كتاب الإيمان  30

كتاب الإيمان 30

الدرس في كتاب الإيمان 30، 22-باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الانتساب لغير الأب الحقيقي

يناقش هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر من الانتساب لغير الأب الحقيقي، ويوضح شروط الانتساب بالولاء. كما يبين أن هذا التحذير يشمل الانتساب المباشر أو غير المباشر مع استثناء حالات الجهل أو التأويل.

عقوبة انتساب الشخص لغير قبيلته أو أبيه

هذا الفصل يوضح تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من انتساب الشخص لغير أبيه أو قبيلته، ووصف ذلك بالكفر إذا كان متعمدًا، ويترتب على ذلك مفاسد كثيرة.

التحذير من الكذب في النسبة واتهام الآخرين

يناقش هذا الفصل أهمية التورع في النسب عند وجود خلاف في الأنساب، ويحذر من الكذب في النسبة أو اتهام الآخرين بالكفر أو الفسوق دون وجه حق.

التحذير من الاغترار بالدخول إلى البلاد المقدسة

الدخول إلى البلاد المقدسة لا يضمن دخول الجنة، وترك شيء لله تعالى يعود على الإنسان بالخير. هذا الفصل يناقش أهمية الإخلاص في الأعمال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. قال حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار». قال: خرجه البخاري في كتاب المناقب، باب حدثنا أبو معمر. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب وما فيه من أحاديث، وابتدأها بحديث أبي ذر رضي الله عنه، من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، وعلى قاعدة التبويب على ما بويب على صحيح مسلم، ولفظ الحديث هو لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في الباب المشار إليه في كتاب المناقب، باب حدثنا أبو معمر. وأورد هذا الباب بعد قوله: باب نسب اليمن إلى إسماعيل، ثم ذكر أحاديث، ثم ذكر هذا الباب، وأورد هذا الحديث ليشير رحمه الله إلى أن هذا الباب فيه التحذير من الطعن في النسب، مع ما يتضمن كذلك من تحريم الانتساب إلى من لا يصح الانتساب له. فقوله: «من ادعى لغير أبيه» أي انتسب إلى غير من يصح أن ينتسب له، ولو كان أبًا بعيدًا. وفي الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها فيه التحذير والوعيد الشديد لمن انتسب إلى غير أبيه أو ادعى لغير أبيه، وهو يتناول الانتساب والادعاء المباشر أو للجد أو للأب البعيد، ومنه القبيلة، فإنه ادعاء كذلك لغير الأب. والفرق بين الادعاء والانتساب أن الانتساب ادعاء أخص، فهو بنسب، والادعاء ولو بغير نسب، وكلاهما لا يجوز. وظاهر الحديث التعميم. وأما الانتساب بالولاء، فهو مقيد، صحت به الأحاديث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم». فلو كان هناك مولى مثلًا لقبيلة ما، فنسب هذا المولى لهذه القبيلة أو نسب نفسه لهذه القبيلة، وهو معروف أنه مولى، فليس هذا من الادعاء لغير الأب. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وهو يعلمه» خرج بذلك ما كان خلاف ذلك، قد ينتسب الإنسان إلى نسب خطأً وجهلًا وتأولًا، فكل ذلك معذور فيه، وإنما المؤاخذة فيما إذا كان يعلم. فإذا كان هناك خلاف في بعض الأنساب، هل الأحوط أن تنتسب أم لا تنتسب؟ هنا يأتي ويرد هذا السؤال. بعض الأنساب مختلف فيها، فماذا يكون الحال؟ الحال والجواب أنك على ما أنت عليه، والناس يقرون على ما هم عليه، هذا هو الأصل. فإذا وجدت أن الناس ينسبون هذه القبيلة إلى هذا النسب، فالأصل أنك منهم، هذا هو الأصل، وخلاف الأصل هو الذي يحتاج إلى دليل وبرهان. فإذا لم يتبين لك بدليل واضح وبرهان بيِّن، فأنت تبقى على ما أنت عليه. ولا يجوز العكس، لا يجوز أن تسمع ناس يدعون فتأتي فتغير مثل بعض الناس في هذا الزمان، يغيرون أنسابهم بحجة أن فلان من الناس قال أنه وجد في الكتب أن قبيلة كذا ترجع إلى كذا، وأن نسب كذا يرجع إلى كذا. فمثل هذا يدخل في هذا الوعيد الشديد: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر». انظروا إلى هذا الوعيد الشديد، إلا كفر، يعني وقع في الكفر. بل بعض أهل العلم أجرى هذا الكفر على ظاهره، متى إذا استحل هذه المعصية، إذا استحل هذه المعصية علم أنها حرام واستحلها، فإذا استحل الحرام فهو كافر كفر أكبر. فلا يجوز التساهل في هذا الباب، حتى ولو كان لأجل الطاعة والعمل. بعض الناس يقول: الله غفور رحيم، نحن نريد أن نحج، سنحج هذه السنة مناهيل أو همامي أو عوامر، يقطعوا لنا فك ونذهب ونحج ونرجع، والله غفور رحيم. وهل هذا صحيح؟ ليس بصحيح، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فأنت سلكت الحج بمعصية، عملك مردود عليك، من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. مثل الرجل يسرق المال ويقول: سأحج به أو سأتصدق أو سأفعل عمرة، لا يقبل منه، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. ومن باب أولى إذا كان لأجل العمل، فكذلك في العمل لا يجوز، لا يجوز أن تقول: أنا إنسان فقير، والله يعرف حالي، ومعرفته بحالي إن شاء الله سيغفر الله لي، وتذهب وتقطع لك فك أو جواز أو غيره وتنتسب إلى غير قبيلتك، هذا حرام لا يجوز. ومع ما فيه من الحرمة الشرعية، فيه مفاسد كثيرة، تغير الأنساب خطير، خصوصًا أن بعضهم اليوم ينتسب إلى أناس بأعيانهم، وبعضهم حتى ينتسب إلى نفس القبيلة، لكن ينتسب إلى غير أبيه وجده مثلًا. وهذه جريمة عظيمة، تغيير للأنساب، وتحليل للحرام، وتحريم للحلال، ثم بعد ذلك تقع أنكحة على هذا الوجه الفاسد، تترتب على هذا مفاسد كثيرة كثيرة. وقريب من هذا، لأن فيه نفس العلة، وربما أشد، ما يفعله بعض الناس في تزويج نسائهم زواجًا كما يقال صوريا لأجل الجنسية أو لغير ذلك من الأغراض الدنيوية أو حتى الدينية، لا يجوز، لا يجوز مثل هذا. يأتي بعضهم فيزوج ابنته لفلان، وهي ليست زوجة لها، لأجل فقط يدخلها إلى البلاد الفلانية. وأعرف قصة في المهرة في رجل زوجوه بامرأة كما يقولون في الورق فقط، لأجل أن يوصلها إلى زوجها، فلما ذهب ما ردها لزوجها على طول إلى بيته. فجاء زوجها يطالب بها وذهب يشتكي بالمحكمة، صدقت من المحكمة الأوراق، المحكمة ما صدقت إلا الأوراق، والرجل يكاد يموت غيظًا، والمرأة وهي مزوجة، وأخذها رجل آخر أجنبي، خلاص استلم الفلوس، حصل الفلوس، وامرأة بالبلاش، يعني مال أعطوه مال طبعًا لأجل أن يوصل هذه المرأة. انظروا إلى المفاسد وآثار هذه المخالفات الشرعية، فلا يجوز فعل مثل هذا. والشرع لم يحرم على الناس شيئًا إلا وفي تحريمه ما هو صالح لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولم يحل لهم شيئًا إلا وفيه الخير والصلاح لهم في الدنيا وفي الآخرة. وتحت هذا تفاصيل كثيرة، وفي هذه الإشارات ما يبين لكل من أراد الله به خيرًا أن هذا من أعظم الذنوب والمعاصي، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا. وفيه كذلك ثانيًا تحريم الادعاء: «ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار»، من ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار، الأول إلى أب معين، والثاني إلى نسب مطلق، مثل ما تقدم، يعني ينسب نفسه إلى قبيلة ما، فلا يجوز. ولهذا كذلك قال بعض أهل العلم: الأنساب المختلفة ينبغي التورع في النسبة إليها، يعني مثلًا إذا اختلف في نسبة فلان إلى عدنان، كما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام، فبعض أهل العلم يقف إلى عدنان، وما بعد عدنان لا ينسب، لوقوع الخلاف في ذلك. كما يروى عن مالك وغيره، وهكذا قبائل ما كأهل اليمن مثلًا، ينسبون إلى قحطان، وما بعد قحطان في نسبتهم إلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام خلاف، فبعض أهل العلم يرى أن الأحوط التوقف في مثل هذه النسبة. فالنسبة إلى قحطان ثابتة صحيحة، وما بعد قحطان إلى إسماعيل فيها خلاف. ونحو ذلك كذلك يقال: فلو قيل لك مثلًا قالوا أنك من أهل البيت، وأنت تعرف نفسك بين آبائك وأجدادك وأهل بلدك أنك لست من أهل البيت، لا تفرح بهذه القيل، فترجع من ثاني يوم تذهب إلى بطائق الأحوال الشخصية وتحول اسمك إلى أنك من أهل البيت، لا، فهذا ليس بصحيح. وقوله: «فليتبوأ مقعده من النار» فيه هذا الوعيد الشديد، وهذا اللفظ اتفق عليه البخاري ومسلم، وشرط المؤلف إخراج المتفق عليه. وزاد مسلم لفظًا وافقه البخاري في معناه. زاد مسلم: «ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه». وافقه البخاري في معناه في رواية قال: «لا يرمي رجل رجلًا بفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». فالحديث متفق عليه من جهة ماذا المعنى، بهذه الألفاظ الثلاثة. وأما باللفظ فهو متفق عليه في الجملتين الأوليين، وأما الجملة الثالثة فهو من جهة المعنى متفق عليه. ولهذا تجد بعض أهل التخاريج يقول: الحديث الصحيحين حديث بدر، ويذكرون لفظ البخاري أو لفظ مسلم، وربما رووه بمعنى حديث بن عمر المتقدم، بمعنى حديث بن عمر المتقدم، فيقولون: هو في الصحيحين من حديث بن عمر ومن حديث أبي ذر. والصحيح أنه من حديث بن عمر، وأما من حديث أبي ذر فهو بمعنى، فحديث أبي ذر في الجملة الأخيرة منه هي بمعنى حديث ابن عمر، وتقدم الكلام على هذه الجملة. كذلك نجد أن المؤلف أخرج حديث ابن عمر في الباب المتقدم، ولم يخرج حديث أبي ذر، مع أن حديث أبي ذر بمعنى حديث ابن عمر، وما هو السبب؟ لأنه بالمعنى ليس باللفظ، لأنه بالمعنى ليس باللفظ، وهو في الصحيحين نعم، لكنه بالمعنى ليس باللفظ. وهكذا كذلك معنى حديث ابن عمر في صحيح البخاري من حديث ابن هريرة، وأخرجه البخاري بنفس الباب كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال، ولكن لأنه تفرد به البخاري لم يخرجه المؤلف رحمه الله. إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سائل يسأل يقول: ماذا يفعل إنسان أخرج له أبوه جنسية باسم عمه، وجعله ابن عمر، وجعله ابن أحمد، وهذا من صغره، فماذا يفعل الآن؟ وهو يقول: هذا مصدر رزق لي. ولو كان مصدر رزق لك، بارك الله فيك، لا يجوز مثل هذه النسبة، كما سمعت في الحديث. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، لا تضيق على نفسك واسعًا، رزق الله واسع، ما يقف عند هذه ماذا الجنسية أو هذه الأوراق. ربما بعض الناس مثلًا كمثال في اليمن حالهم والله أحسن من بعض الناس في السعودية، بطاعته لله واستقامته على السنة وتيسر حتى أسباب الرزق، حاله في الرزق أحسن من بعض الناس هناك. فليس كل من دخل تلك البلاد دخل الجنة، لا، ربما يكون حالك هناك أسوأ وأشد، حتى لا يكون تركك لذلك حاجز يحجزك، لا، من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.