الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 83، الدرس الثالث والثمانون:من( باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات ... الخامسة:كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك وأنه أهلكه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مفهوم جحد الأسماء والصفات وكيف أنه ينافي التوحيد، ويستدل على ذلك من القرآن والسنة. يبين أن كفر المشركين لم يقتصر على الألوهية بل شمل الأسماء والصفات والربوبية.
يشرح المقطع أهمية مراعاة مستوى الناس عند عرض العلم، وضرورة عدم عرض ما قد يسبب الفتنة أو الكفر لجهلهم. يحذر من تكذيب ما لا يفهمونه ويشير إلى أن الأنبياء قد يأتون بما تحار منه العقول.
يناقش المقطع أهمية التسليم لما هو محكم في النصوص الدينية ورد المتشابه إلى أهله، ويحذر من الخوض في الأسماء والصفات بغير علم. يشدد على وجوب الإيمان بالأسماء الحسنى وعدم جحودها أو تحريفها.
يشرح المقطع معنى كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من الأحاديث، ويبين أن عدم الفهم لا يبرر الإنكار، بل يجب التسليم بما جاء في الحديث.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، بكتابه كتاب التوحيد، باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات، وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الآية]، وفي صحيح البخاري، قال علي: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟». قال: وروى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك، فقال: «ما فرقها؟ أولا يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه؟» انتهى. قال: ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. قال: فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. الرابعة: ذكر العلة، أنه يفضي لتكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر. الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب معنى آخر من المعاني التي تنافي التوحيد، فتنقضه أو تنقصه، وهو الشرك في الأسماء والصفات. فمن جحد شيئا من الأسماء والصفات، فقد وقع فيما ينافي التوحيد من الشرك، إما الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، على ما تقدم تفصيله في معنى الشرك الأكبر والأصغر. فقوله: «باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات»، وكما سيأتي معنا: منه ما هو يفضي إلى الكفر الأكبر، ومنه ما يفضي إلى الكفر الأصغر. قال: «وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾»، والآية مكية، نزلت في قريش، إذ كانوا يكفرون باسم الله سبحانه وتعالى الرحمن. تؤيده الآية الأخرى، وأحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، في قصة الصلح الحديبية، أنه لما أراد أن يكتب «باسم الله الرحمن الرحيم»، قالوا: «والله ما ندري من الرحمن الرحيم، ولكن أكتب كما كنا نكتب باسمك اللهم». فدل على أنهم كانوا يجحدون اسم الرحمن. وفي هذا دليل أن كفر المشركين لم ينحصر بالكفر في الألوهية، بل كان عندهم كذلك كفر في باب الأسماء والصفات، وكفر كذلك في باب الربوبية. من يستحضر دليلا على كفرهم في باب الربوبية؟ نعم، الحديث عديد، زيد بن خالد في قول بعض المشركين: «كان هذا من عقيدتهم مطرنا بنوء كذا وكذا». ومن القرآن: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، تقرير، وهو يتضمن أن بعض ذلك موجود. ويؤكده قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، فتعريف طرفي الجملة يدل على الاختصاص. فهذا يدل أن من المشركين من كان ينكر هذا المعنى من معاني الربوبية للرب جل وعلا، فهم كانوا يشركون حتى في الربوبية. ثم أقسام التوحيد الثلاثة، كما تقدم معنا، فيما ذكروا أهل العلم، متلازمة. أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، لا يوجد أحد يقع منه الكفر والشرك في أحدها إلا ويستلزم أن يقع في الأقسام الأخرى. فمن وقع منه شرك في الربوبية، استلزم ذلك شركا في الألوهية، وفي الأسماء والصفات. فهذا الذي عبد غير الله، لم يعبده إلا لأنه يعتقد أنه ينفع ويضر، وهذا معنى من معاني الربوبية. وهو كذلك يتضمن كذلك شركا في الأسماء والصفات، لأنه وصف المخلوق الضعيف بما لا يجوز أن يوصف به، فجعل له من الصفات ما هو من صفات الخالق جل وعلا في عموم قدرته، وكذلك سعة نفعه وضره. وليس هذا له، بل هذا لله وحده. وقوله: «وفي صحيح البخاري، قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» أي: مما يناسب هذا الباب، هذا الأثر، يعني: عليكم من العلم ما لا يكون به سبب كفر الناس. فإن من الناس من قد يستنكر ويكفر ببعض ما يجهل وما لا يعلم. كما أنه فيه كذلك تحذير الجاهل من تكذيب ما لا يعلمه ويفقهه، ولا يعلمه، لأن الأمر لا يقف عند إقرار العقول. فما تحيله العقول ليس هو محال، أو ما تحار منه العقول ليس هو موجب للحيرة، لأن العقول ضعيفة، وكذلك النفوس فيها شيء من الجهل. فالأنبياء قد تأتي بما تحار منه العقول، ولكن لا تأتي بما تحيله العقول، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الأنبياء قد يأتون بما تحار منه العقول، يعني: لا تفقهم ولا تفقهه العقول لضعفها وجهلها وعجزها عن إدراك ذلك». ومن هذا المشتبه الذي ما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم. ولكن الأنبياء لا يمكن أن يأتوا بشيء تحيله العقول، قد يقع ذلك باعتبار غلط الناظر، وضعف في فهمه، فيظن أن هذا فيه التناقض وما هو محال، وليس الأمر كذلك. وأما ما فيه ما سبب حيرة وعدم فهم، فهذا قد يقع، لأن هذا مما اختص الله عز وجل بعلمه لأهل العلم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، على قراءة سبعية صحيحة. وفسر ذلك بالمتشابه الذي يعلمه العلماء، ولا يعلمه غيرهم. فأفاد هذا الأثر هذين المعنيين: المعنى الأول: مراعاة المصالح من المفاسد في عرض العلم. فليس كل العلم يعرض للناس. ولهذا: باب البخاري قبل أن يراد هذا الأثر في الصحيحة، في كتاب العلم، باب: «من لم يفهم فليسأل، وليقل: لا أعلم، أو: لا أفهم». وهذا يدل على هذا المعنى، وهو أنه ليس كل إنسان عنده علم، فهو يحدث بكل ما عنده من العلم لكل الناس، لأن من الناس ما يكون بعض العلم له فتنة. كما جاء عن ابن مسعود في صحيح مسلم: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة». ومعناه: معنى ما في هذا الأثر: «حدِّثوا الناس بما يعرفون». وأما المعنى الثاني: هو أن الإنسان إذا لم يفهم الحديث ولم يعرفه، فإن ذلك لا يستلزم أن يكذب به. ففوق كل ذي علم عليم. وأثر عبد الله بن عباس الذي رواه عبد الرزاق، وهو كذلك صحيح، كما ترون، وهو في «السنة» لابن أبي عاصم. وقد صححه العلامة الألباني، كما ترون في التعليق، فيه هذا المعنى المذكور في أثر علي رضي الله عنه الصحيح، الذي أخرجه الإمام البخاري بصحيحه. فهذا الرجل لما سمع شيئا لم يفقهه ولم يفهمه، انتفض، كأنه ظن أن هذا ينافي عظمة الرب، وأنه لا يجوز الخوض في مثل هذا. فقال ابن عباس: «ما فرق هؤلاء؟» أي: ما خوف هؤلاء وتورعهم وانتفاضتهم ونحوه، إلا أنهم يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه. ومعناه: المحكم يجدون منه شيئا مما يكون منه ضعف التسليم، والمتشابه يخوضون فيه بما يكون به الهلك. والمعنى: الواجب على المسلم التسليم للمحكم، ورد المتشابه إلى أهله. ومما يناسب هذا الباب: أن باب الأسماء والصفات ينبغي أن تمر كما جاءت، كما قال العلماء: «تمر كما جاءت»، فتثبت إثبات وجود، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. تمر كما جاءت، لا تعترض بشيء من التقييدات، ولا الأفهام السقيمة. ولا يعني كونها تمر كما جاءت، أن لا يعرف لها معنى، بل تثبت على ظاهر معناها من اللغة. فإن القرآن نزل باللسان العربي المبين، فما من لفظ إلا وله معنى. ولكن معناه لا تعترض به المعاني الزائغة، لا معاني التحريف والتعطيل، ولا معاني التكييف والتمثيل. وقوله: «لما سمع قريش إلى آخره»، هكذا ذكر في كتب التفسير، وعموم الآية ولفظها يدل عليه، فهم يكفرون باسم الرحمن. وقد تقدم معنى ما أشير إليه في قصة صلح الحديبية. قوله: «فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات»، أي: كما تقدم من الآية، وأثر ابن عباس. وقد صحت أحاديث كثيرة فيها الأمر بالإيمان بهذا الباب من أبواب التوحيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة». وأحصاها يقتضي الإيمان بها وعدم جحودها. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، فإن من الإلحاد في أسماء الله جحودها، سواء جحود اللفظ أو جحود المعنى، أو كذلك التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل الذي فيه معنى الإلحاد. قال: «الثانية: تفسير آية الرعد»، يعني: كما أشير إليه من أن المشركين كفروا باسم الله الرحمن. وهذا يدل، كما تقدم، أن كفرهم كذلك وقع في باب الأسماء والصفات. وقوله: «الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع»، يعني: مما علم من حديث علي رضي الله عنه، كما أنه يتضمن كذلك إلزام الجاهل والسامع بالوقوف عما لم يفهمه، ما دام قد صح، فيرد علمه إلى عالمه، ما لم يعلم حكمه وعلمه، ولم يصل إليه فهمه، فيرده إلى عالمه، فيقول: «الله أعلم به»، أو: «نسأل أهل العلم به»، أو تقول: «آمن به على مراد الله، وعلى ما جاء عن رسول الله»، ونحو ذلك من العبارات التي ذكر أهل العلم. كما يروى معناه في عبارة الإمام الشافعي رحمه الله. وقوله: «الرابعة: ذكر العلة، أنه يفضي لتكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر»، معناه: عدم الفهم والخوض بالجهل، قد يكون سببا في تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمد ذلك التكذيب. ففيه تحذير العالم من التحديث بما يكون للناس فتنة، وفيه تحذير المتعلم ومن كان دون ذلك، كالعامة، من إنكار ما يجهل. فلا يجوز للمسلم أن يجحد ما لا يعلمه، كما تقدم. وقوله: «الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه»، يعني: كما تقدم، كونه لم يفهمه، ليس معناه أنه يجوز له أن ينكره، بل الواجب التسليم به كما جاء. والله تعالى أعلم.