القول السديد في مقاصد التوحيد  93

القول السديد في مقاصد التوحيد 93

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 93، الدرس الثالث والتسعون:من( فيه مسائل-الأولى:النهي عن سب الدهر ... بل يرضى بتدبير الله ويسلم لأمره وبذلك يتم توحيده وطمأنينته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

النهي عن سب الدهر وتحريمه

يناقش النهي عن سب الدهر ويربطه بالشرك، ويوضح الفرق بين سب الدهر ووصفه. يُحذر من سب الدهر والتشاؤم من الأوقات.

معنى الأذى والضر في حق الله

يشرح معنى الأذى والضر في حق الله تعالى، ويبين أن الأذى ليس هو الضر، وأن الله نفى عن نفسه الضر وأثبت الأذى.

علاقة سب الدهر بالتوحيد والإيمان

يشرح حديث النبي حول سب الدهر وعلاقته بسب الله، ويبين أن سب الدهر يعتبر نقصًا في الدين والعقل ويتنافى مع التوحيد.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيه مسائل. الأولى: النهي عن سب الدهر، يعني بما ورد في الآية والحديث، وأنه لا يجوز، وهو مما ينافي كمال التوحيد، فينقصه، بل وربما ينقضه. ولهذا ذكر الآية والحديث. فالآية في قول المشركين، مشركي العرب وغيرهم، الذين ينسبون الأعمال إلى الدهر، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. فقولهم شبيه بقول الفلاسفة الذين يزعمون أن تدبير هذا الكون إنما هو لهذا الدهر. فقائل ذلك يكفر الكفر الأكبر، ويقع في الشرك الأكبر، إذ نسب التصرف في هذا الكون إلى غير الله. بل لو نسب بعض الحوادث إلى غير الله، فإنه يصل إلى الكفر الأكبر، مثل أرباب وعباد الكواكب. وتقدم معنا حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، فهو فيه بعض هذا المعنى. والمقصود أنه لا يجوز أن يسب الدهر؛ لأنه يفضي، مع حرمته، إلى الشرك الأصغر أو الأكبر. وسبه يكون بفعل ما به يسوءه. إذا وقع للإنسان ما يسوءه فسب الدهر، فهذا سب. وليس من السب وصف الدهر بما فيه، كأن تقول: هذا يوم شديد، كما قال الله عز وجل في قصة لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. فوصف اليوم بأنه عصيب وشديد، ليس من سبه، ولكن من وصفه بحسب ما ابتلي به. وكما قال الله عز وجل في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في السبع السنوات الشديدات: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾. فوصف هذه السنوات السبع بالشدة، فليس هذا من السب، بل هذا من الوصف. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه»، هذا ليس من السب، ولكنه من الوصف. ومن باب أولى إذا كان وصفًا مخصوصًا، مثل قول الله عز وجل عما أصاب المشركين: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾، وقال: ﴿فِي يَوْمٍ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍٍ﴾، وقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾. فهذه الآيات وما كان بمعناها، ليس فيها سب الدهر، ولكن فيها وصف للعذاب الذي وقع على هؤلاء المشركين. فهو بالنسبة للمشركين نحس وعذاب، وبالنسبة للمؤمنين نصر وفتح. فليس هذا من باب السب، ولهذا لم يقل أحد أن هذا من باب النحس لذاته، وإنما هو باعتبار من وقع عليه العذاب. وإلا فلم يكن نحسًا لكل أهل الأرض، بل العكس، كان بالنسبة للمؤمنين نصرًا وفتحًا، وكان بالنسبة للمشركين نحسًا وعذابًا. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله مبحثًا نافعًا، مطعًا، نفيسًا في هذا في كتابه العظيم النافع «مفتاح دار السعادة»، فليرجع إليه. وبهذا يزول الإشكال في أشياء نحو هذا قد ترد، ظاهرها التعارض، وليس فيها تعارض. وقوله رحمه الله: الثانية: تسميته أذى لله. وتقدم معنى أنه بما لا ينافي كمال الله سبحانه وتعالى. وهذا المعنى قد ثبت في الكتاب وفي السنة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فأثبت وقوع الأذية من أهل السوء لله وللرسول. وهذه الأذية ليس معناها الضر؛ لأن الله نفى عن نفسه الضر. ولهذا قال بعض أهل العلم: الأذى لغة ما خف أثره وأمره من الشر، فهو ليس الضر. وأما الضر فنفاه ربنا جل وعلا عن نفسه، وأن يصيبه أحد من خلقه به. ولهذا فسر الأذى بالغضب، أنه ما يكون من الغضب. والصحيح أنه ليس الغضب، وإنما الغضب أثر من آثار الأذى، وليس هو الأذى. ولكن نثبت هذا على ما يليق بكمال الله جل وعلا، على قاعدة: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ». فمن حكمة الله قدم النفي على الإثبات، حتى يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة، فيكون على الوجه اللائق بالله. أنت حين تقول: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، فأنت تنفي عنه أولًا المماثلة، فإذا أثبت شيئًا، وقد نفيت عنه المماثلة، كنت بذلك قد أثبت مثبتًا على قلب خال من توهم المماثلة، فيكون على الوجه اللائق بالله. وهذا هو المقصود إثباتًا هنا، إثبات ما أثبت الله لنفسه في كتابه، وفي سنة رسوله، من دون أن يتعرض بشيء من التعطيل والتمثيل. وأما الضر فقد نفاه الله عز وجل عن نفسه. قال الله عز وجل في سورة آل عمران: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. وقال جل وعلا في سورة التوبة: ﴿وَلَا يَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾. والله على كل شيء قدير. وقال كذلك في سورة هود: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾. إن ربي على كل شيء حفيظ. وفي الحديث القدسي المشهور: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني». فنفى عن نفسه الضر، أو أن يضره أحد من خلقه، وأثبت الأذى. فعلم أن الأذى غير الضر. الأذى غير الضر، وليس فيه ضر، وليس فيه ضر أبدًا؛ لأن الضر نفاه مطلقًا. وأما قول من قال بأنه مجاز، وأن المراد به غضب الله على خلقه، فهذا صرف للنص عن ظاهره بغير حجة ولا برهان. وقوله: الثالث: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر»، يعني أنه ليس اسمًا من أسماء الله، وأنه الفاعل سبحانه وتعالى لما يجري في هذا الدهر. فلا يجوز أن يسب الدهر؛ لأنه سب لفعل الله. والسب كما تقدم معنى يكون بصور وكيفيات كثيرة. وقوله: الرابعة: أنه قد يكون سابًا ولو لم يقصده بقلبه، يعني ليس من شرط السب أن يكون في قلبه قصد، يعني أن يسب الله. ولهذا قال: سابًا بالتنكير، يشمل سب الدهر الذي يؤدي إلى سب الله سبحانه وتعالى. ولهذا بعضهم قال: لو قال: قد يكون مؤذيًا لله ولو لم يقصده بقلبه، لكان أحسن. والصحيح أن ما ذكره يكفي؛ لأنه قد أشار قبل ذلك أن السب يتناول يتناول أذى الله، بذكر الحديث: «يؤذيني ابن آدم». فإذا من سب الدهر، فإنه بهذا سب الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تنقص أفعاله التي تجري في الدهر. وقد علمنا أن المراد بسب الدهر: أي بفعل ما يسوءه. وكونه يقع في ذلك، ولو لم يقصده؛ لأنه شارك المشركين في فعلهم، وإن لم يكن قد شاركهم في اعتقادهم. ولا يجوز أن يشارك المسلم المشرك في لفظه، فضلًا عن اعتقاده. ومن تأمل هذا المعنى، وجد أن أكثر التطير والتشاؤم يأتي من هذا الباب. قال الشارح رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد سب الله. وهذا واقع كثيرًا في الجاهلية. وقد ذكر البغوي رحمه الله في شرح الحديث أشياء تدل أن ذلك كان كثيرًا عند أهل الجاهلية. قال: وتبعهم على هذا كثير من الفساق والمجان والحمقى. وذلك لأن الفاسق لا دين له، والماجن كذلك. وسبب تخصيص الماجن؛ لأن أهل المجون، وهم أهل الفساد، في معنى خاص يحصل منهم ذلك كثيرًا؛ بسبب ما تعلقت قلوبهم بالدنيا، وصار بذلك عندهم شيء من عقائد الدهريين، وإن لم تكن. فأفعالهم كأفعالهم. وأما الحمقى، وهم أشباه المغفلين الذين هم أتباع كل ناعق. ولهذا ذكر في قصص الأنبياء والمرسلين قبل من أجناس هؤلاء الثلاثة من وقع منه معنى ذلك، كقوم لوط، وكذلك ما وقع في بعض قوم فرعون، وغيرهم ممن كان في قوم نوح وشعيب. قال: إذ جرى التصاريف الدهر على خلاف مرادهم، جعلوا يسبون الدهر والوقت، وربما لعنوه. وهذا ناشئ من ضعف الدين، ومن الحمق والجهل العظيم. فإن الدهر ليس عنده من الأمر شيء، فإنه مدبر مصرف. والتصاريف الواقع فيه تدبير العزيز الحكيم؛ لأن الله هو الفاعل لما يقع فيه من أفعال. قال: ففي الحقيقة يقع العيب والسب على مدبره، وهو الله. ولهذا قال: «أنا الدهر»، يعني من سبه كأنه سب الله. قال: وكما أنه نقص في الدين، فهو نقص في العقل؛ فبه تزداد المصائب، ويعظم وقعها، ويغلق باب الصبر الواجب. وهذا مناف للتوحيد. أما كونه مناف للتوحيد؛ لما تقدم، ولأنه لا يصبر، ولأنه يتعلق بما لا يجوز التعلق به، ولأنه ينسب التصرف لغير الله. وأما كون المصائب تزيد؛ لأن الذنوب تزيد من المصائب. وهذا من الذنوب العظيمة. ولأنه كذلك بتعلقه بغير الله، يتعلق بمن لا يفرج عنه همًا، ولا يدفع عنه ضرًا، فلا ينحله شيء. بخلاف من تعلق بالله؛ فقد تعلق بقوي متين. قال رحمه الله: أما المؤمن فإنه يعلم أن التصاريف واقع بقضاء الله وقدره وحكمته، فلا يتعرض لعيب ما لم يعبه الله ولا رسوله، بل يرضى بتدبير الله، ويسلم لأمره. وبذلك تم توحيده، وطمأنينته. فكمل للمؤمن إيمانه، وكملت له دنياه وآخرته؛ بما كان من كمال توحيده. وفي قوله: «وَرُبَّمَا لَعَنُوهُ»، يعني لعنوا الدهر أو بعض ما فيه. ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعن الدواب والبهائم وغيرها. يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها»، الحديث. هل هذا تناقض؟ وكيف الجمع؟ الجمع كما سمعت: هذا من باب الوصف والإخبار، وليس هو من باب السب. يقول: ما حكم قول بعضهم: «البحر زين، واليوم البحر تعبان»؟ إن أريد به الوصف، فهذا جائز، والأفضل تركه. وإن أريد به رد القضاء والتشاؤم من ذلك اليوم، وسب الزمان أو المكان، فهذا من سب الدهر المحرم، ومنافر الإيمان بالقضاء والقدر.