طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 97

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 97

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 97، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية معرفة أسماء الله الحسنى

الدرس يبدأ بشرح أهمية معرفة أسماء الله الحسنى وآثارها في الخلق والأمر، وكيف تؤثر هذه المعرفة على فهم العبد لما يليق بالله. كما يبين أن هذه المعرفة تزيد من يقين العبد بآثار أسماء الله الحسنى في أفعال الله.

العواقب من خلال أسماء الله وصفاته

يشرح المقطع كيف يمكن معرفة العواقب السيئة أو الحسنة للأفراد من خلال أسماء الله وصفاته، مستندًا إلى الكتاب والسنة. كما يبين أن الله لا يأمر إلا بالعدل والمصلحة والحكمة، مما يظهر عدل الله في خلقه وأمره.

حمد الله تعالى لنفسه في القرآن

المقطع يتناول حمد الله تعالى لنفسه في القرآن الكريم، حيث يشير إلى شمول حمده لخلقه وأمره. كما يبين أن الله أمر عباده بتعرف كيفية حمدونه، ويورد العديد من الآيات التي تظهر حمد الله لنفسه على مختلف الأحوال.

فضل الله في الجزاء على الأعمال

الدرس يشرح فضل الله عز وجل في الجزاء على الأعمال، حيث يضاعف الحسنة ويتجاوز عن بعض السيئات. كما يبين أن هذا من عدل الله وفضله، حتى في عذابه ووعيده يوجد ما يستحق الحمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال والمقصود أنه سبحانه، لكمال أسمائه وصفاته، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، له كل ثناء حسن، ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء، وهو المحمود المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام على كل ما خلقه وقدره، وعلى كل ما أمر به وشرعه. ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى، واستقرى آثارها في الخلق والأمر، رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق. ومعنى بحسب معرفته: يعني كل ما كمل علم العبد وتدينه، المعرفة العلمية والعملية، كل من فتح له من باب معرفة أسرار أسماء الله وعظيم آثارها في الخلق والأمر، في الخلق هذا ظاهر، سواءً أكان ما يتعلق بمعاشهم أو معادهم، والأمر: أي أمره الشرعي وأمره الكوني، فحتى الخير والشر يكون النظر إليه بحسب مراتب الناس والعلم والدين. فنظر من لم يرتقي إلى المراتب العلية قد يقف عند حد قريب، ومن وفقه الله ففتح عليه من باب المعرفة العلمية والعملية، فارتقى في مراتب أعلى في هذا الدين، فإنه يبصر ما لا يبصر غيره من آثار هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى لله عز وجل في الخلق والأمر، وما يتعلق كذلك بالخير أو غيره. قال رحمه الله تعالى: «وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، واستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمدي وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمدي وحكمته». ولذلك إذا كملت المعرفة عند العبد، صار عنده علم بآثار هذه الأسماء في أفعال نفسه وأفعال غيره، ولو لم تقع بعد، ليس من باب الكهانة وعلم الغيب، لكن لأنه عرف ربه وخالقه العظيم العليم الحكيم كيف يكون شأنه مع خلقه. فكون أن الله محسن ويجازي على الإحسان بأفضل وأحسن منه، يتحقق عند العارفين بالله ما لا يتحقق عند من لم يكن عنده من المعرفة والعلم عند غيره، فلذلك يكون عنده من اليقين ما يكون به الآثار القادمة والآتية، ما قد يظن الظان أنه يعلم الغيب، ولكنه لا يعلم الغيب، وإنما عظيم معرفته بربه وخالقه وآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فاجعله ينتظر هذه الآثار انتظار المستيقن بمن قد عرفه وعرف وفاء وعده سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك بالنسبة للوعيد، فإنه بحسب معرفته يعلم عظيم مجازاته، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فبالمثل. وهذا ليس كذلك من باب الكهانة ولا علم الغيب، ولكنه لما كان من التضلع في معرفة أسماء الله وصفاته وعظيم آثارها، فربما يحصل من اليقين في تحقق وعده ووعيده ما قد يظن الظان أنه نوع من الكهانة وعلم الغيب. مثلا رجل آذى المسلمين كثيرًا، فيقول بعض من وفقه الله لحسن البصر والبصيرة في شريعة الله وفي أسماء الله وصفاته: «هذا الإنسان ستكون له عاقبة سيئة وخاتمة شنيعة»، وربما يحدد هذه الخاتمة لما علم من أفعاله وعلم من عدل الله وعظيم انتقامه، فيقع مثل ما قال ذاك. وكم قد وقع في التاريخ من كلام العلماء في مثل هذا، فيقول مثلا: «فلان سيموت لكذا»، كيف علمت أنه سيموت لكذا؟ فيقول: «علمت من عدل الله»، علمت من عدل الله أنه من كان كذلك فإنه لا تكون إلا عاقبة السيء. ولهذا جاءت كما ذكر رحمه الله وأشار في أمره الشرعي ما يدل على ذلك، فالذي يبتلى بالقتل قل أن يموت بغير القتل، فتكون عاقبته ماذا؟ أن يموت مقتولًا، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى. في حديث ابن عمر: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا ...» يعني ما كانت له خاتمة حسنة، بل خاتمة سوء. ولهذا من تلطخ بالدماء، عدل الله أنه لا يخرج إلا بالدم، لا يخرج إلا بالدم. وكلما عظم الذنب، كلما عظم العقاب. من أين علمنا هذا؟ علمنا من آثار أسماء الله وصفاته في خلقه، وفي ماذا؟ وفي أمره، أمره ما قرأناه وما علمناه من الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة، وخلقه ما شاهدناه من آثاره هذه الأسماء والصفات في تحقق الوعد والوعيد الذي لا يخلف الله عز وجل فيه الميعاد. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى في بعض الأحكام جورًا وظلمًا أو سفهًا وعبثًا ومفسدةً أو ما لا يوجب حمدًا وثناءً، فليعلم أنه ليس من أحكامه ولدينه، وأنه بريءٌ منه ورسوله، فإنه إنما يأمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالعبة والسفه، وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين، ورسوله رحمةٌ مهداةٌ إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة، وأمته الأمة المرحومة، وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأفعاله الحميدة، فلا يخبر عنه إلا بحمده، ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء، كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء. وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره، بأنه حمد نفسه في أول الخلق وآخره، عند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرّده بالإلهية، وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالات أحد من خلقه لحاجة إليه، وحمد نفسه على علوه وكبريائه، وحمد نفسه بالأولى والآخرة. وأخبر عن سرايان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبه على هذا كله بكتابه، وحمد نفسه عليه، فنوع حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أخرى، ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوا وحمدوه. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾، وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. وأخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته، والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته، وقضي بينهم بالحق، وقيل: «الحمد لله رب العالمين». وأخبر عن حمد أهل الجنة له أنهم لم يدخلوها إلا بحمده، كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده، فقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال عن أهل النار: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم، وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته، مفتَرين عليه. وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم، وأنه غير ظالم لهم، وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده، وإنما عقِبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما يقوله الجبرية. أما دخولهم النار بعدله فهذا ظاهر، وأما دخولهم النار مع حمده، وذلك أن الله لم يعاقبهم يجازيهم بكل ما صنعوا، بل يجازيهم ببعض ما صنعوا، يجازيهم ببعض ما صنعوا. فمن لطف الله عز وجل حتى بمن يستحق العقاب، أنه لا يضاعف له العقاب بمثل ما كان. فالله عز وجل جعل الحسنة بماذا؟ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة ماذا؟ بمثلها واحدة. ومع ذلك فإنه سبحانه وتعالى يتفضل على خلقه بأن يتجاوز عن بعض سيئاتهم، يتجاوز عن بعض سيئاتهم. وهذا من عدل الله، ومن فضله حتى تعذيبه ووعيده، ففيه ما يستحق فيه الحمد. طيب، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، السلام.