وصايا لطلاب العلم

المحاضرة بعنوان وصايا لطلاب العلم، والتي كانت بدار الحديث بمدينة السعادة بمنطقة رأس عمران بمحافظة عدن يوم السبت 21 شعبان 1445هـ الموافق 2 مارس 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل مراكز السنة ودور العلم وتأثيرها

يُشيد الخطيب بمراكز السنة ودور العلم ويبين أهميتها في نشر الخير والهداية، ويشكر الجهود المبذولة في إنشائها. يُؤكد على دور هذه المراكز في توفير بيئة صالحة لطلبة العلم والدعاة.

أهمية التقوى والجد في طلب العلم والدعوة

يوصي الخطيب بتقوى الله والجد في طلب العلم، ويبين أن التقوى تعين على الاستمرار في طريق العلم. كما يشدد على أهمية الجد والاجتهاد في تحصيل العلم والدعوة إليه.

ضرورة الصبر والحكمة في طلب العلم والدعوة

يؤكد الخطيب على ضرورة الصبر في طلب العلم والعمل به والدعوة إليه، ويشدد على أهمية الحكمة في مخاطبة الناس بحسب أحوالهم. يُبين أهمية تقديم العلم النافع دون إثقال أو فتنة.

أهمية الدعاء في التوفيق والهداية للعلماء والدعاة

يوصي الخطيب بكثرة الدعاء للتوفيق والهداية، ويبين أن الدعاء هو العبادة ويعترف بالعجز ويثبت التعلق بالله. يحذر من الاتكال على النفس والغرور الذي يؤدي إلى الفشل.

التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة، وإنني والله في فرحة وبهجة وسرور إذ أرى هذا المرزَد الطيب المبارك، وهذا المركز من مراكز السنة وقد افتتح وأُعمر بفضل من الله سبحانه وتعالى في هذه المدينة، مدينة السعادة، وهي بإذن الله سبحانه وتعالى كاسمها أسعدتنا من أول أمرها، وإن شاء الله تزداد أبواب السعادة بزيادة الخير في هذا المركز الطيب المبارك. تقوى الله مفتاح كل خير، وطالب العلم والداعي لله والإمام والخطيب من أحوج ما يحتاج إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، وإنه يعينه في مواضع الشدة، يحمله بوقت ثقله، ويسرعه بوقت تباطئه، يجبر الكسر ويكمل النقص. تقوى الله سبحانه وتعالى شأنها عظيم بإصلاح حال الإنسان في نفسه، وفي دعوته، وفي مجتمعه كذلك. كم من حافظ للقرآن أنساه الله عز وجل القرآن بسبب معصية، وكم من إنسان كان عنده من الخير بسبب معصية وعدم تقوى لله عز وجل حرمه الله طريق الخير، والعكس بالعكس، كم من إنسان اتقى الله عز وجل سهل الله له أبواب الخير. كما جاء في الحديث: «إن من الناس من يدخل الجنة بالسلاسل»، يعني يأبى الله إلا أن يدخله الجنة وهو مسلسل مقبض عليه كالذي يؤسر وهو كافر بأيدي المسلمين، فيرى نور الإسلام فيسلم، ويشرح الله صدره، ويقبل على الخير والتعلم، ويدخل بيدين الله عز وجل. النقص لا يسلم منه البشر، ولا يعترف به إلا الكمل من خلق الله وعباد الله. سئل الإمام مالك رحمه الله في أربعين مسألة لم يجب ولا في واحدة، حتى قال له: ماذا أرجع؟ فأقول: يا إمام، أقول لهم. قال الإمام مالك: «لا أدري». فإن الدعاء اعتراف من العبد بعبوديته وربوبية ربه وخالقه. ما دمت تكثر من الدعاء، أنت تكسر العجب والغرور الذي هو سبب الفشل. ما دمت تكثر من الدعاء، فأنت مفتقر إلى الله، والفقراء هم الأغنياء. يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. محاضرة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، في الواحد والعشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بمدينة السعادة بمنطقة رأس عمران حرسها الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، إن الإنسان لظلوم كفار. إن الإنسان لظلوم كفار، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. كما نحمده سبحانه أن يسَّر لنا بزيارة إخواننا وأبائنا وأبنائنا في هذا المركز الطيب المبارك، وهذا المعقل من معاقل السنة، ومسجدٍ من عظيم مساجدها، بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى. فمساجد السنة ومراكزها ودور العلم تعتبر بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى، فصون عظيمة ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد. وإنني والله في فرحةٍ وبهجةٍ وسرور إذ أرى هذا المركز الطيب المبارك، وهذا المركز من مراكز السنة وقد افتتحا وأُعمر بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى في هذه المدينة، مدينة السعادة، وهي بإذن الله سبحانه وتعالى كاسمها أسعدتنا من أول أمرها، وإن شاء الله تزداد أبواب السعادة بزيادة الخير في هذا المركز الطيب المبارك. فشكر الله عز وجل لكل من كان سببًا في هذا الخير الذي نراه، وهذه اللبنات العظيمة التي أُسِّست. كل من سعى بجهده أو رأيه أو علمه أو ماله أو قليلٍ أو كثير، جعل الله عز وجل ذلك في ميزان حسنات الجميع. ولا ننسى أن نخُصَّ بالذكر أخانا الشيخ المبارك المفضال أبا إبراهيم الشيخ عبد الغفور السقاف اللحجي حفظه الله ورعاه، وجهوده المباركة المتتالية المتتابعة، وحرصه الذي كان بعد فضل الله سبحانه وتعالى سببًا في ظهور هذا الخير ووجوده على أرض الواقع. وهذه والله نعمةٌ عظيمة، وحسنةٌ من عاجل بشرى الرب العظيم الكريم سبحانه وتعالى، جعلها على يديه وعلى يد إخوانه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «من دعا إلى هدى كان له بأجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فهنيئًا له هذه الأجور المتتابعة بإنشاء مثل هذا المركز الطيب المبارك. وهكذا من التذكير بفضل الله نذكر بحديث جرير بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «من سنَّ سنةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فهنيئًا لكل من ساهم في هذا الخير واجتهد في إظهار هذا النور. مراكز السنة ومعاقل العلم يعتبر منابع خير ومواضع نور يُصطَضاء بها، فينعم بها العباد والبلاد. فشكر الله عز وجل لكل من شارك الشيخ عبد الغفور حفظه الله، ومن معه من إخوانه وآبائه وأبنائه، أخونا أبو علي حفظه الله الشيخ نبيل، وغيرهم من الفضلاء الذين لا أستحضر أسماءهم، لكنهم كثير. جزاهم الله خير الجزاء. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله منبر خير وبركة ورحمة، ومنبع نور للإسلام والمسلمين، ولأهل السنة خاصة. وها نحن نرى بوادر هذا الخير بهذه الدورة المباركة النافعة المكثفة لحفظة كتاب الله سبحانه وتعالى. هذه الدورة المباركة التي إقامتها بحد ذاتها تعتبر توفيقًا من الله سبحانه وتعالى، وكذلك دلالة على بوادر الخير والنور والفضل الذي جعله الله عز وجل يجري من أول أمر هذا المسجد والمركز الطيب المبارك. فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته. وفي حديث عثمان في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فهنيئًا لمن وفقه الله لهذا الطريق، ولمن وفقه الله لحضور هذه الدورة الطيبة المباركة، وهنيئًا لكل من كان مساهمًا في هذه الدورة الطيبة المباركة. فهذا باب آخر عظيم من أبواب الخير والفضل والأجر التي ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد. فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته سبحانه وتعالى، وهم الأئمة والخطباء والدعاة الذين ينفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد. فإذا كان كذلك، الاعتناء بهم يعتبر اعتناء بنخبة المجتمع وواجهته، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه. وبين يدي الإخوة المشايخ الفضلاء، وقد سمعنا كلمة أخينا الشيخ محمود حفظه الله، الكلمة المباركة الطيبة. جعل الله ذلك بميزان حسناته، وشكر الله له مشاركته، وهذه الزيارة المباركة، ومن معنا ممن جاء من المشايخ الفضلاء الذين كذلك كانت زيارتهم شحذًا للهمم، ومناصرة لإخوانهم، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. فجزى الله خيرًا الجميع خير الجزاء. فأقول: وصايا مختصرة، أوصي نفسي والحاضرين في هذه الدورة المباركة من الحفظة لكتاب الله عز وجل، الذين الكثير منهم سيكونون أئمة وخطباء ودعاة ورسل ووجهاء، يمثلون أهل السنة والجماعة فيما يحملون من العلم والهدى والأمانة التي يوصلونها للناس. فالمسألة مسألة تكليف أكثر من مسألة تشريف. ولذلك أوصي نفسي وإخواني وأبنائي بوصايا أختصرها بكلمات. أول هذه الوصايا وصية الله عز وجل للأولين والآخرين، الوصية بتقوى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَد وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. تقوى الله مفتاح كل خير، وطالب العلم والداعي لله والإمام والخطيب من أحوج ما يحتاج إلى تقوى الله سبحانه وتعالى. فإنه يعينه في مواضع الشدة، فيحمله في وقت ثقله، ويسرعه في وقت تباطئه، فيجبر الكسر ويكمل النقص. تقوى الله سبحانه وتعالى شأنها عظيم في إصلاح حال الإنسان في نفسه، وفي دعوته، وفي مجتمعه كذلك. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بها في مفتتح خطبه وكلماته عليه الصلاة والسلام. ففي خطبة الحاجة يكرر ثلاث آيات في الأمر بالتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. هذه الآيات وغيرها كثير في كتاب الله تدل على عظيم منزلة التقوى في دين الله عز وجل. وطريق العلم يفتقر إلى التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. فإن من أعظم أسباب التوفيق لطلب العلم تقوى الله سبحانه وتعالى. تقوى الله التي فسرها سلفنا وعلماؤنا وإمامنا بتفاسير تدور معناها، كما نقل عن طلق بن حبيب رحمه الله: «أن تعمل بطاعة الله بنور الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله بنور من الله، تخاف عقاب الله». هذا المعنى العظيم إذا انتصب بين عينيك، وكان أساسًا تسير عليه بحياتك، فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى سيعينك في أمورك كلها، وفي طريق العلم خاصة. كم من الأذكياء ممن أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا توفيقًا بسبب قلة التقوى، حرموا طريق العلم. ربما كانوا أشد الناس حفظًا، وأكثرهم ذكاءً، لكنهم بقلة التقوى وقلة الزهد حرموا طريق التوفيق في العلم. وكم من أناس كانوا أقل ذكاءً، وأقل حفظًا، لكن كان عندهم من تقوى الله سبحانه وتعالى ما أعانهم على مواصلة الطريق واستكماله، والبلوغ إلى أعلى درجاته بسبب تقوى الله سبحانه وتعالى. ليس معنى الآية كما يفهم جماعة التبليغ وأمثاله من أهل الجهل والتضليل: أنك إذا اتقيت الله جاءك العلم من دون بذل أسبابه. لا، ولكن بذل الأسباب وحده لا يكفي، حتى يكون معه تقوى من الله. فإن تقوى الله يعينك على الاستمرار في الطريق، والاستنارة والاستفادة من العلم. كما تنقل في تلك الأبيات المروية عن الإمام الشافعي في حرمان العلم، وفي آخرها: «وأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاصي، نور الله العلم لا يُعطى لمن أصر على معصية الله سبحانه وتعالى». قد يُحجب الإنسان الفهم، أو لا يُوفَّق في الحفظ، بل أعظم من ذلك أن يُحرم الاستمرار في الخير، أو يفقد ما كان عنده من الخير. كم من حافظ للقرآن أنساه الله عز وجل القرآن بسبب معصية، وكم من إنسان كان عنده من الخير بسبب معصية وعدم تقوى لله عز وجل حرمه الله طريق الخير، والعكس بالعكس، كم من إنسان اتقى الله عز وجل سهل الله له أبواب الخير. كما جاء في الحديث: «إن من الناس من يدخل الجنة بالسلاسل»، يعني يأبى الله إلا أن يدخله الجنة وهو مسلسل مقبض عليه. وهكذا كذلك تقوى الله سبحانه وتعالى يرفعك الدرجات العالية، ويعطيك من القوة والنشاط والثبات ما هو أعظم من ثبات الجبال الراسية. فلا تستصغر أمر التقوى يا طالب العلم. نحن معاشر طلبة العلم ينبغي أن نجعل من أول أوليات مطالبنا تقوى الله سبحانه وتعالى، لأن تقوى الله هو سر القوة، القوة الحقيقية. ليس بكثرة المعلومات، ولا بقوة العضلات، ولا بنسبك ولا حسبك، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. الكرامة الحقيقية بالتقوى، ليس بكثرة العلم، ولا بكثرة المال، ولا الجاه، ولا الحسب، ولا النسب، ولا القوة، ولا العضلات، ولا السلاح، ولا أي شيء من متاع الدنيا، وإنما تقوى الله سبحانه وتعالى سر القوة والرفع في الدنيا والآخرة. إذن من أول أوليات ما ينبغي أن يعتني به المسلم، وطالب العلم خصوصًا، تقوى الله سبحانه وتعالى. والوصية الثانية: أهمية الجد والاجتهاد في تحصيل العلم. العلم كما قال بعض أئمتنا وعلمائنا وسلفنا: إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه. فجد واجتهد، وسترى بإذن الله سبحانه وتعالى الثمرة، ولكن بعد حين. فلا تستعجل الثمرة. وكما قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. المهم أنك تسير في الطريق، وكلما أسرعت واجتهدت وصلت. ولذلك الناس يتفاوتون في الوصول إلى خير العلم في الدنيا والآخرة بقدر تفاوتهم في ماذا؟ في جدهم واجتهادهم ومسارعتهم في تحصيل العلم. الذي عنده من الفتور والكسل والخمول والغفلة والتغافل يضيع عليه من العمر الكثير، فيحصل من العلم القليل. والذي يجد ويجتهد ويثابر، فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى سيحصل الكثير في الوقت القصير. ولهذا كان من وصية الله عز وجل لأنبيائه ورسله: ليس الأمر بالتزود من أي شيء، ولكن التزود بماذا؟ بالعلم. وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وقال بعد أمر الزيادة بالتقوى: الزيادة بالعلم. وقل: ربي زدني علمًا. لم يأمر بالزيادة من شيء، ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأن يزداد من العلم. والزيادة من العلم تريد جدًا واجتهادًا. ولهذا كان من أول ما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك جاءه جبريل يعلمه العلم، فكان ثقيلًا على النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، حتى سهله الله عليه: ﴿سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. سهل الله عز وجل هذا القول الثقيل بما كان من حرصه واستمراره ومثابرته عليه الصلاة والسلام، حتى أخذ هذا القرآن بأحرفه كلها. أتصور إذا كان هناك إنسان أمي لا يقرأ ولا يكتب، كيف يأخذ القرآن بسبعة أحرف؟ ليس الأمر بالسهل. وكيف يعرف تفسيره؟ في حديث ابن عباس في الصحيح في البخاري وغيره: كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في كل رمضان يدارسه القرآن، فلما كان رمضان الذي توفى فيه دارسه القرآن مرتين. هذا يدل على ماذا؟ جد واجتهاد. أم لا؟ اليوم أسأل أي طالب علم: هل مررت على تفسير القرآن في رمضان واحد في حياتك كاملًا؟ من الذي سيقول: بنعم؟ لو الآن قلنا في هذا المجلس: ارفع يدك يا من فعلت ذلك. من يستطيع يرفع يده؟ ما في. يعني قليل الذي سيقول: أنا مررت على القرآن كاملًا في رمضان. فكيف إذا قلنا: في كل رمضان تمر على تفسير القرآن كاملًا؟ فكيف إذا قلنا: تمر على تفسير القرآن في رمضان واحد مرتين؟ من الذي فعل هذا؟ ليس أحد. غريب. إمامنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذن كان هناك جد واجتهاد في العلم أم لا؟ والله عز وجل يقول لنبيه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. العلم لا ينال براحة الجسد. أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه صار من أول المكثرين من الصحابة بماذا؟ بملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم. كما قال: «إن كان ليغمى عليه ويظن الناس أن النبي من جنون، ووالله ما بي من جنون، ولكنه الجوع». لازم النبي صلى الله عليه وسلم على لقيمات تقيم صلبه، في مقابل أن يحصل العلم، فحصل علمًا كثيرًا في وقت قصير. لم يكن من أهل مكة الذين لازموا النبي صلى الله عليه وسلم من أول الإسلام، وإنما لازم النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومع ذلك كان أكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، فهو أحد المكثرين. كيف حصل هذا الكثير في الوقت القصير؟ بماذا؟ بجد واجتهاده. فهو أحد السبعين الذين كانوا يلازمون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يسمون بأهل الصفة لتحصيل العلم. فإذن تنبه لهذا. وما من إمام من الأئمة، ولا عالم من العلماء، إلا وإذا نظرت في سيرته وترجمته ستجد أنها سيرة حافلة مليئة بالجد والاجتهاد في تحصيل العلم. خذ الإمام البخاري رحمه الله، يقول غلامه الذي معه: كان في الليلة الواحدة يقوم فيشعل المصباح ويسجل الفائدة، ثم يطفئها، ثم ينام. أكثر من خمس وعشرين مرة. هذا في وقت النوم. إذا كان هذا في وقت النوم، كيف وقت الصحو؟ هذا وقت أول الفراش، خلاص وقت النوم، حط رأسه لينام، أطفأ النور، تذكر فائدة، قام أو النور. النور ليس مثل عندنا الآن، يعني الزر تضغط عليه وتولع اللمبة، لا يحتاج أن يعالج، ولا شمع، حتى مصباح يحتاج معالجة وزيت وفتيل ونار، ثم يكتب، والكتابة ليس بقلم وورق، ما شاء الله، محبرة وخشب وسن وورق يفك ويكتب الفائدة، ثم يطوي ذاك كله، ثم ينام. ثم يتذكر الثانية. إذن كم بين الأولى والثانية من الوقت؟ أقل شيء كم؟ عشر دقائق، ربع ساعة. تضربها في خمس وعشرين مرة، كم تساوي؟ مئتين وخمسين دقيقة. مئتين وخمسين دقيقة كم تساوي ساعات؟ قرب أربع ساعات. يعني ذهب عليه نصف الليل وهو يسجل الفوائد. هذا في الليل، فكيف النهار؟ لأجل أن تعرف منهم من يقول: أنه شرب بوله ثلاث مرات في طلب الحديث، وآخر يقول: أكل العشب كذا كذا مرة في طلب الحديث. جد واجتهاد في تحصيل العلم. فإذن العلم لا ينال براحة الجسد، وخصوصًا ونحن في مجتمعات مليئة بالشبهات والشهوات. وليس شيء يدفع بعد عون الله سبحانه وتعالى الشبهات بمثل ماذا؟ العلم. ولا شيء يعين بعد فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، ويحمي من الشهوات بمثل كذلك العلم، مع الصبر والتقوى، مع الصبر والتقوى. فإذن الوصية الثالثة: أن تحرص يا طالب العلم على الصبر. الصبر في تحصيل العلم، الصبر كذلك في العمل بالعلم، الصبر في الدعوة إلى هذا العلم، والصبر في الثبات على هذا العلم والعمل والدعوة، حتى يتوفاك الله. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. ليست اليقين عند الصوفية، ولكن اليقين عند أهل السنة: الموت. تثبت على العلم والعمل والدعوة والاستمرار على هذا الخير حتى يتوفاك الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. والوصية الرابعة: يا معاشر طلبة العلم والدعاة إلى الله والخطباء والأئمة، نوصي أنفسنا وإياكم بالحكمة في الدعوة إلى الله. أنتم ستزولون إلى مجتمع مليء بطبقات مختلفة، وأناس متنوعة. فعاملوا الناس بحسب أحوالهم. فيهم الجاهل، فيهم العالم، فيهم القريب، فيهم البعيد، فيهم من لبس عليه فصار متحاملًا. فينبغي أن تراعي هذه الأحوال المختلفة مع المدعويين. فإن من الحكمة في الدعوة إلى الله أن تراعي أحوال المدعويين. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. فانتبه لهذا، وراعي أحوال المدعوين. والوصية التي بعدها: أن نحرس على أن لا نحدث الناس إلا بما يقربها من هذا الدين، ويجمل لها هذا الدين. كما جاء عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما: «حده الناس بما يعرفون». أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ وفي الأثر الآخر عن ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة». فينبغي أن نحرص على أن لا نفتن الناس بالغرائب، ولا الشذوذات، ولا ارتجال الفتاوى والآراء. والوصية التي بعدها: ألا تتكلف العلم، وأن تقف حيث تعلمك. «بلغوا عني ولو آية». ما زاد عن ما تعلم، فقل: «لا أعلم». لما لا تعلم، فإن من العلم كما قال ابن مسعود: «أن يقول المرء لما لا يعلم: الله أعلم». وكما قال ابن عمر رضي الله عنه: «إنما العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». فالعلم ثلاثة. فإن من العلم أنك تقول لما لا تعلم: «الله أعلم». احذر أن يقذف في قلبك الشيطان الكبر والخيلاء والعجب، فتتكلم فيما لا تعلم، خوفًا من أن يتتهم بأنك تجهل. فإن الفرار من الجهل هو الجهل، والاعتراف بالنقص والتقصير وعدم العلم هو العلم. ولا يزال المرء في فضل ما دام يعترف أنه محل تقصير. النقص لا يسلم منه البشر، ولا يعترف به إلا الكمل من خلق الله وعباد الله. سئل الإمام مالك رحمه الله في أربعين مسألة لم يجب ولا في واحدة، حتى قال له: ماذا أرجع؟ فأقول: يا إمام، قال: «قل لهم: لا أدري». ولم يجب. وقيل له في مسألة فلم يجب، فقالوا: لقد استحيينا لك يا إمام. قال: «ولكن الملائكة لم تستحيي»، يعني حين قالت: «لا علم لنا إلا ما علمتنا»، وهم ملائكة الله. فكذلك أنت لا تستحيي من قولك: «لا أدري، لا أعلم». عَوِّذ نفسك بـ «لا أدري، لا أعلم»، حتى لا يغرك الشيطان في طريق الخطأ. والوصية التي بعدها: معاشر الدعاة والخطباء والأئمة، أن نحرص على أن نجمل هذا الدين بأخلاقنا، ونجمل هذه الدعوة بحسن مواقفنا. الحذر الحذر أن ننفر عن دين الله بالأنانية، والتصرفات التي تدل على الحرص على الأمور الشخصية، وغير ذلك مما يشوه جمال هذا الدين. بل نحرص على الأخلاق الكريمة. فهذا الدين نصفه إيمان، ونصفه خلق. كماله باجتماع الأمرين. «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا». فاحرص على أن تجمل هذا الدين بأخلاقك ومواقفك وحسن تصرفاتك. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في زمانه: «إن منكم لمنفرين». فكيف بزماننا، وبجهلنا، وبنقصنا، وتقصيرنا؟ فاحذر يا طالب العلم، يا أيها الداعي إلى الله، أن تكون منفرًا عن دين الله عز وجل، وأنت لا تشعر. بكلماتك، بمواقفك، بعباراتك، بغير ذلك مما ينافي ما جاءت به ثوابت هذا الدين. وأخيرًا أوصي نفسي وإياكم بكثرة الدعاء. فالدعاء هو العبادة. أن ندعو الله عز وجل في سجودنا، وفي أوقات خلواتنا، ومواضع إجابة الدعاء، بكل ما فيه الخير، وأوله فلاحنا على الدين والهدى. وكان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى الناس: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك». ونحن أحوج مثل هذا الدعاء. ومن ذلك الدعاء: أن يوفقك الله في إمامتك، في صلاتك، في دعائك، في خطبتك، في دعوتك. لا تقبل على عمل إلا وأنت تدعو الله التوفيق، حتى يوفقك الله لهذا العمل. فإن الدعاء اعتراف من العبد بعبوديته وربوبية ربه وخالقه. ما دمت تكثر من الدعاء، أنت تكسر العجب والغرور الذي هو سبب الفشل. ما دمت تكثر من الدعاء، فأنت مفتقر إلى الله. والفقراء هم الأغنياء. يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. ما دمت مفتقرًا إلى الله، فأبشر بالخير، بإعانة الله لك، وتوفيقه، وتسديدك. وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى. ما دمت مفتقرًا إلى الله بالدعاء، مبتهلًا، منطرحًا بين يديه، بالسجود والدعاء. وأقرب ما يكون العبد من ربه هو ساجد. وبالحديث: «أمن أن يستجاب لكم». فأنت موفق بإذن الله. لكن إذا اتكلت على نفسك بلسان الحال أو لسان المقال، وكلك الله إلى نفسك الضعيفة، فعند ذلك يكون الفشل، فعند ذلك يكون الفشل. فلا تثق بنفسك، ثق بربك وخالقك. إذا قبلت إلى الصلاة، قل: يا ربي وفقني في صلاة هذه. إذا قبلت على خطبة: يا ربي وفقني في خطبة هذه. إذا قبلت على كلمة: يا ربي وفقني في كلمة هذه. إذا قبلت في الصلح ذات البين: يا ربي وفقني في إصلاح ذات البين. إذا قبلت في دعوة إنسان: يا ربي وفقني أن أدعو هذا الإنسان للخير. إذا قبلت في تعليم: يا ربي وفقني في هذا التعليم، في هذه الحلقة، في هذا الكتاب، في هذا الدرس، في فهم المسألة. كان شيخ الإسلام، وهو شيخ الإسلام الإمام الذي لا يخفى علمه، ولا تخفى منزلته، يكثر من الدعاء، فيقول: «يا مفهم سليمان فهمني، يا معلم داود علمني». يرفع يديه ويبتهل. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «إن كنت أراه يرفع يديه ويبتهل بالدعاء حتى يفهمه الله ويوفقه الله». وهو من؟ شيخ الإسلام ابن تيمية. من منا على مثل هذا؟ يمكن الكثير منا ما على مثل هذا، ولا مرة واحدة. وهذا من الاتكال على النفس الذي هو أول الفشل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم كل شر وضير، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، ويجعلنا كذلك سبب خير. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.