الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 103، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن تجلي الله تعالى لقلوب المؤمنين العارفين وقيام الحجة على الكافرين من خلال الآيات الكونية والوحي الإلهي. الله أقام الحجج على العباد بما لا يحصى من العدد.
الإيمان بالقدر يشمل النظر في آيات الله الشرعية والكونية، وقد قامت الحجة على الكافرين بكلتا الآيتين. المؤمنون يشهدون لربهم بالعدل والرحمة في أفعاله.
الله تعالى يسخر الكافرين ليكونوا ضحايا للمؤمنين، والعقوبة التي يتلقاها الكافرون والمبتدعون نتيجة لظلمهم وعنادهم. الله يمهلهم حتى تقوم عليهم الحجج.
يشير إلى أن الفصل القادم سيوضح المزيد من التفاصيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد. يؤكد على الاستمرار في بيان الحقائق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين، وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضاء مشيئته وعظيم سلطانه وعلي شأنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته، وما ألقاه بقلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته، لحيث احتملته القوى البشرية من ذلك، ووراءه مما لم تحتمله قواهم، ولا يخطر ببال، ولا يدخل في خلد، ما لا نسبة لما عرفوا إليه. والمعنى: ما يمكنهم الإحاطة به باعتبار بشريتهم ومخلوقيتهم الضعيفة، وما لا يمكن مما هو فوق بشريتهم وفوق مخلوقيتهم. الله سبحانه وتعالى يعلم، والخلق لا يعلمون». قال رحمه الله تعالى: «فاعلم أن الذين كان اسمهم أنواعًا في المعاصي والفجور، فنون الكفر والشرك، والتقلب في غضبه وصفاته، قلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر، مقرّة بأن له الحجة عليهم، وأن حقه قبلهم، ولا يدخل النار منهم أحد إلا وهو الشاهد بذلك، مقر به، معترف، اعتراف طائع مختار، لا مكره مظلوم. فهذه شهادة على أنفسهم، وشهادة أوليائه عليهم. ومن تأمل حجج الله سبحانه وتعالى الكثيرة، بما أنزل من وحي، وأرسل من رسل، وغير ذلك من شواهد الحجج الشرعية، كالآيات والبراهين التي بعث بها الرسل عليه الصلاة والسلام، وأيدت بها الشرائع، أو الآيات الكونية الكثيرة التي تدل على ما يجب في حق الله سبحانه وتعالى، وما يجب على عباد الله، ثم تتابع تلك الحجج والبراهين العامة والخاصة لكل من أعرض عن شرع الله من الكافرين أو المجرمين والفاجرين، علم أنه ما استحق عقوبة في الدنيا أحد إلا وقد قامت عليه الحجج فوق ما يحتاج، يكفي من الحجج واحد، ولكن أقام الله عز وجل الحجج بما لا يحصى من العدد. لو تأملنا فقط القرآن الكريم، وما فيه من الحجج على الكافرين والمجرمين والفاجرين، لعلمنا أن فيه حججًا عظيمة. فنزل القرآن، وفيه كم من السور، مئة وأربع عشرة سورة، وفي كل سورة حجج لا تحصيها إلا الله سبحانه وتعالى. ما من أحد بلغه القرآن إلا وقامت عليه الحجة، فإن أعرض وأصابته عقوبة الله في الدنيا والآخرة، هل يستطيع أحد أن يقول: إنه ظلم أو أنه مظلوم أو أنه أكره؟ الجواب: لا. فكيف وقد أيد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيد هذا الدين بأنواع من الحجج الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، وهي مؤيدة للقرآن، ومؤكدة لما فيه؟ فلا يصلح أبدًا الاعتراض على قدر الله، ولا على شرع الله، بأن أحدًا من الكافرين والمجرمين والفاجرين أصابته عقوبة وهو مظلوم. وهذا ما يشير إليه رحمه الله تعالى، وهذا من الإيمان بالقدر. فالإيمان بالقدر له نظرتان: نظرة في آيات الله الشرعية، ونظرة في آيات الله الكونية، وبكلاهما قامت الحجة. قال رحمه الله: «والمؤمنون يشهدون له فيهم بشهادة أخرى، لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباءوا بها، لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته، فيشهدون بأنهم عبيده وملكه، وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده، وينفذ فيهم حكمه، وينقضي فيهم عدله، ويحق عليهم كرامته، ويصدق فيهم وعده، ويبين فيهم سابق علمه، ويعمر به ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته، وشهد أولياؤه وعظيم ملكه، وتعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدر مختصهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء صرف عنهم، وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه ألا يجعلهم من أصحاب الشمال، وأن يجعلهم من أصحاب اليمين. وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه تمام كلماته: الصدق والعدل، وصدق قوله، وتحقيق مقتضى أسمائه، فهو محض حقه، وكل ذلك منه حسن جميل، له عليه أتم حمد، أكمله وأفضله، وهو حكم عدل، وقضاء فصل، وأنه المحمود على ذلك كله، فلا يلحق منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة، ومحض الحمد، وكمال أظهره في حقه، وعز أبداه، وملك أعلنه، ومراد له أنفذه. كما فعل بالبدن، وضروب الأنعام، أتم بها مناسك أوليائه، وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكًا وإتلافًا، فأعداؤه الكفار المشركون به، الجاهدون به، أولا أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه، وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسان بن ثابت: «على أنه هناك فرق كبير، فهذه الأنعام ما أذنبت ولا اقترفت شيئًا يقتضي العقوبة، ومع ذلك سخرها الله عز وجل لتكون تمامًا للعبادة، وتوفية في الإكرام والإنعام لعباده، هيبة وعطية من الله الكريم الرحمن، فكيف بمن وقعت منه أنواع من المظالم، وكذلك الإجرام وغير ذلك؟ فإنهم من باب أولى إن أصابتهم عقوبة كان ذلك عدلًا منه سبحانه وتعالى». قال رحمه الله: «كما قال حسان بن ثابت...». والشاهد أن هذا بإذن الله وقدره، وتسخير الله عز وجل لهم ذلك، أي تسخير هؤلاء الكافرين أن يكونوا ضحايا للمؤمنين، بما كان من ظلمهم وعنادهم، ليكونوا لغيرهم عظة وعبرة. قال: «وكذلك لما ضحى خالد بن الوليد القسري بشيخ المعتزلة الفرعوني الجعد بن درهم، فإنه خطبهم في يوم أضحى، فلما أكمل خطبته قال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه. وكان ضحيته. ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال». وهذه العقوبة استحقها هذا الضال، والرجل من رؤوس أهل البدع والأهواء، رأس الجهمية، وهو شيخ الجهم بن صفوان. وهذه العقوبة استحقها بعد إقامة الحجج والبراهين عليه، فلم يستحقها إلا بعد ذلك. قال رحمه الله: «فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا، لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوا وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته، ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفات العلا، ووصفه بما يليق به، وتنزيهه عما لا يليق به، صاروا أسوأ حالًا من الأنعام، وضربوا بالحجاب، وأبعدوا عنه بأقصى البعد، وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغيبت قلوبهم من الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته، في غيابات ليتم عليهم أمره وينفذ فيهم حكمه، والله عليم حكيم». وصدق رحمه الله. وكل ذلك بحكمة الله وعلمه وعدله. ومع ذلك فلا يعني ذلك أنه لم يكن من هؤلاء شيء اقتضى ذلك، بل الله عز وجل أقام الحجج الواضحة البينة. ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. طريق الشكر وطريق الكفر واضح بين، كما قال الله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي الطريقين الواضحين البارزين. فقد قامت الحجة على الخلق، ما أحد يشك في الفرق بين التوحيد والشرك، وبين الطاعة والمعصية، وبين الفضيلة والرذيلة. ومع ذلك فإن للرذيلة أهلًا كما أن للفضيلة أهلًا، وإن للمعصية أهلًا كما أن للطاعة أهلًا، وإن للشرك أهلًا كما أن للتوحيد أهلًا. فمن أخذ أحد هذين الطريقين بعد قيام الحجج العظيمة الكثيرة الشرعية والكونية، فقد استحقت عليه عقوبة الله. كيف والله أمهل وأمهل وأمهل، ولم يعاجل بالعقوبة حتى فرغ الإمهال فوق ما يستحق هذا العبد؟ فإن عاقب عاقب بعدل سبحانه وتعالى، ومن هلك فاستحق العقوبة في الآخرة فهو كذلك بعدل الله سبحانه وتعالى. وهذا ما يشير إليه رحمه الله في هذه الأبواب والفصول، وسيأتي معنا في الفصل الذي بعده زيادة الإيضاح. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.