طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 27

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 27

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 27، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الفقر الحقيقي وصفات الفقير

يشرح المقطع مفهوم الفقر الحقيقي وصفات الفقير كما ورد في كتاب "طريق الهجرتين". الفقر ليس مرتبطًا بكثرة المال أو قلته، بل بحال النفس ومدى افتقارها إلى الله.

التمييز بين المفتقر إلى الله والمتعلق بالدنيا

يفصل المقطع بين المؤمن المفتقر إلى الله الذي يعتبر الدنيا دار ممر، وبين الكافر أو العاصي الذي يعتبرها دار مستقر، مبينًا الفروق في الصفات مثل الصبر والرضا والتوكل.

صفات العبد المفتقر إلى الله وتفاصيلها

يصف العبد المفتقر إلى الله بأنه متواضع، سليم القلب، زاهد في الدنيا، وراغب فيما يقرب إلى الله. كما أنه قريب من الناس بتواضعه وبعيد عنهم في منافستهم الدنيوية.

الرضا بقضاء الله واليقين بخيره

يناقش المقطع أهمية الرضا بقضاء الله واليقين بأن كل ما يحدث هو خير بإذن الله، ويشير إلى ضرورة الفرح بما أعطاه الله والاطمئنان لما قسم له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال فصل، فجملة نعت الفقير حقًا أنه المتخلي من الدنيا تخلصًا، والمتجافي عنها تعففًا». طيب، في نسخة «تضرفًا»، وأشار إلى أن «تطرقًا» و«تطرفًا» تصحيف، وإن ورد في بعض النسخ «طيب»، فيكون معنى وصف الفقير حقًا أنه المتخلي من الدنيا «تضرفًا»، يعني مؤثرًا بها «تضرفًا» بما فيها. قال: «والمتجافي عنها تعففًا، لا يستغني بها تكثرًا، ولا يستكثر منها تملكًا، وإن كان مالكًا لها بهذا الشرط لم تضره». والمعنى: إذا أخذ من الدنيا ما هو بمعنى أنها دار ممر لا دار مستقر، وكل ما يملكه من الدنيا يجعله عونًا له على الآخرة، فهذا لا يضره، ولا ينافي افتقار هذا العبد لله سبحانه وتعالى. بخلاف ما إذا كان ذلك على وجه ينافي هذا الافتقار، وهو أن يكون عنده من الصفات ما هو ضد ما ذكره رحمه الله هنا. قال رحمه الله: «بل هو فقير غناه في فقره، وغني فقره في غناه». ومعنى «فقير غناه في فقره»: لأنه فقير إلى الله، سواء كان فقيرًا في الدنيا أو غنيًا، فكلاهما لا ينافي افتقاره إلى الله. فغناه الحقيقي أنه استغنى بالله عما سوى الله، وهذا هو معنى أنه «فقير غناه في فقره»، لأن الغنى الحقيقي ليس عن كثرة العرب، ولكن الغنى غنى النفس، نفسه غنية بالله سبحانه وتعالى، استغنى بالله فأغناه الله. و«غني فقره في غنى» معناه: أنه مستغن بالله عز وجل، فإذا طلب الغنى بغير الله أفقره الله. فليس الفقر بكثرة أو قلة المال، ولكن الفقر الحقيقي بأن يفتقر إلى ما سوى الله، ولو ملك الدنيا كلها فهو فقير، لأن الغنى غنى النفس، ولا تغن النفس إلا بالله سبحانه وتعالى. قال: «ومن نعته أيضًا أن يكون فقيرًا من حاله، وهو خروجه عن الحال تبرئة، وترك الالتفات إليه تسلية، وترك مساكنة الأحوال والرجوع عن موافقتها، فلا يستغني بها اعتمادًا عليها، ولا يفتقر إليها مساكنة لها». والمعنى: كذلك من علامات الفقير الذي صح وكمل افتقاره إلى الله أن يكون فقيرًا من حاله. ومعنى «فقيرًا من حاله» يعني: لا يتعلق بأحوال أهل الدنيا. قال: «وهو خروجه عن الحال تبرئة، وترك الالتفات إليه تسلية». ومعنى أنه يخرج من أحوال أهل الدنيا وانشغالهم بما فيها، وذلك لأنه ملتفت لله وحده سبحانه وتعالى، فهو متسلي بالله عما سوى الله، سلاه غناه بربه سبحانه وتعالى عن كل تسلية في الدنيا. ولا يعني ذلك أنه لا يأخذ منها ما يحتاجه فيما يعينه في سيره إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: «وترك مساكنة الأحوال» يعني: لا يلازم تلك الأحوال، وإنما يأخذ منها ما يعينه في الوصول إلى الله. فلا ينافي الفقر والاستغناء بالله أن يكون العبد عنده زوجة، لأن الزوجة تغنيه بالحلال عن الحرام، فيستعين بذلك على أن يستغني بقضاء الله عما سواه. ولا ينافي المفتقر إلى الله أن يكون عنده أبناء، كما تقدم معنا، لماذا؟ لأنه يحتسب ذلك لله سبحانه وتعالى. وكل ما يأخذه من أحوال أهل الدنيا هو يأخذه على وجه أنها دار ممر لا دار مستقر. ولذلك فنظرته، وكذلك نيته غير نية أهل الدنيا. وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر. فالدنيا عند الجميع هي واحدة، ولكن الفرق بين من يرى أنه سيقبل على الله سبحانه وتعالى، فهو يعد إلى ما بعد هذه الدنيا الفانية، لأنه يعلم أن الدنيا واحدة. فلذلك يحتسب كل ما في هذه الدنيا للآخرة. وأما الكافر والفاجر فهو يستكثر استكثارًا لا يشبع معه، لأنه يظن أن الدنيا كذلك واحدة، ولكن لا لأنه هناك شيء بعدها يحتسبه، بل لأنه يريد أن يستكثر من متاعها لعلمه أنها مرة واحدة. وهذا هو الفرق. فالأول جعلها دار ممر، والثاني جعلها دار مستقر. فالأول لم يساكن الأحوال، والثاني ساكن ولازم الأحوال حتى تعلقت بقلبه، فلم يكن في قلبه غيرها. وهذا هو قوله كذلك: «فلا يستغني بها اعتمادًا عليها». وهذا يؤكد ما سبق: لا ينافي الافتقار إلى الله أن يتخذ الأسباب الصحيحة فيها، ولكن لا يعتمد عليها، بل يعتمد على من هو مسبب الأسباب، وهو الله سبحانه وتعالى، وعلى مالك تلك الأحوال، وهو الله سبحانه وتعالى. فلذلك هو لا يساكنها ولا يتعلق بها، بل يتعلق بمالكها ومدبرها، الله سبحانه وتعالى وحده. وهذا هو قوله: «فلا يستغني بها اعتمادًا عليها، ولا يفتقر إليها مساكنة لها». فإذا أقبلت أو أدبرت لا يؤثر فيه ذلك شعرة واحدة، لماذا؟ لأنه مستغن بالله عما سواه، لا يضره إقبالها أو إدبارها. قال رحمه الله: «ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله بالصبر والرضا والتوكل والإنابة، فهو عامل على مراد الله منه، لا على موافقة هواه». كذلك هذه الصفات ربما تكون موجودة عند الجميع، ولكن من كان مفتقرًا إلى الله فنظرته وفعله فيها يختلف. فهو يعمل على موافقة الله في الصبر والرضا والتوكل والإنابة. والمعنى: هو يرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى، ويجري كل ذلك على حسب ما يحبه الله، لا ما تهواه نفسه. صاحب الدنيا يصبر على مشاق الدنيا ليستكثر منها، يصبر على أذى الدنيا للوصول إلى المعصية والوصول إلى متاع الدنيا. ربما يصبر على الجوع وعلى العطش وعلى السهر وعلى التعب والنصب وغير ذلك، لكن صبره هذا هل لأجل طاعة الله؟ لا، وإنما لأجل المعصية، فهو يطلبها لهوى نفسه. والعكس صبر المفتقر إلى الله لأجل الطاعة، فهو يصبر لأجل الطاعة. فالصبر موجود عند هذا، صبر وعند هذا صبر، ولكن صبر العابد لله ليس كصبر الذي يعبد هواه. وهكذا كذلك الرضا، فالرضا موجود، لكن رضا العابد لله يختلف عن رضا غيره. العابد لله يرضى لما قضاه الله بحسب ما يحبه الله، لا على ما تهواه نفسه. بخلاف الآخر يرضى القليل ويصبر على ذلك ليصل إلى ما تهواه نفسه. وهكذا قل في سائر الأعمال والأحوال، وأوله التوكل والإنابة. كذلك توكل العبد توكل على الله سبحانه وتعالى، بشرط التوكل الكامل. وأما من كان يعبد هواه فتوكله ليس على الله، بل توكله على غير الله عز وجل، وإنابته إلى غير الله عز وجل. قال: «وهو تحقيق مراده من الله». فالفقير خالص بكليته لله عز وجل، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظ ولا نصيب. بل عمله بقيام شاهد الحق، وفناء شاهد نفسه. قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه، فهو يريد الله بمراد الله، فمعوله على الله، وهمته لا تقف دون شيء سواه. قد فني بحبه عن حب ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه. فهو في واد والناس في واد. والمعنى: الذي يعبد الله عز وجل بحق، وافتقر إليه بصدق، فإنه ينظر دائمًا وأبدًا إلى ما عند الله، وما يريده ويحبه الله، ولو خالف هوى نفسه وشهواتها وملذات هذه الدنيا وكل ما فيها. فهو دائمًا وأبدًا يطلب ما عند الله، فبذلك يأتمر وينتهي. ولذلك فهو يعتقد اعتقاد يقين أن ما يختاره الله له خير مما يختاره لنفسه. فبهذا صار إنسانًا مختلفًا عن الناس. فالناس في واد؛ لأن الناس يحبون أن يختاروا لأنفسهم، والصادق في حبه لله، المفتقر والمستغني به عما سواه في واد آخر؛ لأنه على يقين أنه مستغن بالله عما سواه، فهو يعلم أن ما اختاره الله له خير مما يختاره هو لنفسه. ولا ينافي ذلك كما تقدم معنا وتكرر أن يعارض القدر بالقدر فيما أمر به شرعًا، لا فيما رضي به قدرًا. ومرت معنا أمثلته فيما سبق. قال رحمه الله: «خاضع متواضع سليم القلب، سلس القياد للحق، سريع القلب إلى ذكر الله، بريء من الدعاوى، لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله، زاهد في كل ما سوى الله، راغب في كل ما يقرب إلى الله». كذلك من صفاته المفتقر إلى الله حقًا وصدقًا أنه عنده خضوع وتواضع للحق، والحق الذي أنزله الله. فقلبه سليم؛ لأنه عنده صدق وعنده استغناء بالله عما سوى الله. ولذلك كذلك «سلس القياد للحق» يعني: سهل أن ينقاد للحق. ومن وجد منه ضد ذلك فهذه علامة من علامات عدم الصدق في الافتقار إلى الله والعبودية لله. فمن كملت عبوديته لله واستغنائه بالله عما سوى الله يكون «سلس القياد للحق»، سريع القلب لذكر الله، بالرجوع إليه والتعلق به. «بريء من الدعاوى» لا يدعي بلسانه إلى آخره، يعني: لا ينسب فضلًا لنفسه، بل يجعل الفضل لله سبحانه وتعالى، حتى ولو كان قد وفق لخير الدين أو الدنيا، فهو على يقين أن ذلك لا بذكائه ولا بفضله، بل الفضل لله سبحانه وتعالى وحده، فله الفضل من قبل ومن بعد. وقوله: «زاهد بكل ما سوى الله» معناه: أن هذا كذلك تأكيد في افتقاره إلى الله، فهو ملتفت إلى الله، راغب به، زاهد في كل ما سوى الله. قال: «راغب في كل ما يقرب إلى الله، قريب من الناس، أبعد شيء منهم، يأنس فيما يستوحشون منه، ويستوحش مما يأنسون به، متفرد في طريق طلبه، لا تقيد الرسوم ولا تملكه العوائد، ولا يفرح بموجود، ولا يسف على مفقود». وهذه كلها صفات الصادق في افتقاره إلى الله. فهو راغب في كل ما يقرب إلى الله، إذن زاهد في كل ما يبعد عن الله. «قريب من الناس، أبعد شيء منهم» معناه: قريب من الناس بلطفه وتواضعه، وبعيد منهم في منافستهم فيما في أيديهم وفيما هم فيه من أمر الدنيا. فهو قريب باعتبار، وبعيد باعتبار آخر. فباعتبار ما يعرى الله له من كمال الافتقار واستغنائه بالله عما سوى الله هو قريب بالناس، يرى الناس كلهم أفضل منه لاتهامه لنفسه. كما تقدم فهو لهم، وفي نفس الوقت بعيد من الناس، لا ينافسهم في دنيا، ولا يزاحمهم فيما في أيديهم؛ لأنه مستغن بالله عما سوى الله. «ويأنس بما يستوحشون منه» لأن أنسه بالله، والناس أنسهم -إلا من رحم الله- بما في أيديهم وما في الدنيا، فهم يستوحشون بالخلوة، وهو يستأنس بها؛ لأنه يخلو بالله. وهم يستوحشون بفقد الدنيا، وهو يأنس بذلك؛ لأنه يعلم أن الدنيا تأخذ منه ولا تعطيه. وميزان الناس العكس: من أخذ من الدنيا فهو الذي أعطي، ومن حرمها فهو الذي منع. وأما ميزان من أنس بالله فالعكس: لا يريد أن تشغله الشواغل مما في الدنيا عن الله سبحانه وتعالى. وهذا هو قوله: «يستوحش مما يأنسون به» معناه: أن أنسه بغير أنسهم، ووحشته بغير وحشتهم؛ لأنه مختلف، هو في واد والناس في واد آخر. «متفردًا في طريق طلبه» معناه: عنده مطالب غير مطالب الناس. الناس يطلبون استكثارًا من الأولاد والأموال وكل متاع الدنيا الفانية -إلا من رحم الله- وهو مطالبه أخرى، مطالبه ما عند الله سبحانه وتعالى. فإن طلب الولد طلبه لأنه يقرب إلى مرضاته بالوجه الشرعي الذي يحبه الله، أو طلب الزوجة فبما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا. فإذن هو متفرد في طريق طلبه، حتى لو توافق الطلب، لكن كيفية هذا الطلب ووصف هذا الطلب والتعامل مع هذا الطلب يختلف عن سائر الناس. «لا تقيده الرسوم ولا تملكه العوائد» معناه: لا يؤثر عليه واقع الناس. فالناس تقيدهم الرسوم؛ لأنهم ينظرون إلى ما عند الناس أكثر مما ينظرون إلى ما عند الله. فلذلك هم مقيدون بالرسوم والعوائد، مقيدون بالرسوم والعوائد. أما الذي أنسه بالله واستغنى بالله عما سوى الله لا يبالي بالرسوم والعوائد، بل همه وعظيم مطلبه هو كيف يصل إلى مرضاة الله والأنس به عما سواه. ولو كان ذلك على خلاف العوائد والرسوم التي اعتادها الناس. «ولا يفرح بموجود، ولا يسف على مفقود» تأكيد لما سبق. فما في يده لا يفرح، إن فرحه الحقيقي هو بماذا؟ بما عند الله. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، ولا يأسف على مفقود؛ لماذا؟ لأنه قد أنس بالله عما سوى الله، ولأنه استيقن وصار عنده حقًا وصدقًا ويقينًا أن ما فاته خير له مما يتمناه. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. طيب، لهم إن شاء الله.