الدرس السادس والأربعون:من(باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد ...كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه)
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حماية التوحيد ومنع كل ما يؤدي إلى الشرك، واستدل بآية من سورة التوبة وتفسيرها وأحاديث نبوية شريفة. هذا يدل على أهمية التوحيد في الإسلام.
شرح حديث النبي حول تحريم جعل القبور عيدا وتكرار زيارتها، وبيان أن زيارة قبر النبي يجب أن تكون كما تزار المقابر الأخرى بدون تكرار أو يوم محدد. كما يشير إلى أن الصلاة على النبي تبلغه من أي مكان.
النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه أعمال أمته بالصلاة والسلام، ويبلغه السلام ملك يسلّم عليه. هذا يدل على بطلان اعتقاد سماع غير النبي للأحياء مباشرة ويحتوي على شبهة شرك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. فأول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ الآية. قال نبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات. قال: وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: لا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» قال: رواه في المختارة. قال: فيه مسائل: الأولى تفسير آية براءة، الثانية إبعاده أمة عن هذا الحمى غاية البعد، الثالث ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته، الرابع نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال، وعلى وجه مخصوص سيأتي ما معنى ذلك إن شاء الله، قال: نهيه عن الإكثار من الزيارة، السادسة حثه على النافلة في البيت، السابعة لأنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة، الثامنة تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب، التاسعة كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته بالصلاة والسلام عليه. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب تبعا ونسقا مع الأبواب المتقدمة، وهو يشير بهذا إلى أن المطلوب من هذه الأمة هو أعظم مما طلب وأشير إليه في الأبواب المتقدمة. فالأبواب المتقدمة التي فيها إشارة إلى ما جاء من النهي والتغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ وما جاء كذلك من النهي عن الغلو في قبور الصالحين، فكيف بمن سيرى أوثانا فعبدها من دون الله؟ فبينها هنا في هذا الباب ما هو أعظم من ذلك، وهو أن ديننا دعا إلى سد كل طريق يوصل إلى الشرك، وأمر ديننا بحماية حمى التوحيد. قال: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، أي هذا مدخل في معرفة شيء من الأدلة مما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام فيما فيه حماية لجناب التوحيد، وما فيه سد لكل طريق يوصل إلى الشرك. ثم ذكر الآية، وفي هذه الآية إشارة إلى أن ما يأتي من نبينا عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله، فهو من برهان ما أخبر الله به في هذه الآية من حرصه على أن يصل كل خير إلى هذه الأمة، وأن يدفع عنهم كل سوء وشر. قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ ومثله قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الصحيح مسلم أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدعو إلى خير ما يعلم لهم، وحقا عليه أن يحذرهم من شر ما يعلم لهم». ثم ذكر هذين الحديثين، الحديث الأول حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. وأشار المعلق إلى تصحيح العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه في الصحيحة بداود، وهكذا ذكره كذلك في مواضع أخرى. والحديث الثاني حديث علي بن الحسين، وروي مرسلا ومرفوعا موصولا، وهو كذلك بمجموع طرقه حديث حسن. قال: ومثل هذا لا يقال بالرأي، حتى ولو كان موقوفا على علي بن الحسين، فمثل هذا لا يقال بالرأي، ولهذا صححه كثير من العلماء والمحققين والحفاظ رفعه، وأنه صحيح، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. أما الحديث الأول حديث أبي هريرة، فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا»، هذا الاقتران يدل على أن كما أن البيوت لا ينبغي أن تهجر من الصلاة، ففي المقابل لا ينبغي القبور أن تعظم بأي نوع من أنواع التعظيم، ومنه الصلاة. وقوله: «ولا تجعلوا قبري عيدا»، العيد هو ما يعاد إليه بتكرار الزيارة أو تكرار القول والفعل فيه على وجه الاستمرار، إما بيوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. والمقصود لا تجعلوا لقبري وصفا خاصا يتكرر عليكم فيه. قال: واستدل العلماء بهذا على أنه من حماية حمى التوحيد عدم تكرار الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كره جماعة من السلف، وروي عن ابن عمر وغيره كراهية تكرار ذلك. قال: فلو رأينا إنسانا كل صلاة يذهب فيزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام، نقول له: هذا ليس من السنة، وليس مما يحبه الله ولا رسوله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا قبري عيدا». كذلك من يحرص أن يزور ويكرر في يوم محدد، خصوصا إذا كان على وجه اجتماع يذهبون جماعة فيكررون الزيارة في وقت محدد، هذا كذلك يدخل في معنى اتخاذه عيدا. فإن قال قائل: كيف إذا كانت زيارة القبور، وقبر نبينا عليه الصلاة والسلام أولى بالزيارة؟ فيقال: تزار كما تزار المقابر، هل يجعل يوم محدد للمقابر في الزيارة؟ الجواب: لا، بل على ما يناسب المقام، ليس هناك يوم محدد ولا تكرار مستمر، وإنما على حسب ما يناسب المقام. قال: ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر في قوله: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، معناه: من جاء ليصلي علي، ومن الصلاة الدعاء والسلام، فإنه يصلي ويسلم من أي مكان، حتى ولو كان في آخر الدنيا، فإن ملكا يأخذ هذا السلام والدعاء والصلاة فيبلغ النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه دليل كذلك كما ذكر شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم: أن من قرب لا يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة، بل يسمعه بواسطة الملك، الملك يأخذ هذا التسليم ويبلغه إياه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، فمن في القبور لا يسمعون دعاء الأحياء ولا نداءهم. قال: فاستفدنا من هذا أنه لا يجوز الدعاء عند قبره عليه الصلاة والسلام، فضلا عن دعائه أو عن الصلاة إليه أو غير ذلك مما هو من الشرك الأكبر. ومنه كذلك أن لا يكون هناك يوم محدود يخصص بزيارة، لا سنوية ولا شهرية ولا أسبوعية. قال: وقد يكون بعض الحلال ممنوعا ومحرما إذا كان مصاحبا له الذريعة للوقوع في الحرام. وليس هذا في كل شيء، وإنما ما كانت الذريعة فيه قوية، حرم النظر إلى المرأة الأجنبية خشية الوقوع في الزنا. وهكذا كذلك حرم اتخاذ القبور في المساجد خشية أن تعبد من دون الله. قال: وفي الحديث الثاني: «لا تتخذوا قبري عيدا»، فيه المعنى الذي تقدم. «ولا بيوتكم قبورا»، فيه المعنى الذي تقدم، أن القبور لا يجوز أن يصلى فيها، كما أنه لا ينبغي أن تهجر البيوت من الصلاة. وفي قوله: «وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم»، فيه دليل كذلك على عدم لزوم الوصول إلى القبر في الصلاة والسلام عليه عليه الصلاة والسلام. قال: لا يلزم أنك تأتي إلى قبره لأجل أن تسلم عليه، فأنت ممكن تسلم عليه وأنت في بلادك، وأنت في طرف المسجد، حتى ولو كنت داخل الحرم المدني، فأنت في أي طرف من الحرم المدني، فأنت تسلم عليه، يبلغه عليه الصلاة والسلام السلام بالملك الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: الأولى تفسير آية براءة، يعني أن من معاني حرصه على الخير ودفعه للسوء والشر عن هذه الأمة حماية حمى التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك. قال: الثانية إبعاد أمة عن هذه الحمى غاية البعد، يعني لما جاء في هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة التي فيها حماية حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليق الأوتار حماية لحمى التوحيد. قال: الثالث ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته، يعني بتفصيل العلم فيما علمنا إياه عليه الصلاة والسلام مع ما ذكره الله في الآية. وقوله الرابع نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال، يعني إذا كان هذا الوجه فيه شيء من الغلو أو شيء مما قد يفضي إلى الشرك، فإنه مما ينهى عنه. قال: السادسة حثه على النافلة في البيت، يعني حتى لا تكون البيوت قبورا، احرص على أن تصلي أحيانا في بيتك النوافل. فكذلك القبور لا يجوز أن تصلى فيها. ومنه قراءة القرآن، كما مر معنا في حديث أبي هريرة: «لا تجعل بيوتكم قبورا»، ثم ذكر أن الشياطين لا تدخل البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة. قال: فدل على أن قراءة القرآن مما لا يجوز كذلك أن تكون في القبور، لأنه قال: «لا تجعل بيوتكم قبورا»، يعني بعدم قراءة القرآن. وقوله السابعة لأنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة، يعني لأجل قوله: «لا تجعل بيوتكم قبورا». قال: الثامنة تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب، يعني أن السلام والصلاة عليه إذا كان يصل ولو كنت بعيدا، فلا حاجة لأن تحرص إلى القرب. قال: التاسعة كونه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته بالصلاة والسلام عليه، يعني أنه عليه الصلاة والسلام له هذه الخصيصة، ومع ذلك فليس يعلمها مباشرة، بل بالملك الذي يسلم عليه. قال: فما يظنه عباد القبور فيمن هو دون النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسمعهم مباشرة، هذا باطل وخطأ، مع ما فيه من الشرك. فهذا نبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن السلام يبلغه بالملك الذي يبلغه إياه. نكتفي بهذا، ونترك إن شاء الله الباقي في درس لاحق، والله تعالى أعلم.