الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 34

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 34

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 34، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحليل ادعاء ترجمة الكتب المقدسة بواسطة الحواريين

يناقش شيخ الإسلام ادعاء النصارى بأن الحواريين ترجموا الكتب المقدسة لجميع الأمم، ويرد على هذا الادعاء بعدم وجود توراة أو إنجيل معرب من عهد الحواريين. يشير إلى تناقضات في رواياتهم حول الترجمة.

الرد على زعم النصارى حول عصمة الحواريين وترجمة الكتب المقدسة

يرد المقطع على زعم النصارى بعصمة الحواريين وكونهم مترجمين موثوقين للتوراة والإنجيل، مبيناً عدم وجود دليل على ترجمة التوراة والإنجيل بجميع لغات العالم، وأن الحواريين ليسوا بمنزلة الأنبياء.

انتقاد ادعاء الترجمة الشاملة للأناجيل وتوضيح استحالتها

يناقش المؤلف ادعاء النصارى بترجمة الإنجيل إلى جميع لغات أهل الأرض، ويبين استحالة هذا الادعاء لتنوع لغات العرب وعدم معرفة بعضها لبعض، ولصعوبة ترجمة كتاب واحد إلى جميع لغات أهل الأرض.

مكانة الحواريين في الإسلام وتوضيح منزلتهم

يشرح مكانة الحواريين في الإسلام كالصحابة، وهم من صدقوا الرسول ونصروه، وليسوا رسلاً ولا أنبياء، مستنداً إلى دلالة القرآن والسنة وكتب أهل الكتاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام، فيما رحمه الله، في كتابه "الجواب الصحيح من بدل دين المسيح". قال: فصل في قولهم: كتبهم ترجمها الحواريون. قال: فإن قالوا: إن الكتب التي عندنا من التوراة والإنجيل وغيرهما ترجمها لنا الحواريون، وهم عندنا رسل معصومون، وترجموها لجميع الأمم، بخلاف القرآن فإنه إنما يترجمه من ليس بمعصوم، فعن هذا أجوبة. أحدها: أن هذا كذب بين. فإن من العرب من النصارى من لا يحصي عدده إلا الله تعالى. وكان فيهم نصارى كثيرون تنصروا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم قوم على دين المسيح الذي لم يبدل، وهم مؤمنون من أهل الجنة، كسائر من كان على دين المسيح عليه السلام. فإن كل من كان على دين المسيح الذي لم يبدل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه مؤمن مسلم من أهل الجنة. وما هذا؟ فليس على وجه الأرض توراة ولا إنجيل معرب من عهد الحواريين. بل التوراة العبرية تنقل من اللسان العبري أو غيره إلى العربية، وكذلك الإنجيل ينقل من اللسان الرومي أو السرياني أو اليوناني أو غيرها إلى اللغة العربية. فلو كان عند كل أمة من الأمم توراة وإنجيل ونبوات بلسانهم، لكان نصارى العرب أحق بهذا من نصارى الحبشة والصقالبة والهند، فإنهم جيران البيت المقدس، وهم بنو إسماعيل عليه السلام. والأناجيل عندهم أربعة، وهم يدعون أن كل واحد كتبها بلسان، كتبت بلسان العبري والرومي واليوناني. مع أن في بعض الأناجيل ما ليس في بعض، مثل قولهم: عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، الذي جعلوه أصل دينهم. وهذا إنما هو قوله في إنجيل متى. وإذا كان كل واحد من الأربعة كتب إنجيلا بلسانه، لم يكن هناك إنجيل واحد أصلي ترجع إليه الأناجيل كلها. ثم هم مع هذا يدعون أنها ترجمت باثنين وسبعين لسانا. وهذا فيهم الكذب والتناقض أمور سننبه إن شاء الله على بعضها. لكن غاية ما يدعون أنه ترجم باثنين وسبعين لسانا. ومعلوم أن الألسنة الموجودة في بني آدم في جميع المعمورة في زماننا وقبل زماننا أكثر من هذا، كما يعرفه من عرف أحوال العالم. بل اللسان الواحد كالعربي والفارسي والتركي جنس تحته أنواع مختلفة لا يفهم بعضهم لسان بعض إلا أن يتعلمه منهم. والعرب أقرب الأمم إلى بني إسحاق بني إسرائيل والعيس، فإنهم بنو إسماعيل وجيرانهم. فإن أهل الحجاز جيران الشام، ومكة لم تزل تحج إليها العرب، ولم يكن قط عند العرب توراة ولا إنجيل عربيان من عهد المسيح عليه السلام، بل ولا كان بمكة لا توراة ولا إنجيل لا معرب ولا غير معرب. ولهذا قال تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾. فكيف يدعي أن التوراة والإنجيل ترجم الحواريون لكل قوم من جميع بني آدم شرقا وغربا وجنوبا وشمالا بلسان يفهمونه به؟ وهل يقول هذا إلا من هو من أكذب الناس وأجهلهم؟ الوجه الثاني: أن يقال: ترجمة الكلام من لغة إلى لغة لا تحتاج إلى معصوم. بل هذا أمر تعلمه الأمم، فكل من عرف اللسانين أمكنه الترجمة، ويحصل العلم بذلك إذا كان المترجمون كثيرين متفرقين لا يتواطؤون على الكذب. وبقراء تقترن بخبر أحدهم، وبغير ذلك. وهذا موجود معلوم. بل إذا ترجمه اثنان كل منهما لا يعرف ما يقوله الآخر، ولم يتواطؤوا، حصل بذلك المقصود في الغالب. وهم يذكرون أن التوراة ترجمها اثنان وسبعون حبرا من اليهود، ولم يكونوا معصومين. وأن الملك فرقهم لأن لا يتواطؤوا على الكذب. واتفقوا على ترجمة واحدة. وهذا كان بعد الخراب الأول. فهكذا يمكن ترجمة غير التوراة. وهذه التوراة في زماننا والإنجيل والزبور يترجم باللغة العربية، ويعرف المقصود به بلا ريب. فكيف بالقرآن الذي يفهم أهله معناه، ويفسرونه ويترجمونه أكمل وأحسن مما يترجم أهل التوراة والإنجيل التوراة والإنجيل؟ الوجه الثالث: أن دعوى العصمة في كل واحد من الحواريين، وأنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى عليهم السلام، دعوى ممنوعة وهي باطلة. وإنما هم رسل المسيح عليه السلام بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد صلى الله عليه وسلم. وأكثر النصارى أو كثير منهم أو كلهم يقولون: هم رسل الله وليسوا بأنبياء. وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم. وإن كانت له خوارق عادات كأولياء الله من المسلمين وغيرهم. فإنه وإن كانت لهم كرامات من الخوارق، فليسوا معصومين من الخطأ. والخوارق التي تجري على يد غير الأنبياء لا تدل على أن أصحابها أولياء لله. أولياء لله عند أكثر العلماء، فضلا عن كونهم معصومين. فإن ولي الله من يموت على الإيمان. ومجرد الخوارق لا يدل على أنه يموت على الإيمان. بل قد يتغير عن ذلك الحال. وإذا قطعنا بأن الرجل ولي لله، كمن أخبر النبي بأنه من أهل الجنة، فلا يجب الإيمان بكل ما يقوله، إن لم يوافق ما قالته الأنبياء. بخلاف الأنبياء عليهم السلام، فإنهم معصومون لا يجوز أن يستقر فيما يبلغونه خطأ. ولهذا أوجب الله الإيمان بهم. ومن كفر بواحد منهم فهو كافر. ومن يسب واحدا منهم وجب قتله في شرع الإسلام. كما قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾. وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾. وهذا مبسوط في موضع آخر. جعل الملك رحمه الله تعالى هذا الفصل في الجواب على هذا الفرع من الشبهة، وهو زعمهم أن الفارق بين ترجمة القرآن وترجمة التوراة والإنجيل أن التوراة والإنجيل ترجمة من أهل الثقة، فيما يزعمون، وأهل العصمة، بما يزعمون من الحواريين. وذكر جوابا على ذلك بما يبين كذبهم، ويبين فساد حجتهم في هذه الشبهة. أولا: ببيان أن زعمهم أن الحواريين ترجموا التوراة والإنجيل بلغات العالم كذب. لأن لغات العالم أوسع من الأناجيل الموجودة إلى زمن المؤلف. ومعلوم أن الترجمة الحاصلة من بعد الأنبياء موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام إلى زمن المؤلف لم تحصل كلها بترجمة الحواريين، بل بترجمة الحواريين وغيرهم. ومع ذلك فإن الموجود من تلك التراجم لم يستوعب لغات العالم. فأين هذا الادعاء الذي يكذبه الحس والواقع؟ وهم يدعون أنهم قد حصلت الترجمة في 72 لغة أو لسان. وهذا في الحقيقة غير موجود، إذ لا دليل صحيح صريح يدل على ذلك. فلو قدر أنه موجود، فإن لغات العالم أكثر من 72 لغة، كما أشار رحمه الله. أن لهجات العرب التي في بعضها لغات لم يأتي فيها شيء من الأناجيل. ما عرف العرب شيء من الأناجيل ولا من التوراة بلغات العرب، فضلا عن لغات الأخرى. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يقرأ عليه بعض ما في التوراة، لو كان هناك شيء بالعربي لأتي به، لكنه إنما أتي به بلغتهم بالعبري، كما في حديث عمر عند السنن. فدل أنه لا وجود في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لتوراة مترجمة في العربية ولغات العرب وحدهم. كما قلنا كفيلة في تكذيبهم. فلهجات العرب ولغاتها ليس فيها إلى زمان المؤلف، بل إلى زماننا هذا، لا يوجد فيها شيء من ترجمة هذه الأناجيل. حتى يدعى أن هؤلاء الحواريون ترجموا التوراة والإنجيل بسائر لغات أهل الأرض في وقت العصمة ونزول الوحي كما يزعمون. فهذا كذب. فمن لغات العرب الحميرية، التي فيها فروع كلغات أهل المهرة عندنا في اليمن، وكلغة أهل سقطرى. فإنها لغة لا يعرفها أهل اليمن، فضلا عن العرب، وهم يمنيون عرب. ومع ذلك لهم لغة لا يعرفها أهل اليمن، فضلا عن سائر العرب، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في هذا الكلام. فبعض لغات العرب لا يعرفها بعض العرب، بل لا يعرفها أهل البلد. فإذا كان كذلك، تبين بهذا أن هذا الكلام الذي ادعوه هو من أكذب الكذب، إذ الحس والواقع يكذبه. ثم انتقل إلى الوجه الثاني، وهو أن حقيقة الترجمة لا تحتاج إلى خصيصة بأن يكون المترجم من الحواريين ومن غير الحواريين. بل المقصود هو حصول المطابقة في الترجمة. فلو حصلت هذه المطابقة من أي أحد قبل، حتى ولو من كافر، وذلك بأن يقع على وجه يستحيل تواطئ الجميع على الكذب. كما أشار إليه رحمه الله، بأن يترجم مترجمون متفرقون يستحيل تواطئهم في اتفاق ترجمتهم على الكذب. فدل ذلك على صحة ترجمتهم التي ترجموها. ومع ذلك فلو وقع خطأ في بعض تلك الترجمات، فإنه يذيع هذا الخطأ، بأن ترجمة فلان قاصرة وناقصة أو فيها خلل في الموضع الفلاني والموضع الفلاني. وهذا معروف حتى إلى زماننا هذا في ترجمة الكتب العلمية كالطبية والهندسية وغيرها. فإن أهل الخبرة بممارستهم في قراءة تلك التراجم أو المترجمات يميزون بين الصحيح وسقيم تلك المترجمات، وبين كذلك الفاضل والمفضول والحسن والأحسن. فإذا وقع مثل ذلك وحصل هذا التمييز، علم أنه لا خصيصة ولا مزيجة بترجمة الحواريين عن غيرهم. والوجه الثالث الذي أشار إليه ظاهر وواضح. وممكن أن يضاف أوجه أخرى، بأن يقال: هذا الادعاء الذي ادعوه أن الترجمة حصلت بجميع لغات أهل الأرض، هذا من المحال. إذ لا وجود لطائفة تعلم لغات جميع أهل الأرض في زمن من الأزمان ما علم هذا. بل حتى إلى عصرنا هذا العصر الحاضر، يعجز الإنسان أن يحيط علما بكل لغات أهل الأرض حتى يترجم شيء معين إلى لغات أهل الأرض. هذا شيء يعجز عنه، مع تيسر وسائل الترجمة المعاصرة. فإن الناس لا يستطيعون في الحقيقة ترجمة شيء معين إلى جميع لغات أهل الأرض. إذا كان هذا مع وسائل الترجمة المعاصرة الحديثة بالحاسوب وغيره، فكيف في ذات الزمان الذي كان أكثر أهل الأرض من الأميين، وقليل منهم من يقرأ ويكتب؟ فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن عدد الحواريين كما صحت به الأخبار وتواترت به الروايات، أنهم بضعة عشر؟ فأين لبضعة عشر أن يترجموا كتابا واحدا إلى لغات أهل الأرض جميعا؟ فهذا مما يكذبه الحس ولا يعرف له شاهد في الواقع. قالوا: أكثر النصارى أو كثير منهم أو كلهم يقولون: هم رسل الله وليسوا بأنبياء. وكل من ليس بنبي فليس برسول الله وليس بمعصوم. وإن كانت له خوارق. هذا زعم من زعم النصارى. الكلام يعود إلى أنهم رسل الله بمنزلة إبراهيم وموسى، دعوى ممنوعة وهي باطلة. يعني ادعاهم أن الحواريين معصومون كعصمة الرسل، أو أنهم رسل من رسل الله، هذا كذب. فقوله: أكثر النصارى وكثير منهم وكلهم يقولون: هم رسل الله وليسوا بأنبياء. وكل من ليس بنبي فليس برسول وليس بمعصوم. يعني كأنه يشير إلى أن بعض مقولات هؤلاء إلى أنهم رسل معصومون. وتبين من دلالة القرآن والسنة وما روي كذلك في كتب أهل الكتاب، أن الحواريين بمنزلة الصحابة وخواص الصحابة، وليس هم رسل ولا أنبياء، لكن هناك صالحين صدقوا الرسول ونصروه، كما أخبرنا الله عز وجل في القرآن، وأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بالسنة، وهو كذلك في كتب أهل الكتاب. والله أعلم.