل. قال: ودلالتها على أن المسيح هو الله كسائر من يحتج بالحجج السمعية؛ فإن عامة بيان صحة الإسناد دون بيان دلالة المتن، وكلتا المقدمتين باطلة -يعني باطلة لأنها مخالفة للنقل والعقل-. قال: ولكن يقال لهم في هذا المقام: أنتم لا يمكنكم إثبات كون المسيح هو الله إلا بهذه الكتب، ولا يمكنكم تصحيح هذه الكتب إلا بإثبات أن الحواريين رسل الله معصومون، ولا يمكنكم إثبات أنهم رسل الله إلا بإثبات أن المسيح هو الله، فصار ذلك دورًا ممتنعًا. وجه الدور ظاهر؛ لأنهم زعموا أن الكتب أخبرت أن المسيح هو الله، وأنهم يزعمون صدق الكتب، فيقال: من أين هذه الكتب؟ قالوا: هذه الكتب من الحواريين، والحواريون رسل الله، فيقال لهم: من أين علمتم أنهم رسل الله؟ قالوا: لأن الله أرسلهم، وهو المسيح، فيقال لهم: من أين علمتم أن المسيح هو الله؟ قالوا: من هذه الكتب، فردوا من حيث ابتدأوا، وهذا مما لا يصح الاستدلال به؛ لأن كل واحد يحتاج إلى دليل، وكله لم يثبت أصلًا: لا الأول ولا الثاني ولا الثالث -يعني لا كون أن المسيح هو الله، ولا كون أن الحواريين رسل الله، ولا كون أن هذه الكتب أصلًا ثابتة صحيحة غير محرفة-. قال: فإنه لا تعلم إلهية المسيح إلا بثبوت هذه الكتب، ولا تثبت هذه الكتب إلا بثبوت أنهم رسل الله، ولا يثبت ذلك إلا بثبوت أنه الله، فصار ثبوت الإلهية متوقفًا على ثبوت إلهيته، وثبوت كونهم رسل الله متوقفًا على كونهم رسل الله، فصار ذلك دورًا ممتنعًا؛ لأن كل واحد يطلب الآخر. والله أعلم ونسأل الله العافية.