كتاب الحج 2

كتاب الحج 2

الدرس في كتاب الحج 2، فصل في وجوب تعيين الحج بالنية ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الحج وأنواعه ومشروعيتها

شرح أنواع الحج الثلاثة ودليل مشروعيتها ووجوب تعيين النوع بالنية. يُوضح أن التلفظ بالنية بدعة وأن الإهلال هو الدخول في النسك.

أفضلية التمتع وبيان المواقيت

يتناول أفضلية التمتع لمن لم يسق الهدي، ويشرح المواقيت الزمانية والمكانية للحج والعمرة، ويبين أن العمرة ليست مشروعًا لأهل مكة.

تفاصيل المواقيت المكانية للإحرام

شرح المواقيت المكانية لأهل مختلف المناطق وكيفية الإحرام منها، وحكم الإحرام لمن يمر بالمواقيت دون نية الحج أو العمرة.

مقدمة في درس العقيدة وتأجيله

يعتذر الشيخ عن تقديم درس العقيدة في هذا الأسبوع ويعلن عن تقديمه في الأسبوع القادم بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي الكلام على ما يتعلق بأوائل كتاب الحج، وعلمنا فيما سبق كلام المؤلف، رحمه الله، في أوائل ما ذكره رحمه الله في كتاب الحج، ومن ذلك وجوب الحج وأنه يجب على كل مكلف. فما هو دليل الوجوب؟ نعم، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. نعم، ومن السنة، نعم، «بني الإسلام على خمس» حديث عمر في الصحيحين، وفيه «حج البيت». ومر معنا كذلك أن هذا الوجوب على المكلف، وما هو الدليل على ذلك؟ نعم، «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم «الصبي حتى يحتلم». ومر معنا كذلك أنه يجب على المكلف المستطيع، وما هو الدليل على ذلك؟ الدليل أن الحج واجب على المستطيع، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فمن لم يستطع فلا حج عليه. وهل معنى ذلك أن يسقط الحج بالكلية؟ ها يا أحمد، إذن يجب. ما استفدنا شيئًا، السؤال: من لا يستطيع، إذن لا حج عليه بالكلية. ها ماذا الجواب؟ إذا كان غير مستطيع لعجزه في جسده، فيوكل ما دام مستطيعًا من جهة النفقة والمال. نعم، وما هو الدليل على ذلك؟ ها يا بشير، ما هو الدليل على هذا التفصيل؟ «حديث الخثعمية: لا يثبت على الراحلة»، فأمر أن تحج عنه. نعم، وهو بالصحيح من حديث ابن عباس. وهكذا حديث أبي رزين العقيلي، رضي الله عنه، بمعنى. ومر معنا أنه على الفور، وما هو الدليل على هذا أنه على الفور؟ حديث ابن عباس الذي أشار إليه، وفيه ضعف، لكن له شواهد وعمومات في هذا الباب، والأصل في الأمر أنه على الفور. ومر معنا كذلك معنى الحج، أنه التعبد لله بقصد مكة ومواضع الحج على وجه المخصوص، أو نقول: لأداء فريضة الحج، أو لأداء المناسك على وجه الكتاب والسنة. فإذا كان كذلك، فهو التعبد لله بقصد مكة ومواضع الحج. فإذن به ننتقل إلى الفصل الذي بعده، في قوله: «يجب تعيين نوع الحج بالنية من تمتع أو قران أو إفراد، والأول أفضلها، ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة، ومن كان دونها فمهله من أهله، حتى أهل مكة من مكة». هذا الفصل جعله المؤلف، رحمه الله، في ذكر شيء من أحكام الحج. فقال رحمه الله: «يجب تعيين نوع الحج»، وأبان رحمه الله أن الحج على ثلاثة أنواع: تمتع، وقران، وإفراد. وأدلة الكتاب والسنة بالاستقراء دلت أن مناسك الحج، أو أنساك الحج، أي أنواعه، ثلاثة: إما تمتع، والتمتع هو أن يأتي بعمرة يتحلل منها في أشهر الحج، ثم يهل بالحج في يوم الثامن. والقران هو أن يقرن بين الحج والعمرة، فيبقى في عمرته محرمًا بعد فراغه منها، لا يتحلل حتى ينتهي من مناسك الحج جميعًا. والإفراد أن يأتي بحج ليس معه عمرة. والمؤلف، رحمه الله تعالى، أشار بهذا إلى مشروعية هذه الثلاثة، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وأدلة الكتاب والسنة تدل عليه. وخالف بذلك بعض الناس، فذهبوا إلى أنه لم يبق من الأنساك إلا التمتع والقران، وأنه لا إفراد. فإما أن يسوق الهدي فيكون قارنًا بين الحج والعمرة، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولا جعلتها عمرة»، يعني لأنه ساق الهدي صار قارنًا، ولا بد عليه. وإما أن لا يسوق الهدي، فعليه التمتع. وهذا القول ليس بصواب، أي نفي الإفراد من أنساك الحج. فقد دل الدليل الخاص والأدلة العامة على مشروعية هذه الأنساك الثلاثة. وفي حديث عائشة: «أن منهم من أهل بحج وعمرة، ومنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة»، ولم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام على أحد. وأما أمره من لم يكن ساق الهدي بالتحلل، وأن يجعلوها عمرة، ليس معناه إلغاء الإفراد. هذا أولًا: لأنه ليس بصريح، وثانيًا: لأن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، على هذا العمل بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أي من مشروعية الأنساك الثلاثة. ومن ذلك إفراد الحج، خصوصًا لمن قد أتى بعمرة من قبل، فإنه لا يلزمه أن يأتي بحج مع عمرة معًا، لا يلزمه. وإن كان الأحسن والأفضل أن يأتي بهم جميعًا، فالأجر أكثر، كما سيأتي إن شاء الله. لكن ليس معناه أنه لا يجوز، والإتيان بالحج مفردًا. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن سيرين، بإسناده، قال: «أفرد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحج أربعين سنة، وهم كانوا لسنته أشد اتباعًا». وأبو بكر وعمر وعثمان، يعني الصحابة جميعًا، وعلى وجه الخصوص أبو بكر وعمر وعثمان، أفردوا بالحج. بل ثبت بإسناد آخر أنهم أفردوا عشرين سنة، أي أبو بكر وعمر وعثمان. وروي بإسناده عن شعبة، أنه قال: «أفرد بالحج أبو بكر وعمر وعثمان». وعلق: «ما هو الأسود؟» يعني أن منكر الإفراد بالحج مخطئ، مخالف لقول أكثر الصحابة، رضي الله عنهم أرضاهم. وهكذا كذلك على القول الصحيح، قول من يقول بوجوب التمتع، فالصحيح أن التمتع مستحب، كما قال رحمه الله: «والأول أفضلها». فقوله رحمه الله: «يجب تعيين نوع الحج بالنية»، يعني أنه يدخل في أحد هذه الأنساك الثلاثة، يعينها. وليست النية هي التي تلفظ بها، بأن يقول: «أهل بالعمرة»، أو «أهل بالحج»، أو «أهل بعمرة وحج متمتعًا بهما»، أو «أهل بعمرة وحج معًا». فليس هذا تلفظًا بالنية، بل الصحيح أن هذا شروع في العبادة. فالنية محلها القلب. ولو كان هذا التلفظ بالنية، لقال: «نويت أن أحج هذا العام مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا»، إلى آخره. وليس هذا الذي يشرع. بل من فعل ذلك صار آتيًا لبدعة، وكان ناقصًا في دينه وعقله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، بمعناه. فالصحيح أن التلفظ بالنية لا يشرع حتى في الحج. وأما قول من يقول من أهل العلم: أن الحج استثنى فيه جواز التلفظ بالنية، فهذا خطأ. ومراده ليس ما أراده من قال بالتلفظ بالنية فيكون خلاف لفظي. إنما أراد هذه الصيغة التي ورد بها الدليل. وعند التحقيق: الصيغة التي ورد بها الدليل ليست تلفظًا بالنية، بل هذه الصيغة هي في الحقيقة إهلال بالنسك ودخول فيه. مثل قول المصلي: «الله أكبر». فإذا قال: «الله أكبر»، دخل في الصلاة، تحريمها التكبير. وهكذا كذلك هذه الأنساك، تحريمها الإهلال بها، بأن يهل بالنسك. فإذا أهل به، دخل في هذا النسك. ويجب تعيين نوع الحج، لماذا؟ حتى يؤدي. بحسب نيته. فيوافق العمل النية. واستدل له رحمه الله في الشرح بحديث عائشة: «فرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل». وفي رواية: «فمنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة». يعني أنهم أهلوا على الأنساك الثلاثة. وأشار المؤلف رحمه الله إلى بعض تلك الروايات. وما أشار إليه رحمه الله من اختلاف في إهلال النبي عليه الصلاة والسلام، أين كان؟ وذكر حديث ابن عمر، رحمه الله تعالى، أنه أهل من عند المسجد، يعني مسجد ذي الحليفة. فهذا الخلاف في الحقيقة هو بين نقل خاطئ، وبين لهض عام وخاص، يجتمع عند التحقيق في معنى ليس بضعيف. فالنبي عليه الصلاة والسلام أهل من ذي الحليفة، حين استوت به راحلته. ولا مانع أن يكون هذا الإهلال من عند المسجد، أي مسجد ذي الحليفة، لا مانع من ذلك. وأشار رحمه الله إلى ما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عباس، أنه جمع بينها، فقال: «إنه أهل في جميع هذه المواضع». فنقل كل راو ما سمع. وهذا حسن، لو أنه صح عن ابن عباس. فإنه لم يصح عن ابن عباس، لأنه روي من طريق حصيب بن عبد الرحمن، وهو سيء الحفظ. وقوله رحمه الله تعالى: «والأول أفضلها»، يعني التمتع. ثم أشار بالشرح رحمه الله إلى عدد من الأحاديث التي فيها دلالة على أفضلية التمتع. وهو كما قال رحمه الله تعالى. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولا جعلتها عمرة»، يعني أن التمتع أفضل. وإن كان هو عليه الصلاة والسلام حج قارنًا. والسبب في كون حج قارنًا هو ما علل به في هذا الحديث، فإنه قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي»، يعني لأنه ساق الهدي صار عليه الصلاة والسلام قارنًا. ولو لأنه ساق الهدي، لا أحب أن يتمتع، لكنه لا يستطيع لأنه ساق الهدي. وفيه إشارة ودلالة على أن من ساق الهدي يلزمه القران. من ساق الهدي يلزمه القران. ومن لم يسق الهدي، فالأفضل في حقه التمتع. وليس بواجب على القول الصحيح. ليس بواجب على القول الصحيح. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دخلت العمرة بالحج إلى أبد الآبدين»، فمحمول على مشروعيتها. بعد الظن أنها من المحظور، فكان أهل الجاهلية يرون أنه لا يمكن العمرة في أيام الحج، ولا يمكن التحلل منها على وجه القصوص في أيام الحج. فشرع الله لنبيه عليه الصلاة والسلام نبين لهم أن العمرة دخلت في الحج، وأنه يجوز التحلل منها في أيام الحج. وليس معناه أنه واجب. وهذا هو القول الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة. والله تعالى أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: «ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة»، به نعلم أنه توجد مواقيت الحج، مواقيت زمانية ومكانية. أما المواقيت الزمانية فأشهر الحج، لا يجوز أن يؤدى الحج ولا بعضه في غير وقته، أي في المواقيت الزمانية المعلومة شرعًا. وما هي أشهر الحج؟ ها أشهر الحج ما هي؟ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وبعضهم يقول: عشر من ذي الحجة. فهذه أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. فمن أراد أن يأتي بعمرة الحج، لا يجوز له إلا أن يكون في شوال. فعمرة رمضان لا تصلح أن تكون عمرة تمتع لمن قعد من رمضان إلى الحج. لا يصلح أن تكون عمرة تمتع. وإنما إن أحب ما دام قد أتى بعمرة وهو في مكة، أن يأتي بحج مفرد، فلا بأس في ذلك. بل هذا الأفضل في حقه؛ لأن العمرة ليست مشروعًا لأهل مكة. فقد صح عن جماعة من الصحابة والتابعين أن العمرة واجبة. ومع ذلك أنها ليست بواجبة، بل ولا بمستحب لأهل مكة؛ لأن أهل مكة عمرتهم الطواف بالبيت. لماذا؟ لأن أصل العمرة في اللغة الزيارة، كما أن أصل الحج في اللغة هو القصد. ثم هو قصد مخصوص، قصد مكة لأداء مناسك الحج على وفق الكتاب والسنة، أو قصد مكة والمشاعر، أو قصد مكة والمشاعر لأداء مناسك الحج على وفق الكتاب والسنة. والعمرة هي الزيارة، وهي زيارة البيت لأداء مناسك العمرة على وفق الكتاب والسنة. ولما كان أهل مكة هم أهل البيت، فعمرتهم أن يطوفوا بالبيت، يأتون إلى البيت ويطوفون به. وأما من كان بعيدًا، فزيارته للبيت أن يأتي بالعمرة. ولهذا روي عن عبد الله بن عباس، أنه كان يقول: «ليس على أهل مكة عمرة». حتى قال أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى: «كان ابن عباس يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة، ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت». وروي عن عطاء بن أبي رباح، رحمه الله، أنه كان يقول: «ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة واجبتان، لابد منهما. فمن استطاع إليهما السبيل، يعني وجب عليه». قال: «إلا أهل مكة، فإنه عليهم حجة، وليس عليهم عمرة؛ لأجل طوافهم بالبيت». يعني أن طوافهم بالبيت يغنيهم عن ذلك. وهكذا روي عن علي، رضي الله عنه، معنى ذلك. فالشاهد من هذا: أن من أدى العمرة في رمضان، وبقي في مكة، فإنه في هذه الحالة لا يستحب حقه أن يأتي بعمرة. لماذا؟ لأنه صار من أهل مكة. وعمرة أهل مكة الطواف في البيت. فالآفاقي الذي يأتي إلى مكة ويقعد في مكة ويستقر فيها، فحكم أهل مكة حكمه. هذا هو الأفضل في حقه. فماذا يصنع؟ يصنع أنه يأتي بالحج فقط، مفردًا. ولهذا أهل مكة يأتون بالحج مفردًا. فإن أحبا يأتي بالعمرة، إذن عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما أمر ابن عباس، رضي الله عنه أرضاه. وكما أمر النبي عليه الصلاة والسلام من؟ عائشة، عائشة رضي الله عنها آفاقية، يعني ليست من أهل مكة. فلما كانت في مكة وأرادت العمرة، أمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تخرج إلى أدنى الحل، يعني أقرب الحل. فخرجت إلى أدنى الحل، وهو التنعيم، أي أقربه. وأدت العمرة من هناك. فكذلك من جلس في مكة وأراد أن يحج متمتعًا، فعليه أن يخرج إلى أدنى الحل، فيأتي بعمرة، ويهل بإحرامه من الحل، ثم يدخل مكة. وهذا تكلف لا شك، وهو خلاف الأفضل والأكمل. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة التي لم تؤد عمرة، عائشة لم تؤد عمرة، إنما أدخلت عمرتها على الحج، أدت الحج ودخلت العمرة بالحج. ومع ذلك أخبرها عليه الصلاة والسلام أن فعلها لحجها يغنيها عن حجها وعمرتها. فأبت وبكت، رضي الله عنها وأرضاها، وأرادت إلا أن تأتي بعمرة، كما أن سائر أزواجه عليه الصلاة والسلام أتين بعمرة. فأمرها أن تخرج إلى أدنى الحل، وأمر عبد الرحمن أخوها أن يعمرها. فدل على أن عائشة لو اكتفت بحجها لأغناها وأجزأها. فكيف بمن أتى بعمرة؟ فإنه من باب أولى. والله تعالى أعلم. ومع ذلك إن أبى إلا كما قال ابن عباس: «إن أبيتم إلا العمرة»، أي لأهل مكة، «فاخرجوا إلى أدنى الحل». وفي رواية عنه: «اجعلوا بينكم وبين مكة الوادي»، يعني أدنى الحل؛ لأن حول مكة وديان. حول مكة وديان. وقوله رحمه الله تعالى: «ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة»، إشارة إلى المواقيت المكانية. وقد وقت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواقيتًا مكانية، كما جاء في حديث ابن عباس، ومعناه في حديث ابن عمر. فقال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن عباس: «قال ابن عباس: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة». وذو الحليفة موضع معروف مشهور، فيه المسجد اليوم، ويسميه بعض العامة بأبيار علي، وهو خطأ، وهي تسمية خاطئة، مبنية على قصة مكذوبة على علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قاتل فيها الجن، وهي قصة مكذوبة لا تصح. ولكن اسمها الشرعي ذو الحليفة. وفيها المسجد المعروف المشهور، مسجد ذو الحليفة. وهي أبعد المواقيت عن مكة، وتقرب من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، يقرب منه قرابة عشر دقائق، أو حولها بالسيارة. ولأهل الشام الجحفة، يعني أن أهل الشام إذا أرادوا الحج والعمرة، فإنهم يحرمون من الجحفة. وليس شرطًا، ولكن لأنه أقرب المواقيت إليهم. والجحفة موضع مشهور معروف إلى يومنا هذا، وهو أقرب إلى الساحل، وهو أقرب إلى الساحل من جهة المدينة، يوازي تقريبًا ميقات ذي الحليفة، أو هو دونه إلى مكة. ولكنه موضع مهجور، لم يسكن، وصار الميقات اليوم في موضع آخر، ينزل الناس فيه، وهو دون ذلك، وهو ما يسمى اليوم برابغ. يسمى رابغ. وهكذا كذلك قال: «ولأهل نجد قرن المنازل». وقرن المنازل موضع معروف اليوم، ولكنه بني دونه ميقات أهل نجد، فيما يسمى بالسيل الكبير. يسمى اليوم ميقات السيل الكبير؛ لأنه وافق الطريق التي يمر بها الناس، وهو دون ذاك الميقات. ولأهل اليمن يلملم. ومعنى دونه، أي قبله بالنسبة للآتي إليه، الذي يأتي إلى مكة، يصل إليه قبل أن يصل إلى قرن المنازل. وهكذا لأهل اليمن يلملم. ويلملم موضع معروف معلوم، وفيه بئر مشهورة اليوم. ولكنه لما كان على غير الخط الذي تسير عليه السيارات، جعل الميقات في موضع وازيه، وقبله قليلًا، يسمى بالسعدية. بل صار الميقات اليوم في هذا المسجد المشهور الذي يسمى بمسجد يلملم، أو مسجد ميقات أهل اليمن، وهو في خط جيزان. قال: «فهن لهن»، أي قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هن لهن»، أي هذه المواقيت لأهل هذه البلدان؛ لأن كل بلد أقرب إليه هذا الميقات. ولمن أتى عليهن من غير أهلهن كذلك، لأي إنسان يمر بأحد هذه المواقيت، ولو كان من غير أهلها. فلو مر اليمني في المدينة من ذي الحليفة، فس يحرم من ذي الحليفة. أو مر المدني من ميقات أهل اليمن، فس يحرم من ميقات أهل اليمن. أو مر الشامي من ميقات أهل اليمن، فس يحرم من ميقات أهل اليمن. وهكذا. ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة. ومفهومه: من مر بها ولا يريد الحج ولا العمرة، فليس عليه شيء، ليس عليه أن يحرم. ومن ذلك ما يسأل عنه كثير من الناس: أنهم يأتون برًا أو جوًا، ويريدون المدينة أولًا، ولا يريدون مكة. وفي أثناء مرورهم بالمدينة يمرون ببعض المواقيت، هل يلزمهم الإحرام أم لا يلزمهم؟ الصحيح والأرفق بهم: أنه لا يلزمهم الإحرام. ولكن إذا وصلوا إلى المدينة وذهبوا من المدينة إلى مكة، فإنهم عند ذلك يحرمون، فس يحرمون من ميقات أهل المدينة. أما خروجهم من اليمن أو من غير اليمن، وهم يريدون المدينة مباشرة، فليس عليهم إحرام؛ لأنهم لم يريدوا الآن الحج والعمرة، إنما أرادوا الآن التوجه للمدينة. وبقاءهم محرمين في هذه المدة فيه مشقة عليهم، وليس هو مما يجب عليهم على القول الصحيح، وهو الأرفق بهم، خصوصًا إذا كان فيهم الضعفة. وقوله رحمه الله تعالى: «وَمَنْ كَانَ دُونَهَا فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةِ مِنْ مَكَّةِ». لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فمن كان دون ذلك، فمحله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. يعني أن هذه المواقيت لمن كان خارجها، كأهل اليمن والشام والمدينة ونجد والعراق وغيرها من بلاد الدنيا، مما هو حول هذه المواقيت. ومن كان دون هذه المواقيت، مثل أهل وادي الجموم، ومثل أهل جدة، ومثل كذلك أهل الشعيبية، ونحو ذلك من المواقع التي هي بين مكة وبين هذه المواقيت، فهم يحرمون من أماكنهم، كل واحد يحرم من مكانه. من كان في فندق، فمن الفندق. من كان في بيت، فمن البيت. من كان في مزرعته، فمن مزرعته. وهكذا. ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. طيب، ثم قال رحمه الله: «حتى أهل مكة من مكة». ثم أشار بالشرح رحمه الله إلى ذات عرق، أنه أحد المواقيت. وفي هذا خلاف بين أهل العلم: هل هذا موقوف على عمر، أم أنه مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ أم أنه مما وافق فيه عمر الوحي؟ ثلاثة أقوال مشهورة. والصحيح في قول المحققين من أهل العلم: أن ذات عرق وقته عمر، رضي الله عنه؛ لأنه يوازي المواقيت. ولما كان أهل العراق الأرفق بهم أن يمرون من هذا الطريق إلى مكة، وهذا الموضع وهو موضع معروف، فيه جبل يسمى بجبل الضريبية، أو ضريبة. كان هذا الموضع أرفق بأهل العراق أن يمر به، وهو يوازي المواقيت. وقته لهم عمر، رضي الله عنه، كما جاء في صحيح البخاري: أن عمر قال لأهل البصرة والكوفة: «انظروا حذو قرن من طريقكم». قال: «فحد لهم ذات عرق». هكذا جاء في صحيح البخاري. وأما ما روي أنه جاء مرفوعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يرو في شيء صحيح صريح. بل نص الحفاظ: أنه لم يصح مرفوعًا. قال الإمام مسلم، رحمه الله، في كتاب التمييز: «فأما الأحاديث التي ذكرناها من قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت». يعني لم يصح. ثم أشار إلى تفرد الروافض بذلك، وتكلم على حديث جابر، وحديث ابن عمر، وحديث عائشة، وأنها لا تصح جميعًا مرفوعة. وقال ابن المندر، رحمه الله: «لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا». وقال ابن خزيمة، رحمه الله: «رواية في ذات عرق أخبار لا تثبت عند أهل الحديث». طيب نكتب بهذا القدر. وإلى هنا وصل، الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. طيب، نبدأ إن شاء الله درس العقيدة. نعتذر عنه في هذا الأسبوع، ويكون في الأسبوع القادم.