طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 106

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 106

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 106، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق الله للعباد على الفطرة السليمة وتأثير الأضداد والأغيار

الله خلق عباده على الفطرة السليمة، وتأثير الأضداد والأغيار يفسد هذه الفطرة. الأضداد والأغيار تغير الفطرة السليمة كما يغير الماء الطاهر بمخالطة الأنجاس.

أفعال الله تعالى كلها خير وحكمة

أفعال الله تعالى كلها خير وكمال، وما يراه الناس شرًا هو بالنسبة لهم. الأمور الظاهرة شر بالنسبة للناس قد تكون خيرًا لهم في حقيقة الأمر.

تأثير البيئة والتربية على نشأة الإنسان

البيئة والتربية وخلطة الناس تؤثر على نشأة الإنسان وتكوينه. من المهم وضع الأبناء في بيئة طيبة لتنشئتهم بشكل سليم.

أصول خلق الله للأشياء وعدم وجود الشر فيها

الله خلق الأشياء بأصول كاملة وسليمة، والشر يأتي من المخلوقات. التكدير والشر ليسا من أصل خلق الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: «قال فصلٌ: وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات، له الأسماء الحسنى، ولا يكون عن الكامل في ذات وصفاته إلا الفعل المحكم. وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة، وكل مولود فإنما يولد على الفطرة التي فطر الخلائق عليها، ولكن الآباء والكافلين للمولودين يخرجونهم عن الفطرة ويعدلون بهم عنها، ولو تركوهم لم اختاروا عليها غيرها، ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم. وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان، عن سنن الإتقان والحكمة. ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولود في فطرته. ولذلك أمثلة، المثال الأول: ...». قال رحمه الله تعالى: «ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولود في فطرته. ولذلك أمثلة، المثال الأول: أن الماء خلقه الله في الأصل طاهرا مظهرا، فلو ترك على حالته التي خلق عليها ولم يخالطه من يزيل طهارته لم يكن إلا طاهرا، ولكن بمخالطته أضدادا من الأنجاس والأغيار تغيرت أوصافه وخرج عن الخلقة التي خلق عليها. فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمنزلة أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه أو ينصرونه أو يمجسونه أو يشركونه. وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته الأنجاس والقاذورات، وإذا فسدت فطرته بالأغيار لم تصلح لحضيرة القدس. هذا فصل جعله رحمه الله ليبين أن الله عز وجل لم يخلق إلا كل خير، حتى ما يراه بعض الناس شرًا فهو بالنسبة لهم، وأما بالنسبة لله فهو خير كذلك». وقد مرت معنا بعض الأمثلة النظائر، وها هنا فصل في زيادة إيضاح بهذا المعنى. فيقول رحمه الله: «أن الله العظيم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه وفعاله، لا يكون منه سبحانه وتعالى إلا كل فعل كامل محكم. فإذا كان كذلك، علمنا أن ما كان في الأرض مما هو ليس كذلك - أي ليس كاملا - ليس هو بفعل الله، وإنما هو بفعل المخلوقين». وضرب لذلك أمثلة: «أن الله خلق الناس على الفطرة الحنيفية، ثم تغيرت هذه الفطرة بحسب الخلطة والبيئة التي يعيشون فيها». ويشير بهذا إلى حديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»، ومعنى أن أصل المولود يولد على الفطرة، ثم يتغير بحسب ما يكون من تربيته ومن البيئة التي يعيش فيها. وضرب مثالا حسيا بالماء، فقال: «الماء خلقه الله بخلقته الأصلية نقيا صافيا طاهرا مطهرا، ثم يتغير هذا الماء بحسب ما يخالطه. فإن خالطته النجاسات والقاذورات صار نجسا، وإن خالطته الطيبات من المشروبات فإنه يزداد طيبا. فتقول: هذا ماء الزعفران، كيف طعم الزعفران؟ وكيف ريح الزعفران؟ وكيف لون الزعفران؟ يكون غاية في الجمال، فيزداد الماء فوق طهارته كمالا وجمالا بالطيب الذي خالطه». فكذلك الإنسان، الإنسان خلقه الله على الفطرة، ثم بحسب ما يخالطه. فإن خالط الأطهار الطيبين فإنه بهذه الخلطة يزداد طهرة وطيبا، فيكون أفضل وأكمل. وما أنزل الله عز وجل شرعه، ولا بعث رسله، ولا جعل دينه إلا ليزداد الناس فوق ما جعل الله لهم من فطرة طيبة زيادة جمال وكمال وطهرة وطيب. مثل الطيبات التي خلقها الله بهذه الدنيا، إذا خلطناها بالماء على خلقته الأصلية، ازداد الماء فوق طهارته ونقاوته جمالا وكمالا وطيبا. فكذلك الإنسان تغير بثلاثة أشياء: أولها ما يكون من تربية والدي ومن يكفله، كما ذكر رحمه الله. وثانيها ما يكون من خلطة قد يكون الأب صالحا، ولكن إذا لم يعتني بمن يخالط بولده فسد هذا الولد. وثالثها ما يكون بحسب البيئة زمانا ومكانا. فالإنسان إذا وجد في بيئة فيها توحيد وقوة وشجاعة وكرم وفصاحة، فإن صاحب هذه الفترة وهذه الحقبة الزمنية والمكانية يكسب ما لا يكسبه غيره. ولهذا كان العرب يرسلون أبناءهم وهم أهل الفصاحة إلى البادية ليأخذوا من فصاحتهم ومن كرمهم ومن سلامة فطرتهم وأشياء كثيرة يأخذونها ويرجعون وقد كملت رجولتهم وكملت كذلك صفاتهم. فإذا أردت أن تصلح ولدك، ابحث له عن البيئة الطيبة. أطيب بيئة تراها في الدنيا، خذ ولدك وضعه فيها. مثل الماء إذا أردت أن يبقى الماء على أكمل صفاته، تضعه في المكان الذي يبقى على صفاته. فمثلا تعرفون الآباء من قبل إذا أرادوا أن يبقوا الماء على صفاته يضعوه في الزير، الوعاء الذي يكون من الطين. وأثبت العلم الحديث أن وعاء الطين من أحسن الأوعية التي تحافظ على صفات الماء وتجدد صفاته كما كانت. فالماء إذا وضعته في بيئة تجدده وتنقيه، فيبقى على صفائه ونقائه، بل قد ازداد صفاء ونقاء. ولذلك نحن الآن إذا أردنا أن نشرب الماء الصافي، أتينا بالأجهزة التي تصفي وتنقي وتجعل الماء في أفضل صفاته وفي أكمل منافعه. وهكذا كذلك إذا أردت أن تحافظ على ولدك، فابحث له عن المكان المناسب الذي يزيده صلاحا فوق صلاحه وكمالا فوق كماله، مثل هذه المراكز الطيبة المباركة، فهي تعين. وإذا وضعته بين المجرمين في المدارس المختلطة في منطقة فيها أهل فساد وشر، كيف سيكون هذا الولد؟ لو سمع في البيت القرآن وخرج إلى الشارع، هل هذا سيعينه على الخير أم الضرر؟ الضرر، لأنه سيأخذ من هذه الأضداد ما تشوش عليه وتضره. وهذا الذي أراد أن يشير إليه رحمه الله: «أن الله عز وجل خلق الأشياء بأصول كاملة سليمة، وإنما يأتي هذا التكدير وهذا الشر من المخلوقات». إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.