القول السديد في مقاصد التوحيد 30

القول السديد في مقاصد التوحيد 30

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 30، الدرس الثلاثون:من( باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ... أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءلة مع الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره

يتناول هذا الفصل شرح باب من الشرك وهو الاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره، ويشرح معنى الاستغاثة والدعاء وعلاقتهما بالتوحيد. يُفسر الآيات القرآنية ذات الصلة ويبرز مسائل مهمة تتعلق بالشرك الأكبر وخطورة دعاء غير الله.

معنى الدعاء وحدوده في الشرع

الدعاء في الشرع هو طلب النفع بحصول خير أو دفع شر مع تعظيم وذل، ولا يجوز إلا لله سبحانه وتعالى. الاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره فيما لا يقدر عليه المخلوق يعتبر من العبادة لغير الله.

دعاء غير الله وشرك الربوبية وتفاصيله

يشرح هذا الفصل أن دعاء غير الله يعتبر شركاً، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية، كما يبين أن بعض المشركين وقعوا في شرك الربوبية، وأن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة. يوضح أيضاً أن مشركي هذا الزمان أشد شركاً من مشركي الزمان الأول لثلاثة أسباب.

الإشراك في الرخاء والشدة وتوضيحه

يشير هذا الفصل إلى أن هناك من يشرك بالله في حالتي الرخاء والشدة، ويتم الإشارة إلى أن هذا الموضوع سيتم تناوله بشكل جزئي مع الإشارة إلى استكماله في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. وقول الله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾، ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، وقوله: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾، وقوله: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾ الآيات، وقوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾. قال: وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله". وفيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. الثانية: تفسير قوله: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾. الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا. السابعة: تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. التاسعة: تفسير الآية الرابعة. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله. الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه. الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو. الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة. الخامسة عشرة: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة. السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين. الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد والتأدب مع الله سبحانه وتعالى. أورد الشيخ الإمام، رحمه الله تعالى، هذا الباب في سياق ذكره للأبواب التي فيها شيء من الشرك مما ينافي التوحيد. وقال: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره". وقوله "باب" كما تقدم، المراد من الباب المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام شيء مما هو من الشرك، وهو الاستغاثة بغير الله والدعاء لغير الله. ومناسبة ذكر الاستغاثة والدعاء ها هنا أن الاستغاثة والدعاء فيها معنى جامع مع الاستعادة، فإن الجميع فيه معنى حصول مقصود. فالاستعادة هي طلب الحماية بطلب دفع الشر والمكروه والسوء، والاستغاثة طلب العون على مخوف، والدعاء طلب النفع بحصول خير أو دفع شر. وبه نعرف وجه الجمع بين الاستغاثة والدعاء، فإنه جمع بينهما لتداخلهما، فالاستغاثة والدعاء فيهما تداخل، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة. لأن الاستغاثة، كما مر معنا، هو طلب العون على مخوف، ولذلك يكون في الشدة. فإن الله عز وجل ذكر لنا في كتابه معنى ذلك في مواضع، ومنه قوله سبحانه: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾، هذا متى؟ يوم بدر، وقت شدة، والعدو كثير. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء الاستسقاء: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". فالاستغاثة تكون في الشدة، فهو طلب العون على أمر مخوف. وأما الدعاء، فهو طلب النفع بحصول خير أو دفع شر، وهو لغة النداء. وأما معناه في الشرع، فهو طلب النفع بحصول خير أو دفع شر، وهو النداء لغة. ولا يعني كونه النداء لغة أننا نستدل كما استدل عباد القبور بأدلة النداء فيما جاء فيه نداء مخلوق لمخلوق على أنه يجوز دعاء مخلوق من مخلوق، لأنه هناك فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. قال الشاعر: "وداع يا من يجيب إلى الدعاء"، فهنا بمعنى النداء. أما الدعاء الذي هو عبادة، فهو ما يكون معه معنى التعظيم والاستكانة والخضوع والذل. فإذا كان كذلك، فهو الدعاء الذي لا يجوز أن يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. فمن المغالطة والكذب أن نسمي الدعاء الذي هو عبادة أنه نداء، فنجعل دعاء من يدعو غير الله، قبرا كان أو وثنا، شجرا أو حجرا، يدعوه في حصول نفع أو دفع ضر، أنه مثل قول القائل: "يا زيد". فرق بين هذا وهذا، كما بين السماء والأرض. حتى لو قال: "يا زيد أعني"، فإنه كما مر معنا فيما سبق، هذا فيما يقدر عليه الإنسان. وأما ما لا يقدر عليه المخلوق، فلا يجوز إلا أن يكون من الله سبحانه وتعالى، كما مر معنا في الاستعادة. فكذلك يقال في الاستغاثة. فالاستغاثة على قسمين: استغاثة من المخلوق فيما يقدر عليه، وهذا له شروط. ومن شرطه الأول: أن المخلوق يقدر عليه. والثاني: أن يكون من المخلوق الحاضر للغائد. ومن شرطه كذلك: أن يكون فيه أن لا يكون فيه معنى من معاني التعلق بهذا المخلوق على وجه ينافي توحيد الرب سبحانه وتعالى، كأن يجعل للمخلوق معنى من معاني الربوبية، أو يتعلق به تعلق يكون فيه معنى من معاني الألوهية. فالاستعاذة بغير الله، والاستغاثة بغير الله، ودعاء غير الله، إذا كان معه تعظيم وذل واستكانة، فهو من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. بل لو زعم أنه ليس معه تعظيم وذل واستكانة، فيقال: الأصل أن هذه الثلاث عبادات لا يجوز أن تطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. ولهذا احتاط بعض أهل العلم حتى في الألفاظ، فقالوا: الاستعاذة إذا طلبت من المخلوق فيما يقدر عليه، لم تسمى استعاذة، وإنما سميت استجارة. سميت استجارة، فأنت تستجير بفلان، ولا تقول: أنت تستعيذ بفلان، زيادة في الاحتياط في اللفظ. وهذا كذلك ينقلنا إلى أن الشرك في الاستعاذة والاستغاثة والدعاء لا ينحصر بالألفاظ وقول اللسان، بل قد يكون كذلك بالأفعال، كما نص العلماء على ذلك. فإنه ربما يكون هناك معنى الدعاء، لكنه دعاء العبادة. وبين دعاء العبادة ودعاء المسألة عموم وخصوص. فدعاء المسألة يستلزم دعاء العبادة. ودعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة. فقول القائل: "يا عيدروس أغثني"، هذا دعاء ماذا؟ دعاء مسألة، هذا يستلزم دعاء العبادة، كونه دعاء بلسانه، دعاء مسألة تضمن أو استلزم عبادة غير الله، استلزم عبادة غير الله، فوقع في الشرك. ودعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة، فلو أتى بقبر العيدروس وطاف به وذبح عنده وقعد عنده يفعل ما يفعل مما يدل على التعظيم والخضوع والذل، فهو فعل دعاء ماذا؟ دعاء العبادة. ودعاء العبادة يتضمن دعاء المسألة. ثم ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، قال: وقول الله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾. والشاهد من قوله: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾. فهم يدعون غير الله، وهذا من الشرك، أي أن المشركين كانوا يدعون غير الله، وهذا هو الشرك. ودعاؤهم كان مستلزما لمعنى الشرك، لكونهم يريدون نفعا أو دفع ضر، وهذا هو كان مقصودهم من الدعاء. والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو منزه عن الشرك، لكن المراد هو أن من وقع في الشرك فإنه لا يأمن عاقبته في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، أن حقيقة الأمر هو أن الله وحده هو المتفرد بذلك، فهو النافع والضار سبحانه وتعالى وحده. ولهذا قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانا﴾، فهم في الحقيقة دعوا غير الله، فعبدوا غير الله. قال: وقوله: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾. الشاهد أن الرزق لا يطلب من غير الله، بل يطلب من الله سبحانه وتعالى وحده. وأن ابتغاء الرزق من غير الله هو من دعاء غير الله وعبادة غير الله. ولهذا قال بعده: ﴿واعبدوه﴾، أي عبدوا الله وحده، واطلبوا الرزق منه وحده. وفيه دليل كذلك على أن بعض المشركين وقعوا في شرك الربوبية، كما وقعوا في شرك الألوهية. أن بعض المشركين وقعوا في شرك الربوبية، كما وقعوا في الشركة الألوهية. فبهذه الآية دليل على أن بعض المشركين كان يطلب الرزق من غير الله. وهكذا في سورة الذاريات: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾، إشارة إلى أن بعض المشركين لا يعتقد ذلك. وبهذا نعرف أنه من الخطأ أن نقول: أن المشركين لم يقعوا في شرك الربوبية. نقول: نعم، قد يكون الكثير منهم، لكن ليس معناه أن جميع المشركين لم يقعوا في شرك الربوبية، بل فيهم من وقع في شرك الربوبية. على أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن لم يقم بواحد منها فإنه وقع في الشرك فيها جميعا. أقسام التوحيد: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات متلازمة. لا يقال لإنسان موحد حتى يكون قد وحد الله في جميع هذه الأقسام الثلاثة. فإذا أشرك في واحد منها، فإنه يستلزم ذلك وقوعه في الشرك في الأقسام الأخرى، لأن بينها تداخل، فكل واحد منها يستلزم أو يتضمن الآخر. قال: وقوله: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾. الشاهد: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله﴾، فإن المشركين دعوا غير الله، وكان هذا مما كان به الحكم عليهم بالشرك. فلا فرق بين من دعا وثنا فيما سبق، أو دعا قبرا فيما لحق. فمن دعا غير الله وقع في الشرك، فإنه لا يستجيب، أي هذا المدعو، سواء كان ميتا أو كان حجرا أو شجرا أو غير ذلك. وقال: وقوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾. الشاهد قوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾. ومعنى أن المشركين كانوا في الضراء الشديدة والضرورة يلجؤون إلى الله، وفي غيرها في الرخاء، فإنهم يدعون غير الله، وكان هذا شركا. وإذا كان كذلك، فمن وقع مثل فعلهم، فهو على الشرك. فمن دعا غير الله في الرخاء، ودعا الله في الشدة، فعلى مثل فعل المشركين، كما قال الله عز وجل: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن مشركي هذا الزمان عندهم من الشرك أشد من شرك المشركين من ثلاثة أوجه. أن مشركي هذا الزمان وقعوا في شرك الربوبية والألوهية، اجتمعوا على ذلك. الثاني: أن مشركي هذا الزمان عبدوا أناسا كفرة فجرة سحرة، بينما مشركي ذاك الزمان عبدوا الصالحين، وعبدوا أصناما لا تظلم ولا تعظم. الثالث: أن مشركي هذا الزمان أشركوا في الرخاء وفي الشدة. فصار مشركو هذا الزمان أشد شركا من مشركي الزمان الأول من ثلاثة أوجه: كون شركهم وقع في الربوبية والألوهية، وثانيا كونهم أشركوا بعبادتي فجرة سحرة كفرة، ممن لا يعبد الله أو يعبد مع الله غيره. وهذا الغالب على أولئك الطواغيت الذين يسمونهم أولياء، بعضهم ما يصلي، وبعضهم يفعل الفواحش، وبعضهم يزعم أنه يصلي في مكة، وبعضهم يفعل السحر، وهكذا أشياء كثيرة. بينما المشركون الأولون عبدوا أصناما ليس لها معصية، وهكذا. الثالث: أنهم أشركوا في الرخاء وشدة. نكتب بهذا ونترك الباقي لدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.