طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 143

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 143

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 143، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية حراسة الخواطر ووسائل حفظها

حراسة الخواطر وحفظها أساس الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. الخواطر الرديئة هي وساوس الشيطان ويمكن دفعها بالتعوذ بالله.

خطورة الاسترسال في الخواطر وطرق مقاومتها

الاسترسال في الخواطر يؤدي إلى الفساد ويمكن مقاومتها بالاستعاذة ومراقبة الله. الخطر يكمن في إهمال الخواطر وعدم مقاومتها، مما يسبب صراعاً في القلب.

وسائل التخلص من الخواطر السيئة وتعزيز الإيمان

المراقبة والحياء من الله والإجلال له والخوف من السقوط من عينه هي وسائل للتخلص من الخواطر السيئة. يجب اختيار الإيمان وحب الله على الكفر وحب الشيطان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، وهي شيئان: أحدهما حراسة الخواطر وحفظها، والحذر كل الحذر من إهمالها والاسترسال معها، فإن أصل الفساد كله من قبلها يجيء؛ لأنها هي بدر الشيطان والنفس في أرض القلب، فإذا تمكن بدرها تعاهدها الشيطان بسقيه مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها حتى تصير عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال. ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزًا أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذ لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها». فإن قلت: فما الطريق إلى حفظ الخواطر؟ قلت: أسباب عدة: أحدها العلم الجازم بالطلاع الرب تعالى ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك. الثاني حياؤك منه. الثالث إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلقه لمعرفته ومحبته. الرابع خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر. الخامس إيثارك أن يساكن قلبك غير محبته. السادس خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويستعر شرارها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله وتذهب به جملة وأنت لا تشعر. السابع أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به. فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر. الثامن أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلًا، بل هي ضدها من كل وجه، وما اجتمعا في قلب إلا وغلب أحدهما صاحبه وأخرجه واستوطن مكانه. فما الظن بقلب غلبت خواطر النفس والشيطان فيه خواطر الإيمان والمحبة والمعرفة، فأخرجتها واستوطنت مكانها؟ لكن لو كان للقلب حياة لشعر بألم ذلك وأحس بمصابه. جعل رحمه الله تعالى هذه القاعدة في طريق النجاح من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وطريق الشيطان بالاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال، فذكر أقرب طريق موصل إلى هذه الاستقامة ومنجي من ذاك الانحراف أمران اثنان: الأمر الأول حراسة الخواطر وحفظها. الخواطر هي التي تعرض على القلب وعلى الجوارح، كعرض السحاب يمر في الأفق والسماء، وكعرض الظل الذي يمر. فإن أنت أعرضت وعملت بالأسباب أن تمر الخاطرة ولا تتبعها سلمت، وإن مرت الخاطرة وتبعتها فإنك وقعت في الفخ كما ذكر رحمه الله تعالى. وأصل هذه الخواطر من الشيطان الذي يستفز به الإنسان، فهؤلاء الذين تعرض عليهم الخواطر يمتحنون ويستفزهم الشيطان ويستدرجهم، فهي الوساوس التي ذكر الله عز وجل وأمرنا بالتعوذ منها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. يوسوس وينخنس، فلا ترى الشيطان، ترى وسوسته ولا ترى الخاطرة ولا ترى من وضعها، وهذه الخاطرة من بدرات الشيطان كما ذكر رحمه الله تعالى، وهي من الفخ الذي يصطاد به هذا الإنسان. فإن أنت تعودت بالله من الشيطان الرجيم كما أمرك الله، وهي من الطائف الذي ذكر الله عز وجل: «يطوف به الشيطان على الإنسان»، فإن تعودت بالله من الشيطان الرجيم سلمك الله. ليس تتعود بلسانك وقلبك قد سرح مع تلك الخاطرة أو قد شربها كما تشرب الإسفنجة الماء، لا، ولكن تتعود بلسانك وبقلبك وبجوارحك، إذا استعدت بالله فقد استعدت بعظيم، فأوفي بهذه الاستعادة. أنت استعدت بالله أن يعيدك من هذا الشيطان أول ما تعرض عليك الخاطرة استعذ بالله، قل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم سلمني من الشيطان وجنده»، وتدعو الله بدعاء بلسان المقال ولسان الحال، فيسلمك الله سبحانه وتعالى من تلك الخاطرة. كما ذكر رحمه الله تعالى أن الخطر يكمن ليس في عرض الخواطر، فلا يسلم أحد من الخواطر، الخواطر لا يسلم منها أحد، لكن الخطر يكمن في إهمال الإنسان في البعد من هذه الخاطرة، فإذا أهمل فإنه يسترسل فيها، وإذا استرسل فيها حصل له أصل الفساد. وهنا كما قال: «يبدر الشيطان في النفس وفي القلب بدرته؛ لأن صاحبها فتح الباب لهذه الخاطرة»، فإذا فتح الباب لهذه الخاطرة يسرع الشيطان ببدر بدرته، أولها خاطرة، فإذا دفعتها وقطعت الخاطرة سلمت. فإذا فتحت الباب للشيطان بذر بدرته، فتحولت هذه الخاطرة بعد أن كانت خاطرة عابرة تحولت إلى إرادة وعزيمة تدور في النفس الأمارة بالسوء، ويتردد القلب في الإقدام والإحجام عنها، وتبدأ تصارع في هذا القلب: هل يصرع باعث الخير أم يصرع باعث الشر؟ ولا يزال القلب في صراع، ما الذي يسلمه من هذا الصراع؟ ها لو أنه رد الخاطرة من أول الأمر، لو أنه لم يفتح الباب لهذه الخاطرة سلم من هذا الصراع الذي في القلب والذي في النفس. لكنه لما استرسل والتفت بقلبه وجوارحه إلى تلك الخاطرة بذر الشيطان بذرته، وكل تأخر في الصراع معناه أن البذرة ماذا تتمكن أكثر وتنبت وتشجر. وهذا معناه: «من أخطأ في الأولى فلا يخطئ في الثانية»، فإذا أخطأت في الاسترسال في الخاطرة ولم تبادر بالانصراف عنها وقطعها، فلا أقل أن لا تخطئ في الثانية، فبادر بقلع البذرة ورميها. كيف تقلعها وترميها؟ لو كانت حسًا كان سهلًا، لو كان حسًا لقلت لأحد: «أدخل يدك في قلبي وأخرج هذه البذرة وتسلم وترتاح»، لكن الأمر ليس كذلك، الأمر أمر معنوي تحتاج إلى همة وعزيمة قوية تستطيع بها أن تخرج هذه البذرة. فلذلك بادر وسارع بإخراج هذه البذرة قبل أن تتمكن هذه الإرادة والعزيمة وترسخ هذه البذرة في أرض النفس الأمارة بالسوء والقلب الذي يتقلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهم كيف يشاء»، لكن هذا التقليب له سبب، هذا التقليب له سبب. فإذا أخذت بأسباب الهداية أعانك الله، وإذا أخذت بأسباب الغواية خذلك الله، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، والعكس: ذكر الشيطان هل تطمئن القلوب؟ لا، ما تطمئن القلوب. وهكذا كذلك الآيات في هذا الباب كثيرة، والأدلة في السنة أكثر. والمرحلة الثالثة: أنه إذا تأخر في الحل للصراع الذي يدور في النفس والقلب بين تلك الإرادتين: إرادة الخير والسوء وغيره، وعزيمة الخير والشر، رسخت هذه البذرة وتحولت الشرارة إلى نار، وتحولت الشرارة إلى نار كما ذكر رحمه الله: تكون شرارة صغيرة تستطيع أن تطفئها بأصبعك، أصبعك تطفئ الشرارة ولو وجدت حرها لكن لن يضرك. لكن إذا رسخت هذه الشرارة -كما ذكر رحمه الله- في الحطب اليابس، والحطب اليابس: الأرض الخالية من ذكر الله سبحانه وتعالى، القلب النفس الذي غلب فيها إرادة وعزيمة الشيطان، كأن القلب لا يزال رطبًا بماذا؟ بذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا ضعف ذكر الله فإنه يقوى ذكر الشيطان، وهذه هي القلوب والأنفس الجافة اليابسة التي مثلت بالحطب، فإنها سرعان ما تمسك النار، بخلاف الحطب الرطب ما تمسك فيه النار بسهولة، أما الحطب اليابس تمسك فيه النار بسهولة. فإذا مسكت فيه النار هل تستطيع تطفئها بيدك؟ ما تستطيع، تحتاج لشيء أكبر، وكلما كبر الأمر كلما صعب النجاح. ثم ذكر رحمه الله أسبابًا تعين على حفظ هذه الخواطر، أولها: العلم الجازم بالطلاع الرب سبحانه وتعالى، يعني المراقبة، أن يكون عندك مراقبة لله سبحانه وتعالى، وكلما كملت المراقبة كملت الإعانة من الله سبحانه وتعالى في دفع تلك الخواطر وعدم الاسترسال فيها. إذن لازم المراقبة ليعينك الله للتخلص من هذه الخواطر، احرص دائمًا وأبدًا أن تتذكر معية الله سبحانه وتعالى معك في كل لحظة وحين، فإذا تذكرت هذه المعية فإن ذلك سيعينك على التخلص من هذه الخواطر. كذلك حياءك من الله سبحانه وتعالى، إذا تحققت هذه المعية تبعها الحياء: «الله معك ويراقبك»، وهي مرتبة الإحسان، أعلى المراتب: «أن تعبد الله كأنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهكذا كذلك الثالثة: إجلالك له سبحانه وتعالى أن يراك مع مثل هذه الخواطر الدنيئة الساقطة التي هي من الشيطان، الشيطان ما يأتي لك بخواطر خير أبدًا، هذه الخواطر خواطر سوء. وهذه الخواطر قد تكون فكرة، وقد تكون صورة، وقد تكون مقطع، قد تكون خلطة، قد تكون كتابة أو رسالة، قد تكون صوت أو غير ذلك مما يمر على الجوارح، كلها خواطر. ولهذا جاء في حديث علي رضي الله عنه في نظر الفجأة: «أن الله عز وجل يعفو عن الأولى، ولكن لا يعفو عن الثانية»، فالأولى مسامح فيها العبد؛ لأنها مما لا يسلم منها أحد أبدًا، ولكن لا تتبع هذه النظرة الأولى بالثانية، الأولى عفو والثانية إثم. فجأة رأيت صورة، أغضض بصرك وحول وجهك واقطع خواطر قلبك أن تدخل هذه الصورة وتتمكن في القلب، فإذا فعلت ذلك أغلقت الباب، لكن إذا استرسلت، إذا تخيلت، إذا تمنيت، هويت، فأنت أدخلت هذه الخاطرة، وسرعان ما يبذر الشيطان بدرته. فمما يعينك على ذلك هذه الخصال الثلاث: المراقبة، الحياء، الإجلال. والرابع: الخوف من أن تسقط من عين الله عز وجل؛ لأنك إذا سقطت من عين الله وكلك إلى نفسك الضعيفة الأمارة بالسوء، وهذا بداية الهلاك. والخامس: قال: «إيثارك له سبحانه أن يساكن قلبك غير محبته؛ لأنك تعلم لا يجتمع داع الخير والشر في مكان واحد أبدًا لمن يغلب هذا أو يغلب هذا»، فأنت إذا رضيت أن تدخل هذه الخاطرة إلى قلبك، معناه أنك رضيت أن يسكن الشيطان في قلبك، وطردت بهذا محبة الله سبحانه وتعالى في قلبك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بحديده»، «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن»، لا يجتمع إيمان ومعصية في وقت واحد أبدًا. وجاء في الحديث: «أن الإيمان يرتفع فوقه كالظلة وقت المعصية»، الإيمان يرتفع، وإذا دخلت هذه الأهواء إلى القلب فإن محبة الله تخرج من القلب. ولهذا أول ما يفقد الإنسان بالمعاصي يفقد حب الله سبحانه وتعالى، ولذة الطاعة ينزعها الله عز وجل منه، ينزع منه لذة الطاعة ومحبته؛ لأنه غلب محبة ماذا؟ الهوى والنفس الأمارة بالسوء وداعي الشيطان. وهكذا كذلك السادس: خشيتك أن تتولد تلك الخواطر، يعني تتكاثر وترسخ وتثبت، وكما قلنا: كل تأخر في هذا الصراع بين الإرادات والعزائم، هذا زيادة التمكن لتلك البذرة، وأن تكبر شجرة الشيطان في قلبك. وضرب الإمام ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه لهذا مثلًا، قال: «مثال الذي يستصغر الذنوب والمعاصي والهوى فيها كمثل رجل زرع شجرة، فقال: زرعتها بيدي وسأقلعها بيدي»، ولا يدري أنه كلما تركها ازدادت في الأرض ماذا؟ رسوخًا وثباتًا وكبرت. هو زرعها وهي صغيرة فسيلة صغيرة لا تساوي الإصبع من أصابعه، أدخلها بإصبعين ويستطيع أن يخرجها بإصبعين، لكن إذا كبرت هذه الشجرة وصارت نخلة، هل يستطيع يقلعها؟ ما يستطيع أن يقلعها، ولو استعان بعشرة من أمثاله. هكذا شجرة الذنوب والمعاصي إذا قد رسخت في القلب يصعب على الإنسان أن يقلعها، فيبادر بقلعها وهي صغيرة قبل أن تكبر. وهكذا كذلك الشر، الشر يبدأ صغيرًا، تطفيه بأصبعك، لكن إذا صارت نارًا فإنها تأكل القلب، وعند ذلك يصير الإنسان ضحية الهوى والنفس الأمارة بالسوء. والسابع: قال: «أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر»، يعني أن تلك الخواطر ما هي إلا فخ من الشيطان، وكما نسميه نحن بالنسبة لأهل الصيد: صني يصاد به الصيد. فالشيطان اصطادك بهذه الخاطرة، جاء بها صغيرة، ولهذا سماها الله عز وجل: «خطوات الشيطان»، تبدأ خطوة، ثم الذي بعدها أكبر منها. والثامن: أن تعلم أن هذه الخواطر الرديئة لا تجتمع مع الإيمان، وكما قلنا في البداية: لا يجتمع حب الله الله، وحب الشيطان والنفس الأمارة بالسوء. فإذا أنت في الخيار: تريد الإيمان أم تريد الكفر؟ تريد حب الله أم حب ما يريده الشيطان؟ الشيطان، فإن آثرت ما يريده الشيطان فقد خسرت الدنيا والآخرة، وذلك الكسران المبين. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.