طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 139

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 139

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 139، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فوائد الابتلاء بالذنوب والمعاصي

يشرح الشيخ ابن بريك فوائد الابتلاء بالذنوب والمعاصي مستندا إلى كلام الإمام ابن القيم. يبين أن هذا الابتلاء يمكن أن يرفع حجاب الدعوة ويفتح طريق الفاقة والعبودية لله.

لطف الله بعباده في الابتلاء

يشرح كيف أن الله يلطف بعباده فيبتليهم بذنوب أو أمراض ليكتشفوا أمراضًا معنوية ويتوبوا منها. هذا الابتلاء يمكن أن يكون سببًا في علاج أمراض خفية في القلب.

لطف الله في توبة العبد وتذوق ألم الذنب

يشرح كيف أن الله يلطف بعباده بتذوقهم ألم الذنب ليكون التوبة بعد ذلك أحلى وألذ. يضرب أمثلة على ذلك مثل العطشان الذي يجد حلاوة الماء بعد العطش.

ختام الدرس والدعاء

تم اختتام الدرس بنهاية مبينة على ما سبق مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه وشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال الحادي والعشرون: أن مثل هذا ينتفع به المرضى؛ لمعرفته بأمراضهم ودوائها. تقدم معنى الكلام على هذا، وأن من ابتلي بالمرض استطاع أن يعرف الأسباب والعلاج بالتجربة. وكذلك الأمراض المعنوية، والتي منها الذنوب والمعاصي، إذا ابتلي بها الإنسان وتاب منها توبة صادقة، وتاب الله عز وجل عليه، ووفقه للإنابة والرجوع إليه سبحانه، فإنه يكون عند من وفقه الله للتوبة حمية ومعرفة وخبرة، فيحفظ نفسه ويعالج غيره. قال رحمه الله تعالى: الثاني والعشرون: أنه يرفع عنه حجاب الدعوة، ويفتح له طريق الفاقة؛ فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوة، ولا طريق أقرب من العبودية. فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب. والمراد الدعوة: أي التباهي بالعافية والسلامة؛ فإن الإنسان إذا قدر أنه لم يقع في شيء من الذنوب والمعاصي، يصاب بالعجب والغرور والتعالي على الخلق والترفع، فيكون عنده من التعالي والعجب والغرور والاغتناء بالنفس ما يورث حجابًا غليظًا بينه وبين عبودية الله عز وجل، حتى ولو كان على الطاعة، لكان الطاعة دون حلاوة، ولكان الطاعة فيها من العجب والغرور ما يضعف عبوديته لربه وخالقه. وحقيقة العبودية: الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى بكمال الحب والخضوع والذل والانقياد له سبحانه. ولهذا قال: «فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العجب». والمراد أنه إذا كان الإنسان فقيرًا ضعيفًا متمسكنا بين يدي الله بسبب تقصيره، وهذا هو التخليط، أن يكون عند الإنسان شيء من التقصير، وليس معناه الإصرار على الذنوب والمعاصي وإقرار ذلك؛ فإن هذا لا تقره الشريعة، ولا يرضى به عبد كما لا يرضى به الرب سبحانه وتعالى، ولهذا أمر العبادة بالتوبة إليه والإنابة. ولكن المقصود: من ابتلي بشيء من الذنوب والمعاصي، وهو حريص على التوبة، فإن ذلك يورثه انكسارًا وافتقارًا وضعفًا يذهب معه العجب والغرور؛ فإن العجب والغرور مفسد للإنسان أعظم من فساد وإفساد الذنوب. ولهذا قال: «فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط -أي بحصول بعض الزلات- خير من الصفاء -أي بالطاعات- مع العجب؛ لأن الثاني أفسد للإنسان بكثير من الأول». ولا يعني أن الأول يصر على ذنوبه ومعاصيه وتقصيره، ولكن معناه مع حرصه ومجاهدته، فهو في افتقار دائم ومستمر. قال رحمه الله تعالى: الثالث والعشرون: أن يكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءها، فيمن عليه اللطيف الخبير، ويقضي عليه بذنب ظاهر، فيجد ألم مرضه، فيحتمي ويشرب الدواء النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها. ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فلغلظ حجابه. كما قيل: لعل عتبك محمود عواقبه، وربما صحت الأجسام بالعلل. ويضرب بهذا مثل يقرب المعنى، ولله المثل الأعلى مع فضله سبحانه وتعالى؛ فالأمراض الحسية -على سبيل المثال- إذا أصابت الإنسان، ربما أشعرته بما عنده من مرض آخر هو لم يدري أنه مبتلى بها، ولكنه بسبب المرض الذي ابتلي به ينكشف له مرض آخر. فمثلًا من يصاب بالصدر، فتصيبه وعكة في صدره، فيذهب فيعالج الصدر، وأثناء العلاج يكتشف أن عنده في القلب ما كان يدري أنه مصاب بعلة أكبر من العلة الظاهرة، علة خفية فيه كامنة، وسبب ضعفه في صدره وضيق تنفسه ليس بسبب الزكام الذي أصابه والبرد الذي عرض عليه، ولكن بسبب ضعف في قلبه. فاكتشف ضعف القلب الذي ينبغي أن يعتني بعلاجه بسبب ماذا؟ بسبب هذا المرض اليسير الذي عرض عليه، فهو يحمد الله أن وفقه لاكتشاف هذا المرض؛ لأنه ربما يصاب بسكته ويموت فجأة بسبب ماذا؟ ذاك المرض الكبير الذي ما كان يشعر به ولا عرفه. فرب ضارة نافعة، وهذا من لطف الله سبحانه وتعالى الخبير. فكذلك بالنسبة للأمراض المعنوية، فربما يبتل الإنسان بذنب، فيكتشف أنه عنده ما هو أكبر من ذلك، فيعينه ذلك على التوبة والإنابة والإصلاح للأكبر، ويكون ذاك الأصغر عونًا له على إصلاح ذاك الخلل الأكبر. وهذا من لطف الله سبحانه وتعالى بعباده، وكذلك رفقه بخلقه جل وعلا، فيبتليهم ببعض الصغائر ليكون ذلك سببًا في علاجه ما هو أكبر منها. وكما هذا في الأمراض الحسية، فكذلك في الأمراض المعنوية؛ مثلًا تخرج من الإنسان لفظة يندم عليها ويتألم أن أخرجها في أحد إخوانه وأحبابه، لكن حين يبدأ يفتش ويتوب ويريد التوبة من هذه اللفظة، يجد أن الدافع له لهذا هو وجود شيء من الحسد الخفي والعجب الذي كذلك هو بالنسبة له خفي. فما دفعه إلى ذاك اللفظ أو ذاك الذنب الذي صدر بلسانه وتألم منه إلا ما هو أكبر منه في قلبه؛ فإذن أيهما أحق بالتوبة: الكلمة التي استعتب منها واستغفر الله وندم عليها وراح يصالح من قدحه وجرحه بها، أو ذاك المرض الذي في قلبه؟ المرض الذي في القلب أكبر وأشد؛ لأنه هو الذي دفعه لهذا القدح ولهذه الأذية القولية، فكان هذا الذنب سببًا لاكتشاف ذنب أكبر منه. وقس على ذلك نظائر كثيرة. يوفق الله عز وجل من يشاء بعباده، وهو اللطيف الخبير. والأمر كما قال رحمه الله: «ومن لم يشعر بهذه اللطيفة فلغلظ حجابه». يعني لابد أن الإنسان يكون عنده بصيرة بعلاج نفسه والتفتيش عن عيوبه. نسأل الله نعيننا على إصلاح أنفسنا. قال الرابع والعشرون: أن يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب؛ ليكمل له نعمته وفرحه وسروره إذا أقبل بقلبه إليه، وجمعه عليه، وأقامه في طاعته. يكون التداد بذلك بعد أن صدر منه ما صدر بمنزلة التداد الضمآن بالماء العذب الزلال، وشديد الخوف بالأمن، والمحب الطويل الهجر بوصل محبوبه. وإن لطف الرب تعالى وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا. فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته. وهذا من أجمل ما في التوبة بعد الذنب؛ فإن الإنسان يجد لذة التوبة والعبودية والانكسار بين يدي الله ما لا يجده لو لم يذق هذا الألم. فطعم الماء الزلال وحلاوته لا يستشعره الإنسان إلا إذا فقده، إذا فقده وذاق العطش ورأى الموت من شدة العطش، كيف يكون فرحه بالماء؟ يكون فرحه أعظم من كل فرح؛ لأنه رأى الحياة بعد الموت، وذاق العطش فذاق حلاوة الماء بعد ذاك الجوع والعطش. وهكذا كذلك من ابتلاه الله بخوف شديد حتى رأى الموت، فأمنه الله وأذاقه لذة ذاك الأمن والاطمئنان الذي كان في غفلة عنه، كيف يكون فرحه؟ شيء لا يوصف. وهكذا من فقد محبوبه حتى كاد أن ييأس منه، فامرأة فقدت زوجها أو أباها أو ابنها حتى يأست من رجوعه، يكون في قلبها حسرة وندم وألم شديد، بعد أن يأست وانقطعت الأخبار والسبل وظنت أنه قد هلك مع الهالكين، إذا به يظهر ويرجع، كيف يكون فرح هذا الإنسان؟ شيء لا يوصف. وهكذا كذلك من وفقه الله للتوبة والإنابة إليه، يجد من اللذة ما لا يوصف. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، ومن أجمل ما في التوبة بعد الذنب من لطف الله سبحانه وتعالى ورحمته جل وعلا وإحسانه. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم، جزاكم الله خيرًا.