الدرس في كتاب الحج 1، كتاب الحج:يجب على كل مكلف مستطيع فوراً ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحج ركن من أركان الإسلام يجب على كل مكلف مستطيع فورًا، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وأدلة السنة. يُعد الحج تعبدًا لله بإتيان البيت الحرام ومواضع حول مكة على وجه مخصوص.
يستدل على وجوب الحج بأحاديث نبوية متعددة، منها حديث ابن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي رزين العقيلي، رضي الله عنهم، ويوضح شروط وجوب الحج وهي التكليف والاستطاعة المالية والبدنية.
يجب على كل مكلف مستطيع أداء فريضة الحج والعمرة فورًا، ولا يجوز له التأخر، كما يستحب تكرار الحج والعمرة حيث ينفيان الذنوب والخطايا مثلما ينفي الكير خبث الحديد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني، رحمه الله تعالى: كتاب الحج، قال: يجب على كل مكلف مستطيع فورًا، وكذلك العمرة، وما زاد فهو نافلة. شرع المولف، رحمه الله تعالى، في ذكر شيء من أحكام العبادات، ومر معنا كتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الصيام، ثم الزكاة، والآن شرع، رحمه الله، في كتاب الحج، فقال: كتاب الحج، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الحج. والحج هو التعبد لله عز وجل بإتيان البيت الحرام ومواضع حول مكة على وجه مخصوص، وكيفية مخصوصة. وقوله، رحمه الله تعالى: يجب على كل مكلف مستطيع فورًا، أي: أن الحج من الواجبات الشرعية، بل إنه أعظم من لفظ واجب، فهو ركن من أركان الإسلام. ولكن كما مر معنا أنه أحيانًا يعبر عن الركن بالواجب، إذ مرادهم ما أمر به على وجه الإلزام. وقوله، رحمه الله تعالى: يجب، هذا الوجوب استنبط من أدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يفيد الوجوب، فإن من صيغ الوجوب أو الصيغ التي يستفاد منها الوجوب قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، فقد ذكرت هذه الصيغة، وذلك أن هذا السياق فيه معنى الإلزام، وهو معنى من معاني الوجوب. وأكدته أدلة السنة، بل ذكر بعض أهل العلم أن التعبير بهذه الصيغة أقوى من التعبير بالأمر المجرد. وقد بسط القول في ذلك جماعة من أهل العلم في كتب التفسير، ومن المتأخرين من جمع قول المتقدمين وغيرهم الشنقيطي، رحمه الله تعالى، عند هذه الآية، أي: أنها من أقوى صيغ الوجوب. وأما من السنة، فأدلة كثيرة، من هذه الأدلة الكثيرة حديث ابن عمر في الصحيحين المشهور: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيطاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وجاء في لفظ: «وصوم رمضان وحج البيت». وهذا يدل على أن الحج من المأمور به. وهكذا حديث جبريل المشهور الذي روي من حديث ابن عمر، عن نبيه عمر، كما رواه مسلم، وهكذا جاء من حديث أبي هريرة، وأصله بالصحيحين. وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، وأخبره عن أركان الإسلام، ومنه الحج. وهكذا أيضًا أحاديث أبي رزين العقيلي لقيط بن عامر، رضي الله عنه، الذي رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه، وهو شيخ كبير لا يستطيع الحج، هل يحج عنه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حج عن أبيك واعتمر». وهكذا حديث عائشة الذي أصله بالصحيح، ورواه الإمام أحمد، رحمه الله، بإسناد حسن أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن جهاد النساء، قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». فكل هذه الأدلة وغيرها كثير يدل على وجوب الحج. وقوله: على كل مكلف، المراد المكلف كما تقدم: العاقل البالغ. وهذا من صريح كلام الفقهاء، وإلا فليس هذا في لفظ الكتاب والسنة كما تقدم، فإن التكليف لم يذكر إلا على وجه النفي. وقوله: مستطيع، يجب على كل مكلف مستطيع، المراد الاستطاعة من جهة النفقة، والاستطاعة من جهة القوة والصحة والقدرة. ويدل على ذلك نص الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ يشمل هذين الأمرين: الاستطاعة المالية والاستطاعة البدنية. فمن لم تكن عنده استطاعة مالية لم يجب عليه الحج، ومن كانت عنده استطاعة مالية وليست عنده استطاعة بدنية، فإنه يجب عليه أن يوكل، لما تقدم في حديث أبي رزين العقيلي، رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا كذلك في حديث ابن عباس في قصة الخثعمية التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أن أباها أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستقر على ظهر بعيره، فأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تحج عنه. والحديث في الصحيحين، فهذه الأحاديث تدل على أن من لا يستطيع الحج لعجزه عن النفقة يسقط عنه الحج حتى يستطيع، ومن كانت عنده النفقة ولا يستطيع لضعف في بدنه، فإنه يبقى عليه الحج ينوب ويوكل في ذلك. وقوله، رحمه الله تعالى: فورًا، لهذا أدلة كثيرة عامة من عمومات نصوص الكتاب والسنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، ونحوها من الأدلة. وهكذا كذلك بعض الأدلة الخاصة التي فيها ضعف، ومعناها صحيح. وبعضهم يحسنها بمجموع طرقها، ومنها ما أشار إليه، رحمه الله، في حديث ابن عباس: «تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». أخرجه أحمد. وكما قال، رحمه الله تعالى: فيه ضعف. وهكذا ما أشار إليه، رحمه الله، من أحاديث أخرى، فيدل على وجوب المبادرة في أداء فريضة الحج على كل مستطيع، ولا يجوز له أن يتأخر، بل يجب عليه أن يتعجل. وقوله، رحمه الله تعالى: وكذلك العمرة، يعني: وكذلك العمرة يقال فيها ما قيل في الحج أنها تجب على كل مكلف مستطيع فورًا. ودليل ذلك ذكر المؤلف، رحمه الله، في شرحه قوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ونازع بعض أهل العلم في هذا الدليل أنه يدل على وجوب العمرة، لأن فيه الإتمام بالحج والعمرة، حتى ولو كان الحج نافلة أو كانت العمرة نافلة، فإنه يجب إتمامهما. الأمر هنا بالإتمام، ليس بالابتداء. وقوله، رحمه الله تعالى: وما زاد فهو نافلة، يعني: ما زاد عن المرة الواحدة فهو نافلة، لما تقدم في حديث أبي هريرة: «لو قلت نعم لوجبت»، فهو إذن ليس في كل عام، بل هو مرة واحدة. ولكن إذا زاد عن المرة الواحدة فهو نافلة، بل ويستحب ذلك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». روي عن ابن مسعود، وبمعناه عن عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، بإسناد حسن. نكتفي بهذا.