الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 96، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ صفات الله تعالى المتعلقة بالعفو والصبر والإحسان وتكليف الإنسان بما يطيقه، مشيرًا إلى أن الله حليم وكريم ولا يعاقب أحدًا بغير فعله. يُظهر أن الله يشكر على الطاعة ويغفر عند المعصية.
يذكر أن الله يحب أسماءه وصفاته ويحب المتعبدين له بها، كما يحب الجمال والعفو والصدق. يُدلل على ذلك بالأحاديث النبوية التي تشير إلى محبة الله للمدح والعذر وتحريم الفواحش.
يشرح أن الله يحب من عباده من يتسم بالصفات التي يحبها، ويكره من يتسم بالصفات التي يكرهها، ويجب على العبد أن يتصف بالصفات التي يحبها الله مثل العدل والإحسان والبر والصبر.
يفرق بين صفة الاستواء وغيرها من الصفات كالعلم والعدل، حيث أن الأولى تنافي العبودية وتعدي طور العبد، بينما الثانية تكمل العبودية ولا تنافيها، ويجب على العبد امتثال أمر الله في فعل ما يحب واجتناب ما يكره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: أحسنتم، ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «وإنه سبحانه حليم كريم جواد ماجد، وإنه سبحانه لا يعاقب أحدًا بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله، ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، ومعناه أنه لا يكلف إلا بما يطيقه الإنسان ودونه، كما قال جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ما جعل عليكم في الدين من حرج». قال: «وإنه سبحانه حليم كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور، بطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، ولا أحب إليه المدح منه، ولا أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، وهو محسن يحب المحسنين، وشكور يحب الشاكرين، جميل يحب الجمال، طيب يحب كل طيب، نظيف يحب النظافة، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، عفو غفور يحب من يعفو عن عباده، ويغفر لهم، صادق يحب الصادقين، رفيق يحب الرفق، جواد يحب الجود وأهله، رحيم يحب الرحماء، وتر يحب الوتر، يحب أسماءه وصفاته، ويحب المتعبدين له بها، ويحب من يسأله بها ويدعوه بها، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، ﴿إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ﴾، ونحو ذلك مما هو مقتضى هذه القاعدة». قال رحمه الله تعالى: «ويحب من يعرفها ويعقلها ويتذلل عليه بها ويحمده ويمدحه بها، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه"، ولا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. قالوا في حديث آخر صحيح: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"». وهو ظاهر في الدلالة على المقصود، فإن هذه الأحاديث وما كان بمعناها تدل على أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتعبد بأسمائه وصفاته، وأن تتفقه وتعقل معاني أسمائه وصفاته، ومن باب أولى للاطلاع على آثارها. قال: «ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموافقتها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت، وذلك لأنه سبحانه له معاني هذه الصفات أسماء وصفاته، فهو سبحانه وتعالى العدل والمحسن والبر والعفو والجواد والصبور والغفور والرحيم والصادق والعالم والشاكر... وهكذا، وكذلك الرفيق». قال: «ولما كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته، كان أحب خلقه إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لأن اتصافه بها ظلم، إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه؛ لمنافاتها لصفات العبيد، فهذه خاصة بالله وحده لا شريك له. ومع ذلك إذا كانت في موضع يكون فيه نصرة دين الله وحصول الحق على أعداء الله فإنه يحبها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في المشي في الصف إذا كان على وجه فيه الفخر بالدين لا الفخر بالشخص، إنسان يمشي في وقت القتال ويعتز بقوته، وكذلك شجاعته لا لشخصه ولكن لأجل دينه الذي يحمله، وقضيته التي يريد أن ينتصر فيها، فهذا موضع كذلك يستثنى ويحبه الله». قال رحمه الله تعالى: «وخروج من اتصل بها من رقة العبودية، ومفارقة لمنصبه ومرتبته وتعديه طوره وحده، وهذا بخلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية، بل الحق أنه بهذا يحقق معاني العبودية؛ لأنه يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى في فعل ما يحب، كما يمتثل أمر الله في اجتناب ما يكره». إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.