الدرس في كتاب الحج 16، فصل في الهدي. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أفضل الهدي هو البدنة ثم البقرة ثم الشاة، وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة أشخاص. يُستحب للمهدي أن يأكل من هديه.
يجوز للمهدي الأكل من هديه، وينبغي الحذر عند توكيل المؤسسات لذبح الأضاحي لضمان تطبيق الشروط الشرعية. يُفضل المباشرة في الذبح لتحصيل السنة.
يُستحب توزيع الهدي في مكة على الفقراء، ويجوز ركوب البدنة عند الحاجة، كما يُستحب إشعار الهدي وتقليده للتعريف به.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: فصل في الهدي، والهدي أفضله البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، وتجزئ البقرة والبدنة عن سبعة، ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه ويركب عليه، ويندب إشعاره وتقليده، ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. هذه مجموعة من المسائل جعلها رحمه الله تعالى في الكلام على الهدي. أولها أشار رحمه الله أن أفضل الهدي البدنة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تصدق بها، ولأنها أوفر لحمًا وأكثر نفعًا للفقراء، وكلما ازداد النفع ازداد الأجر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «إنما أجرك على قدر مشقتك». فكذلك الأجر على قدر النفقة، فإن البدن أثمانها تتضاعف كثيرًا عن أثمان الغنم. حتى ولو كانت البدنة الواحدة تجزئ عن السبعة، ذلك لأن الغالب أن أثمان البدن، خصوصًا إذا كانت وافرة الصفات، أنها تكون أغلى من سبع من الغنم. أغلى من سبع من الغنم اليوم، أقل بدنها بكم تقريبًا؟ أقل لشيء في الوسط مئة ألف، يمكن مئة وأكثر. نعم، مئة ألف وأكثر، بينما تستطيع أن تشتري سبعًا من الغنم بأقل من سبعين، يمكن بسبعين أو أقل المعتدلات. فدل على أنها في الغالب تكون أغلى أغلى من الغنم، وهي أنفع للناس كذلك من جهة وفرة اللحم. فأين سبع من الغنم بلغت السن المعتبرة من بدنة؟ البدنة ربما اللحم الذي تضعه أكثر من عشرين رأسًا من الغنم المعتدل، خصوصًا إذا كانت وافرة الصفات. فلهذا كانت هي أفضل، وهكذا البقر، فإن البقر كذلك أنفع من جهة كثرة اللحم، ثم الشاة هو الغنم. فإذا كان الأنفع للناس الغنم، فالغنم هو الأفضل. ربما في زماننا هذا صار كثير من الناس لا يأكل لحم الإبل ولا يعرفه، وربما كذلك الكثير لا يستحب لحم البقر. فإذا صار كذلك، فلحم الغنم أنفع للناس وأرغب للمحتاجين. وقوله رحمه الله تعالى: «وتجزئ البقرة والبدنة عن سبعة»، كما أشار فيما جاء في حديث جابر بن عبد الله في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يشركوا في الإبل والبقر السبعة اشتركوا فيها. وكذلك صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة هل تكون مثل الجزور؟ فأخبر أنها ما هي إلا من البدن. كما أشار إليه المؤلف رحمه الله في شرحه، وهكذا جاء عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم معنى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما جاء في بعض الأحاديث أنها تجزئ عن العشرة، فإنه يحمل على أن ذلك على الجواز، إذا صحت هذه الأحاديث. وإلا فقد روى البيهقي وغيره أنه أعل هذه الأحاديث، وأن الأحاديث الصحيحة إنما فيها ذكر السبعة، وأن ذكر العشرة شذ به بعض الرواة في أحاديثه. فإذا للعلماء فيه مذهبان: المذهب الأول أنه يدل على الجواز، والأفضل السبعة؛ لأنه روي في أكثر الأحاديث. أو يجوز العشرة على من يقول بصحة الحديث، وهو يدل على المشروعية والجواز لا على الأفضل. وعلى من يقول بضعف هذه الرواية، فلا إشكال أنه لا يجزئ إلا سبعة. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه ويركب عليه». أما أن يأكل، فالصحيح أنه يستحب وليس يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وحرص عليه الصلاة والسلام أن يأخذ من كل واحدة قطعة لحم، كما روى جابر بن عبد الله عن النبي عليه الصلاة والسلام. فدل ذلك على أن الأفضل والأكمل أن من استوفى سنة الهدي أن يأكل منها. وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس من توكيل بعض الجهات من المؤسسات والبنوك وغيرها، أنه خلاف الأكمل في هذا الباب، فتفوتهم سنة كثيرة من هذه السنة. سنة الذبح فقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وفي هذا تأدية لهذه العبادة. وهكذا كذلك إراقة الدماء التي هي عبادة مستقلة يتقرب بها إلى الله عز وجل ويفرد الله جل وعلا بها وحده. وهكذا كذلك ما يكون من انتفاع الفقراء والمعوزين الحقيقيين بتفقده لهم بنفسه، فإن هذا لا يكون بمثل ما يكون عبر هذه المؤسسات والبنوك. ومنها كذلك الحرص على استيفاء الصفات التي يتحقق منها بنفسه، بخلاف ما إذا وكل المؤسسة أو البنك، فإنه في الغالب لا يكون الحرص مثل حرص صاحب الشأن. وصاحب الشأن يكون عنده من الحرص ما تستوفى به الصفات ما لا يكون إذا كان وكل غيره. بل كما قد أخبرتكم قبل في مجال السابقة، أنه أحيانًا يحصل تساهل في جهة الذبح، وفي جهة الإجزاء عن بعض الناس، وفي جهة وقت الذبح ومكان التوزيع، أشياء عظيمة جعلت الكثير من العلماء يتحفظ في إجازة المساهمة في هذه الجهات من مؤسسات أو بنوك. فأحيانًا تموت على بعض هذه المؤسسات قبل الذبح مجموعة من الأضاحي، وقد دفعت الأموال وقد حصل ما حصل. فالقليل من هذه المؤسسات من تحرص على التعويض عن تلك التي ماتت قبل الذبح. فإن حصل النقص، فالنقص لمن؟ إن حصل النقص وحصلت هذه الوفاة لبعض هذه الهدايا، فعن من تكون؟ هذا يكون هذا النقص الله أعلم من هو الذي قد دفع المال وليس له هدي، وقد مات مجموعة من هذا الهدي. وهكذا كذلك أحيانًا يأتي الوقت، ربما كما أخبرتكم أن بعض الأخوة أخبرنا وهم من أهل الاختصاص، أنه حصل في بعض الأعوام أنهم ذبحوا بعد الوقت. وهكذا كذلك ما تظافر وتواتر أنهم يخرجون أكثر هذه الأضاحي خارج مكة، بينما الواجب والأصل أن يبقى توزيع هذا الهدي في مكة، هذا هو الأصل، يبقى في ذلك إلا أن يحتملها الحجاج. وقد رخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم بأخذ لحوم الهدايا والأضاحي، وقد كان نهاهم عن ذلك في أول الأمر، كما جاء من حديث عدد من الصحابة في الصحيح وخارج الصحيح. فهذا إن دل على شيء، دل كله على أن الحاج ينبغي عليه أن يحرص غاية الحرص على أن يذبح أضحيته بنفسه، خصوصًا إذا علم أن الكثير من الفقراء في مكة لا تصلهم هذه الهدايا. لا تصلهم هذه الهدايا إما لمشقة وصولهم إلى مواضع الهدي، وإما لجهل من يوزع هذا الهدي من المؤسسات والبنوك، جهلهم أحوال هؤلاء. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. فكثير من الأسر من لا يعرفها، ومن لا يسكن بجوارها يظنها أسر مكتفية، وإذا حقق الحق يجد أنها محتاجة وأنها تستحق من هذه الهدايا. فأنت تستعين ببعض العارفين من أهل البلد الثقات وطلبة العلم الذين يعينوك على إيصال هذه الهدايا إلى تلك الأسر المستحقة في بيوت كثيرة كثيرة كثيرة في مكة متفرقة في شعابها وفي حواريها، التي من دخلها علم أن أهلها ممن يستحق هذه الهدايا. وهذا لا شك أنه أنفع، وكذلك أفضل بالنسبة للمهدي. وهكذا قال رحمه الله تعالى: «ويركب عليه»، يعني يجوز أن يركب عليه، كما أشار رحمه الله تعالى في الشرح إلى معنى ذلك. فإنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أنس، رأى رجلًا يسوق بدنة ولم يركبها، فأمره أن يركبها، فقال: «إنها بدنة»، يعني أهدى بها إلى البيت. وكما تعلمون ومر في دروس ماضية أن الهدي سمي هديا لأنه يهدى إلى البيت، لأنه يهدى إلى البيت. وهكذا يطلق الهدي لما يذبح في مكة، أي أنه من هدايا القادمين من الحجاج والمعتمرين ونحوهم. فهذا هو الذي يسمى الهدي. والهدي في الشرع يطلق على أربعة أصناف أربعة أصناف من الذبائح. ما هي هذه الأربعة؟ مرت معنا قريبًا. هدي التمتع، هدي الإحصار، هدي القرام، وجزاء الصيد. الدليل على الأول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والقرام: حديث جابر بن عبد الله، سمى ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام هديا، قال: «ولم يؤدي إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم». بقي الأخير: هدي الإحصار، وهو قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فقلنا أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا معه بدنة ولم يركبها، فقال: «إنها بدنة»، فقال: «اركبها»، كرر عليه حتى قال له في أحد ألفاظ الحديث: «ويحك اركبها»، فركبها الرجل. فدل ذلك على أن من ظن أن البدنة والهدي لا يركب فهو مخطئ، بل إنها تركب. وقد بوب بعض أهل العلم إلى أن البدنة ينتفع منها بأنواع الانتفاعات من ركوب وحلب لبن ونحو ذلك إذا احتاج إلى ذلك. وهكذا قوله رحمه الله تعالى: «ويندب إشعاره وتقليده». الإشعار