الدرس في كتاب الإيمان 15، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي 'الإيمان بضع وستون شعبة' ويبين أن الإيمان يتكون من شعب متعددة تتفاوت في المرتبة. يُوضح أن أعلى هذه الشعب هو التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
الحياء جزء من الإيمان ويمكن اكتسابه، وهو يربي الإنسان على حسن التعامل مع الآخرين. قلة الحياء تنافي الإيمان وتؤدي إلى سوء الأخلاق.
أدب التعامل مع الآخرين، مثل الحياء واحترام الكبار وإماطة الأذى عن الطريق، كلها من شعب الإيمان. هذه الأخلاق تعكس مراتب الإيمان وتؤثر على قلوب الناس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الباب الذي ذكره المؤلف رحمه الله: باب من لقي الله بالإيمان وغير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، وذكرها هنا الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وهناك أفراد سيأتي ذكرها إن شاء الله، نؤجلها إلى الباب الذي بعده. مما حصل فيه انفراد الإيمان والإيمان مسلم على هذه الحديث. قال رحمه الله: باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». قال: أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب أمور الإيمان. أورد رحمه الله هذا الحديث، وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وله ألفاظ كثيرة، واقتصر رحمه الله على هذا اللفظ، وهو لفظ الإيمان البخاري في هذا الموضع، كما ترون: كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان. وأخرج مسلم رحمه الله هذا اللفظ ورواه تامًا بالألفاظ، من هذه الألفاظ: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وفي الحديث مسائل من أهمها: بيان أن الإيمان شعب، وأن شعبه تصل إلى بضع وستين شعبة. وجاء في رواية: بضع وسبعون شعبة، انفرد بها مسلم رحمه الله. وعلى هذه الرواية جمع أهل العلم، أو من صحح هذه الرواية، بأن ذلك محمول أن الشعب بين هذين العددين، والناس يتفاوتون في ذلك. وذهب بعض الحفاظ وأئمة الحديث إلى أن الرواية الصحيحة ما اتفق عليها البخاري ومسلم: بضع وستون شعبة، وأن ذكر السبعين شاذ، وسيأتي إن شاء الله تنبيه عليه في الأفراد. ومن مسائله كذلك: فيه دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فإذا كان الإيمان شعبًا فهو يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصان شعبه، ودلت أدلة الكتاب والسنة على هذا المعنى. وفيه من المسائل كذلك: أن أعظم هذه الشعب التوحيد، بل هو أولها، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ويتكرر هذا في مسائل العلم كثيرًا، فالله عز وجل أخبرنا في آيات كثيرة أن مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام التوحيد: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وما بعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا كان مفتتح دعوته التوحيد: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فهو من أهم شعب الإيمان، وهو مما اتفقت عليه رسل رسالات الرسل عليه الصلاة والسلام، بخلاف تفاصيل الشريعة الأخرى في العبادات والمعاملات، فإنها قد تختلف من رسالة إلى رسالة ودين إلى دين، بحسب ما تقتضيه المصلحة ولله الحكمة في ذلك. وهكذا كذلك فيه من المسائل: أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، فهو خصلة من خصال الإيمان التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإيمان، فنقصانها نقصان في الإيمان. وذكر هذه الشعبة دون سائر الشعب، قال العلماء: فيه إشارة إلى الأعمال بأنواعها، فمنها ما هي أعمال قلبية لها أثر على الجوارح كالحياء، ومنها ما هي أعمال في الجوارح لها أثر على القلب كإماطة الأذى عن الطريق، ومنها ما اجتمع على المعنيين جميعًا كالتوحيد كلمة التوحيد. ويذكرها هنا الخصلة، ويكون في هذا التنبيه على ما كان بمعناها، فذكر الحياء فيه تنبيه إلى ما كان بمعنى الحياء من سائر الصفات الحسنة والآداب الكريمة التي ينبغي أن يتخلق ويتصف بها المسلم والمؤمن. فمن لا حياء له لا إيمان له كامل، ومن كمل إيمانه بالحياء فقد كمل من الإيمان ما كمل، لأن الحياء شعبة من شعب الإيمان. بل قال بعض أهل العلم: الحياء قرين الإيمان، يعني المؤمن الحقيقي هو الذي يتصف بالحياء. ولهذا تجد أن من يتصف بهذه الصفة يوفق أن يكون من الصادقين في أقواله وفي أعماله، وهكذا من الصالحين في أقواله في أعماله. والعكس من يكون جريئًا قليل الحياء، فإنه يكون من السفهاء، لأن قلة الحياء تلازمها ضعف الإيمان، وكمال الحياء يلازمه كمال الإيمان. وهذا يدعو المؤمن أن يجتهد في الاتصاف بهذه الصفة، فإن الصفات الكريمة تأتي بمعنيين: منها ما يكون شيئًا فطر الله عز وجل عليه العباد، كما في حديث أشج عبد القيس. ومنها ما يكون بالاكتساب، فإنما العلم بالتعلم، والصبر بالتصبر. إنسان إذا ما تعلم صار جاهلًا، وبقي على جهله، وإذا اجتهد وحرص على التعليم رفع الله عز وجل عنه الجهل، فصار متعلمًا بعد جهله، وربما عالما بعد عدم العلم. وهكذا كذلك الإنسان قد يتربى في بيئة لا تعينه على الحياء، ويتأثر الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها، فيكون عنده شيء من الأخلاق التي تنافي الحياء من الجرأة وطول اليد وطول العين وطول الأذن وطول اللسان، وغير ذلك من أمور الإجتراء على حقوق الآخرين، وهذا من قلة الحياء. فإذا تعلم العلم وأدب نفسه بأدب العلم، فإنه يكتسب خلقًا كريمًا، ومنه الحياء. كيف يربي نفسه؟ يهذبها، يسمع أنه ليس من خلق المسلم طول اللسان، وأن اللسان مما يكب الناس به في النار، فلا يكون بلسانه جريئًا. ومواضع الجرأة كثيرة، منها مع الكبير، هذا من قلة الحياء أن يكون لسانك جريئًا مع الكبير، الكبر الحسي ككبر السن، والكبر المعنوي كحامل العلم وذي السلطان والأب والأم، وكل من كان فيه معنى الكبر المعنوي. والأقربون أولى بالمعروف، فمن قلة الحياء الجرأة في التطاول على هؤلاء، وقد يكون بالابتداء، وقد يكون بالرد. قد يكون الإنسان قليل الحياء في لسانه بأن يبتدئ الكلام الجريء، فمثلًا في المناداة أدب، كيف تنادي الكبير من الحياء؟ ومن الأدب في التعامل مع الآخرين أن تنتقي أحسن العبارات في مخاطبة الكبير وندائه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، إذا كان هناك حسن وأحسن، فالإسلام يأمرك بالأحسن. فالجرأة تنافي الحياء الذي هو شعب من شعب الإيمان، فإذا قلت مثلًا لإنسان كبير في السن باسمه تناديه: يا فلان، هذا من قلة الحياء. وأعظم من ذلك أن تخطئه وتلومه، أو أعظم من ذلك أن تفحش بالقول معه، وكل هذا من قلة الحياء المنافي للإيمان. لكن أكرمه بالقول إذا ناديته، ناديه بما تعارف عليه الناس مما يكون به الإكرام، أحيانًا يا عم، أحيانًا بالكنية، أحيانًا بالوصف، وهكذا أحيانًا بالدعاء، أحيانًا بالدعاء تدعو له ثم تسأله أو تطلب منه أو تناديه. وهكذا كذلك النوع الثاني: الرد، فمن قلة الحياء أن يكون عندك جرأة في الرد على الآخرين، حتى ولو أخطأ عليك، من قلة الحياء الرد على المخطئ إذا كان أكبر منك. بل الأدب ها هنا يقتضي الصبر، هل إذا مثلًا أخطأ أبوك أو أخطأت أمك، ظنت أنك فعلت شيئًا وأنت لم تفعله: يا فلان لماذا تفعل هذا؟ ماذا ستقول على طول ترد؟ ليش تظلميني أنا ما فعلت هذا؟ لا، اصبر، سيتبين أنك لم تفعل هذا، وإذا أردت أن تبين تبين بأدب واحترام، فهذا من الحياء الذي هو شعب من شعب الإيمان. وضده كذلك مما ينافي شعب الإيمان كذلك: التعامل في حقوق الآخرين، بعض الناس لا يرعى للناس حقوقهم، ربما إذا نزل مكان يأخذ ما رأى أمامه بدون استئذان، يأخذ قلم هذا وكتاب هذا وعمامة هذا وثوب هذا، وربما بعضهم بحسنية، وربما يحصل مثل هذا كثير عند النساء إذا اختلط مجموعة من النساء، تجد المرأة ما تجد قفازاتها ولا تجد شرابات ولا تجد حيان النعال، وربما الخمار ما تجده، وتذهب أختها تأخذه بدون استئذان، هذا من الاعتداء على حقوق الآخرين. فمن الحياء أن يتعفف الإنسان عن حقوق الآخرين، وإذا احتاج يستأذن بأدب، فإن أذن له فيستعمل عند الحاجة. وهكذا كذلك الأدب في التعامل مع الآخرين، كيف تعرف حقوق الكبير؟ وكيف ترحم الصغير؟ وربما يعرف أدب الإنسان في لحظة، تجد هذه المواقف تكشف لك عن أخلاق الناس ومراتبهم في الإيمان. مثلًا جئت في مكان عام فيه كرسي، الجريء سيسبق إذا وجد شيخًا كبيرًا يريد يجلس، ماذا سيخف في المشية ويجلس قبله؟ والكريم ماذا سيفعل؟ العكس، إذا وصل إلى الكرسي قبل الكبير سيقول للكبير: ماذا تعال وتفضل واجلس؟ وإذا أبى أصر عليه إلى أن يجلسه، فالأول جريء والآخر حيي، فذاك ناقص في إيمانه وهذا كمل في إيمانه. والناس يتفاوتون في إيمانهم بتفاوت مراتب هذا الإيمان باستهفاء شعبه ونقصان هذه الشعب. هكذا كذلك حتى في النظرات وفي ابتسامة الوجه، فإنه له معاني ويدخل تحت هذه الشعب، فحياء المرأة وحياء الصغير مع الكبير، وابتسامة الكبير للصغير برحمته، كل هذا مما يدخل تحت هذه المعاني التي تعبر عن بعض ذاك الإيمان الذي عند ذاك الشخص. ومثله: إماطة الأذى عن الطريق، فهو شعبة من شعب الإيمان. وكما قال بعض أهل العلم: أنت لا تميط الأذى عن الطريق إلا وقد أمطته من قلبك، لأن لأعمال الجوارح آثار في القلب، أنت إذا أزلت الأذى عن الطريق فأنت قد وضعت وأخرجت من قلبك هذا الأذى، وإذا استمررت بهذا الفعل صار قلبك صافيا نقيا بحرصك على هذا الصفاء. لأن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والعكس بالعكس، أنت إذا صرت رجلًا فوضويًا مبعثرًا، تمشي ترمي ورقة في المسجد وتقشط القشاطة في طرف أي مكان، وتشرب الماء وترمي العلبة من السيارة، وهكذا ربما حتى في بيتك في كل مكان، فأنت لا ترمي شيء إلا وقد ووعت أذى في قلبك، حتى يجتمع مع الأذى ولو لم يكن كثرة المعاصي، لكن هو قريب من يجعل هذه القلوب مظلمة بسبب نقصان خصال الإيمان. فجلاء هذه القلوب باستيفاء خصال الإيمان، سواء الواجبات أو المستحبات أو حتى المراتب العالية في المباحث، حتى احتساب المباحث له أثر في جلاء هذه القلوب وصفاء صاحب هذا العمل، فيرتقي في إيمانه بارتقائه في عمله. ولهذا كما قال العلماء: كان هذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: «الإيمان بضع وستون شعبة»، أي شعب، والشعبة كما تعرفون المجموعة من الشيء، ويكون في الغالب فيها تدرج، فكأن الإنسان باستيفاء ذي الشعب يتدرج في الارتقاء حتى يرفعه الله عز وجل إلى أعلى مراتب الإيمان. نسأل الله عز وجل أن يطهر ألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا، ويجعلنا من أهل شعب الإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.