الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 76، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ ابن بريك عدم استواء الأرواح الطيبة والخبيثة في الآخرة، مستدلاً بآيات القرآن وشرح ابن القيم. يُفصّل أن الأرواح الطيبة والخبيثة تختلف في طبيعتها وطباعها.
يربط النص بين قدرة الله وحكمته في خلق الخلق، ويوضح أن الشر الجزئي يغمره الخير الكثير. يستدل على ذلك بالأمثال الحسية والمعنوية التي تميز بين الحق والباطل.
يتناول المقطع الرد على الجبرية والقدرية، ويبين أن الله فرق بين مصير المحسنين والمسيئين. يُبرز حكمة الله في وجود الخير والشر، مشيرًا إلى أن الشر يخدم في إظهار فضل الخير.
يشير المقطع إلى انتهاء الحديث عن الأمثلة السابقة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا على أهمية الصلاة والسلام على النبي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال، فمن أراد من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورةً للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصدق بين الملأ الأعلى، فقد أراد ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين. ولو أن ملكًا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرثهم، الذين تناسبت أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة، لقد حناس في ملكه، وقالوا: لا يصلح للملك. فما الظن بمجاوري الملك الأعظم، مالك الملوك في داره، وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه، ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم؟ أفيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض، وعكفت على ما تقضيه طباعها مما يشارفها فيه، بل قد يزيد عليها الحيوان البهيم؟ وقصرت همتها عليه، وأقبلت بكليتها عليه، لا ترى نعيمًا ولا لذة ولا سرورًا إلا ما وافق طباعها من مأكل ومشرب ومنكح، من أين كان وكيف اتفق؟ فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد، وإلا فالقلب والطبع على قلوب هذه الحيوانات وطباعها. وربما كان الطباع الحيوانات خيرًا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير. ولهذا جعلهم سبحانه شر الدواب، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب في دار واحدة يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب؟ قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فأنكر عليهم الحكم بهذا وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار؛ لينبِّه العقول على أن هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة. قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. بل الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر. والله عز وجل قد خلق الخبيث والطيب، والسهل والحزن، والضار والنافع. وهذه أجزاء الأرض، منها ما يصلح جلاء ناقص، ألف: «منها ما يصلح جلاء للعين، ومنها ما يصلحه للأتون والنار». طيب: «لعله الموقد والكبير يعني مثل التنور». قال: «ومنها ما يصلح للأتون والنار، وبهذا ونحمه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة؛ فهو أحد ينظر في مختار الصحاح: الأتون ماذا ذكر؟» الأتون: «قال وكمال الحكمة؛ فكمال القدرة بخلق الأضداد، وكمال الحكمة بتنزيلها منازلها ووضع كل منها في موضعه». والعالم ما يلقي الحرب بين قدرة الله وحكمته؛ فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها، وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقضها. بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولهما لجميع ما خلقه الله ويخلقه؛ فكما أنه لا يكون إلا بقدرة ومشيئته، فكذلك لا يكون إلا بحكمته. وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلا الإحاطة بهذا تفصيلًا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد، وتعتبر ما علمت بما لم تعلم. وقد ضرب الله سبحانه الأمثال لعباده في كتابه، وبين لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذي به حياتهم وأقواتهم، وحياة الأرض والدواب، وما خلق لهم من النار التي بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصناعهم، من الشر الجزئي المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك. فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. فأخبر سبحانه أن الماء بسبب مخالطته الأرض إذا سال، فلابد أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدًا عاليًا على وجه السيل. فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه، ولا يرى إلا غثاء وسخًا ونحو ذلك، ولا يرى ما تحته من مادة الحياة. وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها، إذا أوقد عليها في النار لتتهيأ للانتفاع بها، خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به. وهذا لابد منه في هذا وهذا. وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين وعمى عن المعاني التي بها تتنال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير بالدنيا والآخرة، ولم يجاوز بصره وسمعه رعود وعيده وبروقها وصواعقها، وما عدَّ الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه، الذي هو بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح، ومن المعارف الإلهية، وتبين طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد، يسير، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه. قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فهكذا حال كل من قصر نظره في بعض مخلوقات الرب تعالى على ما لابد منه من شر جزئي جدًا بالإضافة إلى الخير الكثير. هذه مجموعة من الجمل ذكرها رحمه الله في سياق ذكره لما تقدم ذكره من ضلال القدرية النفاة والغلاة، سواء الجبرية أو القدرية النفاة كالوعيدية. ومر معنا فيما تقدم أن الله عز وجل خلق الخلق بحكمته، وعلم ما علم من أفعالهم بسعة علمه، ولا يكون من أفعالهم إلا ما كان بإذن مشيئته، وهو على كل شيء قدير. فلذلك أفعال الخلق لا تخرج عن مشيئته، وأعمالهم كلها بحكمته، حتى ما كان منها من شر. وهذا الشر كما تقدم معنا شر جزئي مع ما فيه من مصالح هي أكبر. ثم ضرب الأمثلة الحسية وكذلك المعنوية التي توضح وتجلي هذا المعنى. وفي سياق ذلك هذه الفقرات التي مرت معنا. الفقرة الأولى بين سبحانه وتعالى في آيات كثيرة حال المحسنين وحال المسيئين، فلن يكون مصير الجميع واحد. وهذا رد على الجبرية. وأراد أن يرد عليهم رحمه الله في هذه الفقرات الأولى التي ذكر فيها أنه لا يمكن أن يكون مصير المسيئ والمحسن سواء، لا من جهة العقل ولا من جهة الفطرة، فضلًا عن الشرع. فالله عز وجل غاير بين مصير هؤلاء وهؤلاء. ثم ضرب الأمثلة وأنه كيف يمكن أن يجمع سفلة الناس مع من أحسن أو كان محسنًا منهم، وأن هذا لا يليق بحكمة المخلوقين، فكيف بالله العظيم الأعلى؟ ثم ضرب المثال الذي ضربه في حال الملك من ملوك الدنيا، ثم انتقل إلى المثل الآخر فيما يتعلق بالله عز وجل. وقوله: «وسقطهم وغرثهم»، ذكر في التعليق أن غرثهم المراد به عجزتهم، المراد به معنى غرثهم أي العجزة من الناس. فلا يمكن أن يكون مصير المجد المجتهد المجاهد المثابر كحال العاجز الساقط الدني. فلا شك أن هذا لا يمكن أن يكون. فإذا كان هذا لا يكون في الدنيا، فكذلك من باب أولى لا يكون في الآخرة. وهذا على خلاف طريقة القدرية الجبرية، وكذلك في المقابل القدرية النفاة. وهذا الذي انتقل إليه في الموضع الثاني في إثبات حكمة الله عز وجل فيما جعل من شر، فلا ينافي الإيمان وجود بعض النقص فيه. فقد يكون بعض النقص سببًا لزيادة في الإحسان، وقد يكون بعض النقص سببًا في إخراج أهل الكمال، ونحو ذلك. وكما تقدم معنا أمثلة حسية ومعنوية توضح تجلي هذا. فلولا الليل ما علم فضل النهار، ولولا المرض ما علم فضل الصحة، ولولا الكفر ما علم فضل الإيمان، ولولا البدعة ما علم فضل السنة، ولولا المعصية ما علم فضل الطاعة، وهكذا قل في سائر ما خلق الله عز وجل من خير وشر. فلله حكمة فيما يخلق من خير وشر. والفقرة الأخيرة جعلها رحمه الله تعالى في تأكيد هذا المعنى، وكيف أن الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال، ومن الناس من يعمى عن هذه الأمثال. والأمثال حسية ومعنوية كما تقدم معنى. وقد كرر ذلك لأجل أن يتأكد هذا المعنى. والمقصود أراد أن يبين رحمه الله تعالى ها هنا أنه لا يوجد شر محض فيما خلقه الله سبحانه وتعالى. ثم إن وقع شر، فلا يضاف الشر إلى الله سبحانه وتعالى، لا يضاف الشر إلى الله سبحانه وتعالى، وإن أضيف فيضاف إلى فاعله. يضاف إلى فاعله. فالسكين لا يستطيع الإنسان أن يقول أنها ماذا؟ شر. عندنا سكين، عندنا قلم. ما نستطيع أن نقول القلم خير والسكين شر. القلم فيه خير وشر، والسكين فيه خير وشر. فبحسب فعل الفاعل يوجه هذا السكين إما في خير وإما في شر. وهكذا كذلك القتل والإحياء. فإن قتل من يستحق القتل فكان ماذا؟ خيرًا. فمن قتل الحية والعقرب وكل مؤذي أحسن، أحسن، أحسن. ومن ترك الحية فأحياها ورباها فآذت الناس، صار إحياءه شر. شر. فإذن الفعل بحد ذاته قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا. فالله سبحانه وتعالى لا يضاف الشر إليه إلا إضافة ماذا؟ خلق. لا إضافة صفة. ولا يوجد مع ذلك شر محض كما أشار في الأمثلة التي ضربها، ومنها الزبد الذي ذكره مع السيل المصاحب له. فإن هذا الزبد شيء يسير مع منافع هذا السيل ومنافع الماء. وهكذا قل في أمثلة كثيرة مرت معنا. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.