طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 104

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 104

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 104، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق الدارين ودار الدنيا كميناء

خلق الله تعالى دارين: الجنة لطالبي رضاه، وجهنم لطالبي أسباب غضبه، ودار الدنيا كميناء لهما. أظهر الله في الدنيا آثار الدارين ليعرف العباد الدارين الغيبتين.

تحفيز المؤمنين للعمل للآخرة

النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر أصحابه بنعيم الآخرة عند رؤية نعيم الدنيا ويحثهم على العمل لها. كل نعيم ولذة في الدنيا له مثيل أعظم في الآخرة.

الاعتبار بنار الدنيا وتذكرة الآخرة

الله جعل نار الدنيا تذكرة لعباده بنار الآخرة. الدنيا دار امتحان وابتلاء حيث يختار الإنسان مصيره بناءً على اختياراته.

ختام الفصل وأهمية المسائل الواردة

الفصل يختتم بالتأكيد على أهمية المسائل الواردة فيه لصلاح المؤمن وأهله وذريته وتأثيرها على العقيدة وباب القدر. هذه المسائل لها أهمية في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل. والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء، فهو مع ذلك موصوف بالرضا والغضب والعطاء والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام، فاقتضت حكمته تعالى أن خلق دارًا لطالبي رضاه، العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحبته، وهي الجنة، وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ، وجعل الخير بحذافيره فيها، وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال. وخلق دارًا أخرى لطالبي أسباب غضبه، وسبخطه، المؤثرين لأغراضهم وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به، الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله وانعوت جلاله، وهي جهنم. وأودعها كل شيء مكروه، وشحنها من كل مؤذٍ ومؤلم، وجعل الشر بحذافيره فيها، وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال. فهاتان الداران هما دار القرار، وخلق دارًا ثالثةً هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا. ثم أخرج إليها من آثار الدارين بعض ما اقتضته أعمال وأربابها، وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رأي العين، ليصير للإيمان بالدارين، وإن كان غيبًا، وجه شهادة تستأنس به النفوس وتستدل به. فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومشتهاها، ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من النعيم والسرور والعيش الرخي، كما قيل: فإذا رآك المسلمون تيقنوا حور الجنان لدى النعيم الخالد فشمروا إليه، وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وكان هذا دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى شيئًا يعجبه أو شيئًا مما فيه شيء من متاع وزينة الدنيا. وكان يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كثيرًا بأن ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء، فكل جمال وكمال ونعيم، وكذلك لذة يجدها الإنسان في هذه الدنيا، فمن جنسها وما هو أعظم وأكمل وأوفر منها في الآخرة. كما أنه كل ألم وعذاب وعقاب، وكذلك شر موجود في هذه الدنيا، إلا مثله وأشد منه موجود يوم القيامة في نار جهنم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل جنته، وأن يبعدنا وإياكم من ناره. قال رحمه الله تعالى: وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهممًا وجدًا وتشميرًا، لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه. فإذا رأى أحد ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه، قال: موعدك الجنة. وإنما هي عشية أو ضحاها، وهذا هو حال الدنيا قصيرة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، مذكرًا نفسه وأصحابه: «ما لي وللدنيا، إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة ثم تركها». قال: فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله، يشوق بها عباده المؤمنين إلى تلك التي أكمل منها وزاد، فهي زاد وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار. فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه، ويفير ساكن عزماته إلى تلك، فنفسه ذواقة تواقة، إذا ذاقت شيئًا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه، حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم. وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات، ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك. مع أن ذلك من آثار النفسين الشتائي والصيفي الذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضت بذلك أو بذينك النفسين آثارًا ظهرت في هذه الدار، كانت دليلًا وعبرة عليها. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عليه بقوله في ﴿نار الدنيا﴾: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين﴾، أي تذكرة تذكر بنار الآخرة، ومنفعة للنازلين بالقوى، وهم المسافرون. يقال: أقوى الرجل إذا نزل في القوى، والقوى: هي الأرض الخالية. وخص المقوين بالذكر، إن كانت منفعة عامة للمسافرين والمقيمين، تنبيهًا لعباده. والله أعلم بمراده من كلامه، على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم في هذه الدار على جناح سفر، ليسوا مقيمين ولا مستوطنين، وأنهم عابروا السبيل وأبناء سفر. وهذا هو المقصود أن الإنسان يعتبر مما يراه في هذه الدنيا مما يكون من جنسه وأعظم في الآخرة، سواء كان نعيمًا أو عذابًا، كان كذلك من معاني الرضا أو الغضب، فكل هذا جعله الله عز وجل عبرة وعظة لما بعده، لأن هذه الدار إنما هي دار ممر لا دار مستقر، ودار امتحان وابتلاء، يمتحن الله عز وجل ويبتليه. والمقصود من إيراد هذا الفصل أن يبين رحمه الله تعالى أن هذا وأمثاله كثير مما يدل أن الله عز وجل قد أهدى لعباده ما يوصلهم إلى مواضع رحمته ونعيمه، أو إلى مواضع غضبه وعقابه. والإنسان يختار بما أعطاه الله من القدرة، وما جعل الله عز وجل من الأسباب ما يكون به إما سعادته وإما والعياذ بالله عذابه وعقابه. فإن هو غلب نفسه الأمارة بالسوء وشهواته الدنية، وآثر الباقي على الفاني، فعند ذلك سيكون من الفائزين والناجين. وإن كان غير ذلك، فآثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فهو سيكون من الخاسرين. وكل هذا من شواهد عدله سبحانه وتعالى في شرعه وقدره سبحانه وتعالى. فمن قال غير ذلك فقد كذب القرآن والسنة والشرع والعقل والحس، وكل الأدلة التي تدل على هذا المعنى العظيم. ولهذا أورد رحمه الله هذا الفصل مؤكدًا، مع ما فيه من تعريج وتعريض لمسائل أخرى هي كذلك نافعة عظيمة، ينتفع بها المؤمن في صلاح نفسه، وصلاح أهله وذريته في دنياه وفي آخراه، وكذلك عقيدته عمومًا، وما يتعلق بباب القدر خصوصًا. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة.