صفاء دعوة أهل السنة

المحاضرة بعنوان صفاء دعوة أهل السنة، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بمنطقة روكب يوم الأحد 1 شعبان 1445هـ الموافق 11 فبراير 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من الافتراق والضلال وبيان سبيل النجاة

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الافتراق والضلال، حيث ستفترق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وبيّن أن النجاة تكون باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين. هذا التحذير يشدد على أهمية الوحدة والتمسك بالدين الحق.

أهمية التمسك بالدين الحق والصراط المستقيم

يجب على المسلمين التمسك بالدين الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ووزن الأمور بميزان الكتاب والسنة. هذا يتطلب اتباع سبيل المؤمنين والثبات على الصراط المستقيم الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم.

دور العلماء والنصيحة في المجتمع الإسلامي والدعاء للامة

النبي صلى الله عليه وسلم يشبه علماء الأمة بأنبياء بني إسرائيل، ويؤكد على أهمية العلماء في توضيح الدين والصراط المستقيم، كما يشدد على ضرورة النصيحة بين المسلمين. يتضمن المقطع أيضاً دعاء للأمة وولاة أمورها بالصلاح.

التفريغ النصي الكامل

أيها المسلمون عباد الله، إن الناظر في تاريخ الإسلام من يوم أن بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، ويرى أن الكثير من الناس إلا من رحم الله، قد أشرق وأرق وخرج عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث عليه نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم. وكذلك في باب التعامل مع الأئمة والعلماء، لا يغلون فيهم فيرفعونهم فوق منزلتهم، ولا يبهونهم فيتركون ما أمر الله عز وجل من توقيرهم، فالعلماء ورثة الأنبياء كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن لم يقم كل منا بواجب النصح تجاه أخيه، غرقت سفينتنا، فلذلك لا نجات لنا إلا بأن ينصح بعضنا بعضا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي رُقية: «الدين النصيحة»، وبرواية خارج مسلم كررها ثلاثا: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. أيها الأحبة، هذه هي دعوة أهل السنة والجماعة، هذه الدعوة المباركة التي تدعو الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الدعوة المباركة التي تدعو الناس إلى الدين الصاف النقي الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، كيوم ما جاء به دون زيادة فيه ولا نقصان. كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وارضاه: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصى قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعظوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». أيها المسلمون عباد الله، إن الناظر في تاريخ الإسلام من يوم أن بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، ويرى أن الكثير من الناس إلا من رحم الله قد شرق وأرق وخرج عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث عليه نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقد قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد، والسنة لابن أبي عاصم بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه وأرضاه: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وجاء في رواية يحسنها بعض أهل العلم وفيها شيء من الضعف ومعناها صحيح باتفاق أهل العلم: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». وفي الصحيحين من حديث معاوية وثوبان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فأتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين تابعوه بحق وصدق هم قليل من كثير، يفسره قوله عليه الصلاة والسلام: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة». ومعناه كما ذكر غير واحد من أهل العلم: أي وستفترق افتراقا كثيرا. فلفظ السبعين عند أهل العربية يؤتى به ويراد به الكثرة، كما قال الله عز وجل: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ومعنى إن تستغفر لهم استغفارا كثيرا كثيرا فلن يغفر الله لهم لكفرهم ونفاقهم. فكذلك الاختلاف والافتراق في هذه الأمة سيكون كثيرا، فضلا عن من خرج عن دين الإسلام. ومن كثرته قال عليه الصلاة والسلام: «أنها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة»، أي أعظم من الفرقة التي وقعت بين اليهود وأعظم من الفرقة التي وقعت بين النصارى. حتى قال بعض أهل العلم: نسبة الناجين من هذا الافتراق كواحد من ثلاث وسبعين، كواحد من ثلاث وسبعين، يعني ليس العشر ولا عشر العشر، فإنه يكون كثير وهو ما يقارب عشر العشر أو أرفع أو بين ذلك. وهذا إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى كثرة الهالكين. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار يا رب؟ قال: فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». حتى عظم ذلك في صدور الصحابة، فقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ يعني إذا كان الناجي من الألف واحد فقط، فمن هذا الواحد؟ فقالوا: يا رسول الله، أينا ذاك الواحد؟ فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمم ويأجوج ومأجوج، أي ذكر اليهود والنصارى ومن يضل من الأمم ويأجوج ومأجوج. فدل الحديث على أن من يهلك من بني آدم كثير، ومنهم يأجوج ومأجوج، وهكذا من يضل من اليهود والنصارى وغيرهم، وهكذا من يضل ممن ينتسب إلى هذا الدين. كل هذا تحذير منه عليه الصلاة والسلام ألا نكون من الفرق الضالة والمنحرفة الخارجة عن الدين القويم والصراط المستقيم. فلذلك أيها المسلم، نحن بحاجة أن نتمسك بالدين الحق الصاف النقي الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، بأن نعلم ما بعث به مما هو في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزن أمورنا كلها بما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صلى الله عليه وسلم وصحابة الأخيار ومن اتبعهم بإحسان من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الدين الأبرار. فإن ذلك هو ميزان النجاح، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. أيها المسلمون عباد الله، هذه الآيات وغيرها من الأحاديث الكثيرة تدلنا دلالة عظيمة أن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يتابع الدين الحق الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم وأرضاهم، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا ومنهاجا. أن نزِن كل ما يمر بنا من أحوال الأفراد والجماعات وأقوال الناس على ميزان الكتاب والسنة، كما جاء عند الحاكم وغيره في المستدرك من حديث أبي هريرة ومعنى من حديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدا: كتاب الله وسنتي». وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَسِيرًا﴾. فمن يخرج ويشق طريقا غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من خيار الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فإنه يكون من الهالكين والعياذ بالله. ولذلك معاشر المسلمين والمسلمات، نحن بحاجة أن نفتش بين الحين والآخر عن وجودنا في الخط المستقيم والدين القويم والصراط السليم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر كيف رسم النبي صلى الله عليه وسلم خطا مستقيما ليعلمنا بقوله وفعله ورسمه على أهمية الثبات على هذا الدين القويم والصراط المستقيم. جاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا مستقيما وخطوطا صغيرة عن يمينه وشماله، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان، على كل طريق شيطان يدعو إليه». ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. فلذلك معاشر المسلمين، ينبغي أن نعلم أن السلامة باتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في عقيدتنا وفي عباداتنا وفي معاملاتنا وفي أخلاقنا وسلوكنا وفي منهاجنا وسيرنا إلى ربنا. أن نكون على هذا الوسط الذي يحبه الله، الوسط بميزان الكتاب والسنة، لا بعواطفنا وأهوائنا. الوسط بميزان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابة الأخيار ومن اتبعهم بإحسان من جاء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين وأئمة الأبرار. هذا الوسط الذي هو بين غلو الغالين وتفريط وتضييع المضيعين. هذا الوسط الذي أخبرنا الله عز وجل به في كتابه جملة جملة، عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا ومنهاجا. كما قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي وسط بين الأمم الضالة في عقيدتها وفي عبادتها وفي معاملاتها وأخلاقها وسلوكها. وسط بين من ضل من الأمم السابقة، بين الذين غلوا في الصالحين والأنبياء فعبدوهم من دون الله عز وجل كحال اليهود والنصارى، عبد اليهود عزيرا، وعبد النصارى المسيح، وظلوا سواء السبيل. وبين من عبد الأحجار والأشجار كالمشركين والوثنيين، ومن عبد النار وغير ذلك من أهل الخرافة. وبين أهل الإلحاد الذين لم يؤمنوا برب ولا إله. فأهل الإسلام وسط بين هؤلاء جميعا، فإن الله عز وجل هداهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم. وهكذا هم وسط في باب الإيمان بالله عز وجل في أسمائه وصفاته، بين من عطل أسماءه وصفاته كمن ضل في هذا الباب ممن عطل الأسماء والصفات كالجهمية والكلابية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين نفوا الأسماء والصفات أو نفوا الأسماء وبعض الصفات أو نفوا كذلك بعض الصفات وغير ذلك من المباحث المعروفة عنهم. وبين من ضل في باب الإيمان من الوعيدية والمرجئة، ومن ضل في باب القدر من القدرية والجبرية، ومن ضل في أهل البيت من الرافضة والناصبة، ومن ضل كذلك في باب السياسة من أهل الحزبية المقيتة والسياسات المنحرفة. ومن كان في مقابل هؤلاء ممن يجاري من ضل عن الطريق المستقيم والصراط المستقيم، ولو كان على حساب تحليل المحرمات أو تحريم المحللات. والواجب على المسلم أن يقدم طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وسط كذلك في باب التعامل مع الأئمة والعلماء، لا يغلون فيهم فيرفعونهم فوق منزلتهم، ولا يبهونهم فيتركون ما أمر الله عز وجل من توقيرهم. فالعلماء ورثة الأنبياء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب العلماء، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فلذلك علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل. وفي الحديث الآخر: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، ألا وإنه لا نبي بعدي». ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلماء في هذه الأمة، فعلماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، يستنار بما عندهم من العلم الموروث الذي ورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم كابرا عن كابر. فعلم أهل السنة والجماعة علم موروث، أيها المسلمون عباد الله، بالاستنارة بنصوص الكتاب والسنة ونصائح علماء الأمة، علماء الكتاب والسنة. هؤلاء هم الذين يوضحون ويبينون الدين القويم والصراط المستقيم، الوسطية الصحيحة، الحق بين غلو الغالين وتفريط وتضييع المضيعين. أن يبينوا كذلك ما أمرهم الله عز وجل به مما يحتاجه المسلم في عقيدته وفي عبادته وفي معاملته وأخلاقه وسلوكه وفي منهاجه وسيره إلى ربه سبحانه وتعالى. المسلم بحاجة أن يسأل أهل الذكر كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. المسلم بحاجة أن يعرف ما هو الصواب، خصوصا عند حصول الفرقة والخلاف، أن يسأل عن الصواب بما وافق السنة والكتاب، وليس الصواب بما تأخذك به العواطف، أو كذلك يجرجرك أحدهم بالخطب الحماسية والكلمات النارية التي تجرك إلى الفتن وتعصف بك، فترميك حطبا للفتن. ما أكثر الفتن التي تقع في المجتمعات، فيجرك بعض الجاهلين بحماساتهم وبعواطفهم، فيجعلونك حطبا لنار تلك الفتن وأنت لا تشعر. كما ترون عباد الله، كما ترون ممن قد اتخذ الحماسة طريقا، فدخلوا في طريق التكفير والتفجير، ودخلوا في طريق المظاهرات والخروج وغير ذلك مما نرى آثاره في هذه الفتن التي تحصل في البلاد، في بلاد الكثير من المسلمين. ولا عصمة بعد عصمة الله سبحانه وتعالى بمثل العلم النافع والالتفاف حول العلماء الربانيين الذين يعلمون الناس على صغار العلم قبل كباره. الربانيون الذين يدلون على الرب بأقوالهم وعلومهم وأعمالهم وحسن مواقفهم. هؤلاء الذين يصح فيهم أن يكونوا بقية السلف، بما يدل على سير السلف، بما عندهم من العلم النافع وما عندهم من العمل الصالح، بعيدا عن الانبطاح وبيع الدين لأجل الدنيا الفانية أو لعاعة من لعاعات الدنيا أو كرسيا أو منصبا أو غير ذلك. فهم من أبعد الناس أن يزاحموا على الكراسي أو على المناصب أو على الدنيا الفانية، وهم أبعد الناس من أن يبيعوا دينهم بشيء من عرض الدنيا الزائل. وهكذا كذلك هم أحرص الناس على نصح الخلق إلى ما فيه منفعتهم وما فيه الخير لهم، لأنهم يعلمون أن ذلك واجب أوجبه الله سبحانه وتعالى. ونحن في هذه الدنيا عباد الله كقوم في سفينة، إن لم يقم كل منا بواجب النصح تجاه أخيه غرقت سفينتنا، فلذلك لا نجاة لنا إلا بأن ينصح بعضنا بعضا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي رُقية: «الدين النصيحة». وفي رواية خارج مسلم كررها ثلاثا: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». فالدين النصيحة معاشر المسلمين، أن تنصح لنفسك، وأن تنصح لأسرتك، وأن تنصح لأبنائك، وأن تنصح لمجتمعك. أن ينصح الوالي والراعي للرعية بلسانه وبمواقفه الصحيحة التي تدل على صدقه في إرادة ما عند الله. وأن تنصح الرعية للراعي، ليس من على المنابر، ولا كذلك بالكتابات وإثارة الإشاعات، ولكن النصيحة التي تكون مقبولة بأن يؤخذ بالسر وينصح بما يعان على تغيير ما هو فيه، فيكون بذلك عونا له على قبول النصيحة. وهكذا ينصح لكتاب الله بالدلالة عليه، وأن يمتثل ما فيه. والنصح لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدلالة عليه والعمل بما فيه، لأنفسنا ولغيرنا. وهكذا النصح لكل مسلم. ولا خير فينا إن لم نقم بهذا الواجب، وخيرية هذه الأمة بالقيام بهذا الواجب، كما قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وكذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من النصح على الأمر بالصلاة. حتى قال بعض أهل العلم: صارت النصيحة والأمر بالمعروف أحد أركان الإسلام، أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، لعظم منزلته وتأكيد الأمر به في آيات كثيرة وفي أحاديث أكثر. بل غرقوا هذه الأمة إذا لم يقوموا بهذا الواجب. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم بحدود الله والواقع فيها كمثل قوم في سفينة، فكان قوم في أسفلها، فإذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا». قال عليه الصلاة والسلام: «وهذا الشاهد من الحديث: لو تركوهم ما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعا». فنحن أيها المسلمون عباد الله، مثلنا كمثل أولئك أصحاب السفينة، فإذا لم يأمر بعضنا بعضا بالخير ولم ينهى بعضنا بعضا عن الشر والضير، يخشى علينا أن تغرق سفينتنا بما يكون من نزول العقوبة من الله. وما أكثر العقوبات التي أصابت المجتمعات، وما ذلك إلا بسبب ذنوبنا ومعاصينا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا توبة نصوحا، وأن يردنا إلى دينه ردا جميلا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وأن يجزيل عنا، ويذهب عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا هذه خاصة وعن سائر بلاد المسلمين. وأن يصلح أمتنا وولاة أمورنا، وأن يجعل ولايته سبحانه بمن خافه واتقاه واتبع رضاه. اللهم آمين يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.