الدعوة إلى الاجتماع ونبذ الفرقة والخلاف

المحاضرة بعنوان الدعوة إلى الاجتماع ونبذ الفرقة والخلاف، والتي كانت في حبيل جبر بمدينة ردفان بتاريخ 27 شعبان 1445هـ الموافق 8 مارس 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الاجتماع على الحق وتحذير من الفرقة

يؤكد الخطيب على أهمية الاجتماع على الحق والهدى واتباع الكتاب والسنة وسيرة سلف الأمة. يحذر من التفرق والتحزب والخروج عن جماعة المسلمين.

احترام العلماء والأمراء وآداب الخلاف

يؤكد على أهمية احترام العلماء والأمراء وطاعتهم في طاعة الله، ويبين آداب الخلاف وضرورة الرفق والحكمة في التعامل مع مسائل الاختلاف. يحذر من الجدال والتناحر.

صفات أهل السنة والجماعة ودعوتهم

يتميز أهل السنة والجماعة بحسن الظن بالمسلمين ومراعاة المصالح، ويتصفون بالصبر والحكمة والرحمة في التعامل مع المخالفين. يحرصون على تجميل الدين وتجنب الإثارة والخلافات.

دعاء وتوصية للتمسك بالحق

يوصي الخطيب بالتمسك بالكتاب والسنة وسيرة سلف الأمة وطاعة العلماء وأولي الأمر في طاعة الله. يسأل الله الفقه في الدين والبصيرة فيه وأن يجعلهم هداة مهتدين.

التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. يؤلف الله عز وجل لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى وبذات الله، فالذي لا يبالي بالاجتماع ويستشرف الافتراق، بل ويتعجل ويعجل بالمفارقة والمفاصلة، ففيه نزعة بعيدة عن أهل الإسلام، قريبة من أعداء أهل هذا الدين، نزعة خارجية كما استشرفها أول من استشرفها حين لم يرضوا بحكم رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «لحق ذلكم الرجل ذو الخبيصرة، تهرج من ضئضئه هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ما من عالم إلا وله هفوة، وما من جواد إلا وله خبوة، فتلك الكبوة يقابلها ثبات ورسوخ وإتقان، وتلك الهفوة يقابلها سير وجد واجتهاد وإحسان، فإماذا لا تغمر تلك السيئة في تلك البحور من الحسنات؟ لا ننسى ولا نزلنا نتذكر قولهم للنبي ﷺ: «عالمنا وابن عالمنا»، فلما علموا أنه أسلم انقلب قولهم دون حياء من الله ولا حياء من خلق الله، بأن ذموه بضد ما كان يقولونه. وهكذا يصنع بعض الناس اليوم، لا حياء من الله ولا من خلق الله، المعيار عندهم الولاء والبراء الضيق للأشخاص. فالله الله، معاشر أهل السنة والجماعة، بالاجتماع على الحق والهدى، والحذر من كل ما يدعو إلى الفرقة والردى، وأن نكون على الكتاب والسنة مجتمعين، وبسير سلف الأمة متبعين، ولعلمائنا وكبرائنا مستنصحين. محاضرة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، حفظه الله، كانت بتاريخ السابع والعشرين من شهر شعبان لعام خمسة وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة بمنطقة حبيل جبر، حرسها الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، الصادق الأمين. أما بعد، أيها المسلمون والمسلمات، إننا نحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي ﷺ، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها المسلمون، عباد الله، إننا في هذه الليلة المباركة قد اجتمعنا في هذا المسجد الطيب المبارك، وهذه البلدة الطيبة المباركة، هذا الاجتماع العظيم باجتماع كبار مشايخ وعلماء ودعاة أهل السنة، وهذا الجمع الغفير من محبي أهل السنة، اجتمعوا لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن يرجون ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذه نعمة أخرى عظيمة مما أنعم الله عز وجل بها علينا، إذ نعمة الأخوة في الدين، والزيارة في ذات الله، والتعاون في مرضاة الله، والتآخي والتآلف والتحابب، كل ذلك من عظيم نعم الله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۖ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فكما ألف الله عز وجل بين المهاجرين والأنصار، والعرب والأعراب، وبين العجم بألوانهم مع العرب، ليس بينهم أحساب ولا أنساب، ولكن جمعتهم كلمة الله، دين الله الإسلام، فكذلك بفضل من الله سبحانه وتعالى الذي جمع الأولين، يجمع الآخرين، والذي امتن على الأولين سبحانه وتعالى، يمتن على الآخرين. كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. من عظيم نعمة الله عز وجل أن يؤلف الله عز وجل بين أهل الدين الواحد، وأهل الدعوة المباركة، بالاجتماع والإتلاف، والتراحم والتآخي، والتعاون والتناصر في ذات الله، وفي دين الله سبحانه وتعالى، يؤلف الله عز وجل لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وبذات الله. وهذه هي خصيصة من خصائص أهل الإسلام الصحيح، ومن ثوابت هذا الدين العظيم، ومن مبادئ وأسس دعوة أهل السنة والجماعة، ومن أعظم مرتكزاتها وعالي صفات أهلها. فإن من أعظم مميزات وصفات أهل الإسلام الصحيح، أهل السنة والجماعة، أنهم أهل اجتماع لا أهل افتراق، فيحرصون قدر المستطاع على الاجتماع، ويحذرون ويحذرون من الافتراق والاختلاف والشقاق، فإن الافتراق والشقاق والخلاف والنزاع، إنما هو من صفات الكافرين، ومن سار بسيرهم من المجرمين والجاهلين. ولهذا ضرب الله عز وجل فيه أفظع الأمثلة، وحذر منه أشد التحذير، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. التفرق والتمزق والتحزب، كل ذلك ليس من دعوة أهل الإسلام الصحيح، ولا من منهج وطريقة أهل السنة والجماعة. فالذي لا يبالي بالاجتماع ويستشرف الافتراق، بل ويتعجل ويعجل بالمفارقة والمفاصلة، ففيه نزعة بعيدة عن أهل الإسلام، قريبة من أعداء أهل هذا الدين، نزعة خارجية كما استشرفها أول من استشرفها حين لم يرضوا بحكم رسول الله ﷺ. فقال النبي ﷺ: «لحق ذلكم الرجل ذو الخويصرة، ينهرج من ضئضئه هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ومعناه لهم من الظواهر ما يغرر بالجاهل، وما يكون محل شبهة لغير العالمين. وأما أهل الإسلام الصحيح، فعندهم من أعظم أصول هذا الدين، ومن صفات أتباع سيد المرسلين ﷺ، أن أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، أهل اجتماع على الحق والهدى، وأهل حذر من الفرقة والشقاق والخلاف. فمن رأوه حريصًا على الاجتماع، علموا أنه من أهل السنة والجماعة، ومن رأوه لا يبالي بالاجتماع، ويستشرف الفرقة والخلاف، فهو فيه نزعة خارجية، وفيه لوثة بدعية. فإن لم يبادر بالرجوع إلى الحق والهدى، وإلا هلك مع الهالكين. ولذلك لم يزل ولا يزال أهل السنة والجماعة يحرصون على جمع الناس على الكتاب والسنة، يجمعون الصغير والكبير، والقريب والبعيد، ليس عندهم ما يوالون ويعادون عليه إلا الإسلام الصحيح، وثوابت هذا الدين، وسنة نبينا سيد المرسلين ﷺ. فهذا من أعظم ثوابت أهل السنة والجماعة، ومن أعظم صفات أهلها ومميزات هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. فمن لم ير لهذا الأصل العظيم بالًا، بل ويستشرف الخلاف، فهو على خطر، ويسير إلى خطر. ولذلك وهم كذلك، وهذا من مميزات وصفات أهل هذه الدعوة المباركة، أهل السنة والجماعة، أنهم يحترمون العلماء، ويطيعونهم في طاعة الله. وهكذا الأمراء يطيعونهم في طاعة الله، فيجتمعون على الكتاب والسنة، وما كان عليه علماؤهم وأمراؤهم في طاعة الله. أصلهم في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. فإن كان خلل من الأمراء، فإنهم يناصحونهم بالسر لا بالعلانية، ويأخذون بأيديهم كما صنع سلفنا وأمتنا وعلماؤنا، بل كما صح عن نبينا ﷺ. وكما جاء عن أسامة رضي الله عنه وأرضاه، حين قيل له في أمر عثمان رضي الله عنه وأرضاه: «أخبرهم أنه إن كان عنده شيء من النصح، فإنه قد أداه فيما بينه وبين أميره، ولن يبديه للناس علانية». بل صح عن النبي ﷺ: «أن من له نصيحة لسلطان، فليأخذ بيده، وليسر له بقوله، ولا يبديه علانية». ولا يخفى علينا أن الخروج على العلماء والأمراء، قد يكون بالسيف والسنان، وقد يكون كذلك بالقيل والقال والكلام، كما يفعل القعدية، وهم فرقة من فرق الخوارج، هيجوا المجتمعات على الأمراء، ففتحوا باب الفتن، وحصلت بسببهم من سفك الدماء، وانتهاك الأموال والأعراض، الشيء العظيم والكبير. وكذلك من لا يحسن الأدب مع العلماء، فيخرج عليهم، فهي نزعة خارجية أخرى. من يهيج على العلماء، ويهين العلماء، أو يقول: سأهين كرامته، بمجرد مخالفة خالفه فيها، بل وربما تكون المخالفة فيما يسع فيه الخلاف. فإن العلماء قسموا الخلاف درجات، وما يكون فيه مستويات، وهناك خلاف التضاد الذي يكون به الرد بعد النصح بالحكمة والرفق. والأصل في النصيحة الرفق والحكمة، كما قال النبي ﷺ في حديث عائشة بالصحيح: «ما كان الرفق بشيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة». وإن هذا الحديث له قصة وسبب، مر بعض اليهود بالنبي ﷺ، فقال: «السام عليك يا رسول الله»، فقال النبي ﷺ: «وعليكم». فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، غضبًا وحنقًا وغيرة وحبًا للنبي ﷺ: «وعليكم السام واللعنة، يا أخوة القردة والخنازير». فأمرها النبي ﷺ بالرفق، وذكر لها ما سمعنا من الحديث. فقالت: «يا رسول الله، أما سمعت إلى ما قالوا؟» فقال لها النبي ﷺ: «أو ما سمعت إلى ما قلت؟» يعني: أجاب بقوله: «وعليكم»، فكان هذا كافيًا. فإذا كان هذا خلق نبينا ﷺ مع اليهود، فكيف بأخيك المسلم؟ بل كيف بأخيك من أهل دعوتك؟ كيف بمن يحمل هم الدععة، ويحمل العلم والقرآن وسنة النبي ﷺ؟ من يأمر الناس ويعلمهم؟ من يقوم بإصلاح حال الناس بالتصفية والتربية؟ بل كيف إذا كان الأمر في عالم من العلماء، ووجهة من كبير الوجهاء في المجتمع من الفضلاء؟ إن من أصول دعوتنا أننا نفرق بين مسائل الخلاف التي تكون خلافة نوع، فيسع الناس العمل بذلك كله، أو كذلك خلاف أفهام، فلا يعنف على من خالف فيها. صح عن النبي ﷺ في الصحيح أنه أمر أصحابه بقوله: «لا يصلين أحدكم العصر إلا ببني قريضة»، فانطلق الصحابة رضي الله عنهم، فأدركتهم صلاة المغرب أو كادت، وهم في الطريق، فخشي بعضهم فوات صلاة المغرب، فصل العصر في الطريق، وبعضهم واصل السير، ولم يصل العصر إلا ببني قريضة وبعد المغرب. فبلغ ذلك إلى النبي ﷺ، فلم يعنف على أحد منهم. هذا من خلاف الأفهام الذي يسع فيه الخلاف، ويكون به الأدب. وهكذا لم يزل ولا يزال علماء الإسلام يحترم بعضهم بعضًا في المسائل التي يسع فيها الخلاف، والتي يختلف فيها الرأي باختلاف الدليل أو المدلول. ولهم في هذا من الأدب الرفيع، والكلام العلي، ما هو محل اقتداء واعتبار لنا. أدب علمائنا، وسلفنا، ومن سبقنا في هذا الباب. والله يخجل الإنسان إذا قرأ فيه ووقف عليه. فالمسائل الخلافية التي يسع فيها الخلاف، ينبغي أن يسعنا ما وسع من قبلنا. لن يغطي أحد منا عين الشمس في مسائل الخلاف. لم يزل ولا يزال الناس يختلفون لاختلاف الحجة والبرهان، والنظر في الدليل والمدلول. فالدلائل والمسائل لها أوجه في النظر في الدليل والمدلول. فإذا اختلف العلماء بسبب ذلك، لن يدفعنا ذلك الخلاف للشقاق والفرقة والنزاع والتناحر. بل إن ديننا يأمرنا بما هو أعظم من ذلك، بأن نغلق أبواب الخلاف، وندع الجدال الذي يسبب ذلك الخلاف. فصح عن نبينا ﷺ قوله: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدل، الجدال بالدين، من صفات المبتدعين، لا من صفات أهل السنة المتبعين. فأهل السنة والاتباع لا يحبون الجدال، وقد سطر هذا في كتب العقائد، كبيرها وصغيرها، في التحذير من الجدال في الدين. فكيف بالمفاصلة والمفارقة والتضليل فيما يسع فيه الخلاف؟ وأعظم من ذلك أن أهل السنة والجماعة يكبرون ويعظمون ويحترمون ويتأدبون مع كبرائهم وعلمائهم، لقول النبي ﷺ، وأمره وفعله في إنزال الناس منازلهم. فليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يعط لكبيرنا حقه، كبير العلم، وكبير السن، وكبير الدرجة، وكبير المنزلة، له في ديننا شأن. إذا كان في الدين يقال: «أهل العثرات»، فكيف بمسائل الاجتهاد؟ بل لو قدر الخطأ، فكما قال العلماء: «ما من عالم إلا وله هفوة، وما من جواد إلا وله كبوة، فتلك الكبوة يقابلها ثبات ورسوخ وإتقان، وتلك الهفوة يقابلها سير وجد واجتهاد وإحسان، فلماذا لا تغمر تلك السيئة في تلك البحور من الحسنات؟». وكان من نظر علمائنا، وفقه سلفنا وأمتنا، أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. هذا هو الفقه في الدين، من عرب بالسنة والاستقامة، إذا وقعت منه الهفوة أو الخطأ، فإنه يغمر في بحر حسناته. ولهذا كان من ثوابت ديننا، ومن أصول ومميزات وصفات دعوتنا، حسن الظن بالمسلمين، وبالعلماء والدعاة خاصة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». بل الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ﴾. من يحمل سوء الظن، ويجعله هو الأصل في الناس، من يجعل ذلك في العلماء، فضلًا عن غيرهم من عوام المسلمين. وهكذا كذلك من صفات ومميزات دعوتنا، وثوابت ديننا، أن أهل هذه الدعوة المباركة يحرصون على مراعاة المصالح من المفاسد، في التعامل مع الأفراد والجماعات، ومع المسائل، وما يكون كذلك من المحدثات. فإذا نزلت النازلة، نظروا إليها بالموازين الشرعية، والثوابت الدينية، فراعوا المصالح من المفاسد، فنظروا إليها بعيناتها وأصولها ونصوصها، وفتاوى كبراء علمائها. فعند ذلك يحرصون على أعلى المصلحتين، فتتبع، وأشد المفسدتين، فتدفع. فقه مأخوذ من نصوص الكتاب والسنة، ومن تطبيقات سلف الأمة، بل وما كان عليه نبينا ﷺ. وعند ذلك سارت أمور دعوتنا، ومنهج أهل الحق، على أكمل وجوهها، وأحسن صورها، وأجمل هيئاتها. جملوا هذا الدين بمواقفهم، وحسن تصرفاتهم، وحسن أخلاقهم. ومن حرم العلم والحلم، فإنه لا يراعي لهذه القاعدة بالًا، وليس له في فكره وذهنه مكانًا. بل إنه يطيش طيش الجاهلين، ويتصرف تصرف غير العالمين، فيخبط خط عشواء. انظروا ما وقع في مسألة كورونا التي مرت، كيف كانت مواقف علماء أهل الإسلام، وكبار أهل العلم الأعلام؟ كانت فتاوى راسخة على ثوابت هذا الدين، اجتمعت الفتاوى على مراعاة المصالح من المفاسد. مع أن العلماء ليسوا من بلد واحد، هذا من المشرق، وذاك من المغرب، وذاك من الشمال، وذاك من الجنوب، وذاك عربي، وآخر أعجمي، جمعتهم أصول وثوابت هذا الدين. وأما من حرم الحلم والعلم، فهم يخبطون خط عشواء، لا يرعون المصالح من المفاسد، ثورة على العلماء، وخروج على الأمراء، واستشراف للخلاف والفرقة. وهكذا وغيرها من النوازل التي نزلت بالأمة، تفرق به بين العلماء، ومن يلتصق بهم وليس منهم، تفرق به بين من عرف هذه الدعوة عن قرب، فمرسها وعايشها وعايش علماءها وأهلها، وبين من هو لصيق بها، إنما له منها الدعاوى. وكما قيل: «ليس الإسلام بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». وليست السلفية بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. لا بد من البراهين الصادقة، والأدلة الواضحة، التي تبين السلفية بانقيادك لسير السلف الصالح. أين من السلفية أن يكون ولاء وبراء ضيق من خالف، أن يهنت كرامته؟ أين من السلفية أن يكون الولاء والبراء الضيق للأشخاص، لا لثوابت هذا الدين؟ بالأمس يكون الرجل فيهم عالمًا من كبار العلماء، فإذا رجع عن دعوتهم، وخالف ما كانوا عليه، صار في غمضة عين جاهلًا من الجهلاء، وسفيهًا من السفهاء. ما أشبه هذا بما وقع من اليهود، بما وقع من اليهود مع عبد الله بن سلام. لا ننسى ولن نزلنا نتذكر قولهم للنبي ﷺ: «عالمنا وابن عالمنا»، فلما علموا أنه أسلم، انقلب قولهم دون حياء من الله، ولا حياء من خلق الله، بأن ذموه بضد ما كان يقولونه. وهكذا يصنع بعض الناس اليوم، لا حياء من الله ولا من خلق الله. فالمعيار عندهم الولاء والبراء الضيق للأشخاص. أيها المسلمون، عباد الله، ينبغي أن نفرق بين من يبني وبين من يهدم. الهدم يحسنه كل أحد، وأما البناء فأمره صعب. من هذا الذي يستطيع أن يصبر على البناء، وعندك من يخالفك، وعندك من يضادك، وعندك من يحرص على هدم بنائك؟ صار بعض الناس أشبه ما يكون بأبي جهل وأبي لهب. يأتي العالم من علماء أهل السنة إلى بلاد الكافرين، يدعو إلى دين الله في مسجد من مساجد السنة، ليست مسجد رافضة، ولا مسجد شيعة، ولا مسجد صوفية، بل مسجد سنة من إخواننا أهل السنة. ويأتي عالم من كبار علماء أهل السنة من مدينة رسول الله ﷺ، فيقف بعض هؤلاء الشباب الطائش عند باب المسجد: «لا تدخل هذا الشيخ مبتدع، هذا الشيخ ضال، هذا الشيخ كذا وكذا». هل هذا من الحكمة؟ هل هذا من دين الله؟ أسألكم بالله رب السماوات والأرض: أين هذا من مراعاة المصالح من المفاسد؟ أين هذا من الحكمة التي أمر الله عز وجل بها؟ أين هذا من مواقف الصحابة والتابعين، وأتباع التابعين، ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين؟ أين هذا مما يجب من تحسين وتجميل هذا الدين؟ من الذي يأتي إلى المسجد فينزل الخطيب من فوق المنبر بالسلاح وبأطم، لأجل أنه ليس من أهل جماعته؟ لم يحصل هذا من أهل السنة، لم يحصل هذا من أهل السنة، ولكنه حصل من هؤلاء الذين حرموا العلم والحلم. لأجل أن نعرف من الذي يجمل هذا الدين، ومن الذي يشوه جماله بتصرفاته الجاهلة، ومواقفه المليئة بالسفاهة والضلال. أيها المسلمون، عباد الله، دعوتنا دعوة رحمة، دعوة أهل السنة، دعوة رحمة، دعوة رفق، دعوة حكمة. فإن تجمع لا تفرق، وهي تعلم لا تجهل، وهي تحبب لا تبعد. النبي ﷺ غضب فيمن صلى فأطال بالناس الصلاة، فقال: «إن منكم لمنفرين». فما بالك بمن يستخدم السلاح وأجهزة الدولة وأطمها في نزع المساجد، وإثارة الخلافات والصراعات، وإثارة الفتن والخلافات؟ كل هذا ليس من دين الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك فأهل السنة والجماعة لا يستشرفون الخلاف، بل دائمًا ينصون أنفسهم وأبناءهم وطلابهم بالصبر والحكمة، والرحمة بالتعامل مع المخالفين. وهم يعاملون المخالف معاملة المريض، لا معاملة العدو، مهما فعل. وهم يصبرون ويحلمون، يبينون الحق ويوضحون بحسب الزمان والمكان، وبالحكمة التي تعلموها من هذا الدين. ومع ذلك فلا يرمون بالسيئات، بل إذا رموا بأنواع الأذى، فيكونون كالشجرة التي إذا رميت بالحجارة لم ترم إلا بالثمار. هذه هي دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة رحمة واجتماع، لا دعوة فرقة واختلاف. بل يحرصون غاية الحرص على تجميل هذا الدين، وأن يكون الواحد منهم حاملًا لدين الله مجملًا له، لا مشوهًا له. يحذرون أشد الحذر أن يؤتى هذا الدين من قبلهم، أو من قبل أحد منهم، لعلمهم أنها أمانة عظيمة، ومسؤولية كبيرة. فالله الله، معاشر أهل السنة والجماعة، بالاجتماع على الحق والهدى، والحذر من كل ما يدعو إلى الفرقة والردى، وأن نكون على الكتاب والسنة مجتمعين، وبسير سلف الأمة متبعين، ولعلمائنا وكبرائنا مستنصحين، وبكذلك أئمتنا وولاة أمورنا طائعين في طاعة الله عز وجل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.