الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 141، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك كيف أن الذنوب قد تكون سببًا لدخول الجنة أو النار بناءً على التوبة والإصرار عليها. يحذر من التساهل في فعل الذنوب والإصرار عليها.
الذنوب والمعاصي قد تؤدي إلى تواضع الإنسان وانكساره وتخلصه من الكبر والغرور. تشغله عن عيوب الناس وتركيزه على إصلاح نفسه.
يجب على المؤمن أن يحسن إلى الناس ويستغفر لإخوانه المؤمنين الخطائين. التسامح بين الناس مهم جدًا ليعفو الله عنهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال السابع والعشرون: أن ينسيه رؤية طاعته، ويشغله برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه. فإن الله إذا أراد بعبد خيرًا، سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه، فلا يزال نصب عينيه حتى يدخله الجنة. فإن ما يقبل من الأعمال رفع من القلب رؤيته، ومن اللسان ذكره». وقال بعض السلف: «إن العبد ليعمل الخطيئة فيدخل بها الجنة»؛ يعني إذا تاب وأحسن، وانكسر وخضع وذل الله عز وجل، فحسنت عبوديته بما يرى من حقارة نفسه وصغرها أمام عظيم حق الله عز وجل، فيكون الذنب سببًا بحسن التوبة والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل، فأدخله الجنة. وليس معنى هذا التساهل في فعل الذنوب والمعاصي، ولا كذلك الإصرار على فعلها؛ فالمصر على الذنوب والمعاصي محروم، ولا يكون ذلك إلا بريد الكفر؛ لأن الذنوب والمعاصي من خطوات الشيطان التي يجر بها -والعياذ بالله- للكفر. ولذلك الذي يصر على الذنوب والمعاصي لا يقف عند ذلك الذنب، بل لا يزال الشيطان يستدرجه من خطيئة إلى أكبر منها، ومن أكبر منها إلى ما هو أكبر، وهكذا حتى يخرج من دين الإسلام -والعياذ بالله-. وأنت ترى حال العصاة -نسأل الله أن يهدينا وإياهم- كيف يستدرجهم الشيطان بالصغائر ثم الكبائر ثم الفواجع والخروج من دين الإسلام -والعياذ بالله- بترك الصلاة واكتحام أسباب الردة -والعياذ بالله-. ولكن المقصود والمراد -كما تقدم- يذنب العبد الذنب ثم يندم وينكسر وينيب، ولا يزال هذا الألم في قلبه ما يدفعه إلى إحسان عبوديته لله عز وجل، فيكون ذنبه ذلك سببًا في صلاحه أحسن مما كان، وبهذا يكون سببًا في دخوله الجنة. قال رحمه الله: «يعمل الحسنة فيدخل بها النار». قالوا: كيف؟ قال: «يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه، إذا ذكرها ندم واستقال وتضرع إلى الله، وبادر إلى محوها، وانكسر وذل لربه، وزال عنه عجبه وكبره. ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يراها ويمن بها ويعتد بها ويتكبر بها حتى تدخله النار». فبعض الحسنات تدخل النار، ولا يعني هذا التزيد من فعل الحسنات، ولكن التحذير من الاغترار بالحسنات، فيصيب صاحبها العجب والغرور والكبر والتعالي على الخلق بما يمنعه من فعل أسباب الخيرات، فيكون بهذا -والعياذ بالله- الذنب خير له من الطاعة؛ يعني الذنب الذي يكسر صاحبه ويجعله ذليلًا خاضعًا مقبلًا على الله سبحانه وتعالى. وليس في هذا -كما تقدم- الزهد في الحسنات والإصرار والتجاسر على السيئات أبدًا. قال رحمه الله تعالى: «الثامن والعشرون: أن شهود ذنبه وخطيئته يجب له أن لا يرى له على أحد فضلًا، ولا له على أحد حقًا؛ فإنه يشهد عيب نفسه وخطاها وذنوبها، فلا يظن أنه خير من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر. بل لا يزال صاحب الذنب الذي كسره ذنبه يرى نفسه أسوأ أهل الأرض، وإن كان هو ليس كذلك». وهذا يورث له تواضعًا ولين جانب مع غيره، فلا يزال منكسرًا متواضعًا غير متعالٍ على أحد؛ لأنه يرى أنه مقصر مذنب، وهذا يعينه على إصلاح نفسه. قال: «وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرى لها على الناس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إياها، ويدمهم على ترك القيام بها؛ بخلاف المغرور بالحسنات، فإنه يرى له لنفسه فضلًا على الناس، فدائمًا يريد الناس تبدأه بالسلام والإكرام والخضوع والذل؛ بما قد ألقى الله الفتنة في قلبه بما كان من اغتراره بحسناته، فصارت الحسنات عند بعض الناس سببًا للغرور والكبر والخيلاء». ولا يعني ذلك أن كل الناس كذلك؛ فالصادق هو الذي يحسن ويرى نفسه مسيئًا، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، يحسنون ويرون أنفسهم من المسيئين. قال: «فإنها عنده أخص قدرًا، وأقل قيمة من أن يكون لها على عباد الله حقوق يجب مراعاتها، أو لها عليهم فضل يستحق أن يكرموه لأجله؛ فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط قد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقه؛ فإنه يحدث نفسه لو علم الناس ما في سريرتي وما كان من ذنبي لما سلم علي أحد». فهذا يورثه تواضعًا وانكسارًا، قال: «فاستراح في نفسه، واستراح الناس من تعتبه وشكايته؛ فما أطلب عيشه، وما أنعم باله، وما أقر عينه. وأين هذا ممن لا يزال عاتبًا على الخلق، شاكيًا ترك قيامهم بحقه، صاخطًا عليهم، عليه أسخط؛ سبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين»؛ يعني كيف أن قدر الله بوقوع بعض الذنوب والمعاصي كانت سببًا في حصول بعض الحسنات والخيرات لبعض الناس. قال: «التاسع والعشرون: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكرة فيها؛ فإنه في شغل بعيب نفسه. بعيبه ونفسه. وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس؛ فالأول علامة السعادة، والثاني علامة الشقاوة». فمن كان عنده الثاني فهو من الأشقياء، لا يرى إلا عيوب الناس -فضلًا عن من كان يتتبعها-، ومن كان عنده الأول فهو الموفق؛ لأنه يرى نفسه مقصرًا، فلذلك يرى كل أحد أفضل من نفسه. وهذا في الحقيقة تبع لما قبله، ولكن أراد هذه الحيثية بعينها، وهذا من حكمة الله عز وجل بوقوع بعض ما يبتلي به سبحانه وتعالى عباده، ولله الحكمة البالغة. قال رحمه الله تعالى: «الثلاثون: أنه يجب له الإحسان إلى الناس، والاستغفار لإخوانه المؤمنين الخطائين؛ فيصير هجيراه -أي كأنه يعني مناداته- هجيراه؛ هكذا عنده هجيراه؛ يعني كأنه مناداته وصراخه ونداءه: ربي اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات». وإن كان بعض أهل العلم يرى أن الدعاء للمسلمين والمسلمات لم يرد به النص، إنما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾، ومع ذلك عموم الدعوة -إن شاء الله- جائزة. والمقصود أن هذا يورث له الإعانة في الإحسان إلى الناس، والاستغفار لهم، والدعاء لهم؛ لأنه يرى نفسه فقيرًا، والناس فقراء إلى الله. قال: «فإنه يشهد أن إخوته الخطائين مصابون بمثل ما أصيب به، محتاجون إلى مثل ما هو محتاجون إليه؛ فكما يحب أن يستغفر لأخوه المسلم، يجب أن يستغفره لأخيه المسلم». ولا شك أن من جرب يكون عنده من الصدق والحرق في الدعاء والإلحاح فيه ما لا يكون عند غيره؛ فرب دعاء يكون فيه من الفتور والغفلة ما يمنع من قبوله، ورب دعاء يكون عند صاحبه من الحياة والصدق والإقبال ما يكون سببًا في قبوله. قال: «وقد قال بعض السلف: إن الله لما عتب على الملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدَّمَاءَ﴾، وامتحن منهم هاروت وماروت؛ جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم، ويدعون الله لهم». والمعنى أن ما كان من تعجل الملائكة كان سببًا في استغفارها؛ فما وقع من بعض خلق الله لا يعني ذلك أن يكون من جميع خلق الله. قال رحمه الله: «الحادي والثلاثون: أنه يجب له ساعة بطانة وحلمه ومغفرته لمن أساء إليه؛ فإنه إذا شهد نفسه مع ربه سبحانه مسيئًا خاطئًا مذنبًا، مع فرط إحسانه إليه وبره به، وشدة حاجة إلى ربه؛ فكيف يطمع أن يستقيم له الخلق، ويعامله بمحض الإحسان، وهو لم يعامل ربه بتلك المعاملة؟ وكيف يطمع أن يطيعه مملوكه، والده، وزوجته بكل ما يريد، وهو مع ربه ليس كذلك؟». وهذا يوجب له أن يغفر لهم، ويسامحهم، ويعفو عنهم، ويغضي عن الاستقصاء في طلب حقه قبلهم. والمعنى أنه يصلح من ثلاثة جهات: الجهة الأولى ما يكون من رؤية نفسه مقصرًا مع إحسان الله عز وجل إليه، فلا يزال هذا يدفعه إلى الإحسان. والثاني أنه يرى غيره أولى من نفسه، فعند ذلك لا يزال متواضعًا مع غيره، محسنا في المعاملة لهم. الأمر الثالث أنه يدني إليه من يرجو فيهم الخير، فيمن يقربه إلى الله؛ فهو سموح ليّن هيّن ومتغافل يغض الطرف، يعفو ويسمح، ولا يقبل أن يكون قريب منه من هو ضد هذه الصفات. فإذا وجد من كان من بطانته شديدًا غليظًا جافيًا، فإنه لا يزال يعاتبه؛ لما يرى من فقر نفسه وفقر الناس جميعًا إلى الله، وحاجتهم إلى تسامح بعضهم لبعض، ودعوة بعضهم لبعض؛ عسى الله عز وجل أن يتجاوز عن الجميع، ويعين الجميع بما فيه الإنابة والرجوع إليه سبحانه. طيب، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله والصحبه وسلم.