طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 25

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 25

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تأثير العلم على الفقير الصادق

شرح مقولة الجنيد حول تأثير العلم على الفقير الصادق وكيف أن العلم قد يوحش الفقير إذا لم يكن بالرفق. يُبين الشيخ أن الفقير الصادق يتأثر بسرعة بالعلم بسبب خشيته الزائدة.

توجيه عبارات الزهاد والعباد

تفسير عبارات الزهاد والعباد مثل قول أبي المظفر القرميسيني 'الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة' على أنها تعني الرضا بقضاء الله وليس الإستغناء عنه. يُوضح أن هذه العبارات تحتاج إلى تفسير في ضوء الشرع.

الرد على مقولة إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار وتفصيل القدر

الرد على مقولة "سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار" وبيان أن الإنسان يحتاج إلى الله في كل لحظة. يُفصل بين نوعين من القدر: ما لا اختيار للإنسان فيه وما هو باختياره، مع التأكيد على أهمية الدعاء في تغيير القضاء.

التفريق بين قضاء الله وقدره

شرح الفرق بين قضاء الله وقدره من خلال قول عمر بن الخطاب واستخدامه مثلًا للإبل لتوضيح الفكرة. يُبين أن هناك فرقًا بين قضاء الله المقدور والقدر الذي يمكن دفعه بالأسباب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال الجنيد: «إذا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم؛ فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه». فقلت: يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحش العلم؟ فقال: نعم، الفقير إذا كان صادقًا في فقره فطرحت عليه العلم ذاب كما يذوب الرصاص في النار. وأشار بالتعليق أن السائل هو أبو محمد المرتعش، كما في «طبقات الصوفية» وفي «القشيرية». وكما مر معنا أن بعض هذه العبارات المنقولة عن بعض أئمة الزهاد أو من يسمون بالصوفية والمتصوفة في الأزمنة المتقدمة فيها نظر؛ فليس كل ما ينقل عنهم صواب، لأن كثيرًا من هؤلاء وإن كان قد انشغل بالعبادة وكان عنده شيء من العلم، لكن دخلت عليهم بعض الأخطاء بسبب عدم تفرغهم للعلم على أيدي الأئمة، فربما كان في بعض عباراتهم الكلام الموهم، وإن قصدوا معنى صحيحًا، لكن اللفظ ليس صحيحًا. فمثلًا هذه العبارة طاهرها ليس بصحيح؛ لأن العلم لا يزيد الفقير الصادق الذي هو مقبل على الله إلا خيرًا، وهذا هو الأصل، فالعلم مفتاح كل خير، «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يسهل الله له به طريقًا إلى الجنة». ولكن معنى كلامه رحمه الله -كما وجهه غير واحد من أهل العلم- أنه أراد -كما فسره في آخر هذا الأثر- أن الصادق في افتقاره إلى الله عنده خشية زائدة، وهذه الخشية الزائدة توجب سرعة تأثره وتحمله في العلم الموضوع أو المطروح له، فهو دائمًا يتهم نفسه بماذا؟ بالنقص وبعدم الإخلاص، وإساءة الظن بنفسه قوية، فإذا أعطي -مثلًا- أحاديث في العلم في الإخلاص، فازداد ماذا؟ انهيارًا وانكسارًا، كما قال: «ذاب كما يذوب الرصاص في النار»، فلذلك قال: «يؤنس بالرفق»، يعني أرفقوا بأمثال هؤلاء، بمعنى أدخل في قلبه حسن الظن بالله عز وجل وسعة رحمة الله سبحانه وتعالى. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ساعة وساعة، إن لأهلك عليك حقًا»، وهذا معناه موجود من ناحية العملية حتى في زمن الصحابة، رضي الله عنهم. وارضاه عبد الله بن عمر بن العاص أقبل على العبادة إقبالًا عظيمًا، حتى أن أباه عمر زوجه أراده أن يعطي شيئًا لنفسه وحياته، فما قرب زوجته حتى اشتكت زوجته لأبيه، فاشتكى أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يصنع عبد الله بن عمر، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وكان متفرغًا مقبلًا مجتهدًا في العبادة، في النهار مع القرآن والعلم، وفي الليل في الصلاة بما معه من القرآن، وفي النهار صائم، وفي الليل قائم، فما أبقى لنفسه شيئًا ولا لأهله وزوجته شيئًا. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فوعظه بما هو معلوم في حديث الصحيحين، فأمره أن يصوم يومًا ويُفطر يومين، أمره أولًا أن يصوم ثلاثة أيام في الشهر، فقال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك أو أفضل من ذلك. فقال: «صم الاثنين والخميس». قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر أو أفضل من ذلك. قال: «صم يومًا وأفطر يومين». قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر أو أفضل من ذلك. قال: «صم يومًا وأفطر يومًا». قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر أو أفضل من ذلك. فقال: «لا أفضل من ذلك»، وذلك صيام عبد الله داود. وهكذا أمره بالقيام، ما زال به حتى أمره أن يقوم في الثلث الأخير من الليل، ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه. فالشاهد من هذا أن بعض الزهاد والعباد الذين لم يتربوا على أيدي العلماء ربما كان عندهم سوء ظن بأنفسهم، مبالغة في سوء الظن بأنفسهم، فإذا أعطوا العلم لم يفهموه على وجهه الصحيح، فزادهم سوء ظن بأنفسهم. وهذا هو قوله: «ذاب كما يذوب الرصاص بالنار»، والمعنى أعينوهم بشيء من العلم، ولكن علم يدخل عليهم الرفق وحسن الظن، وشيء من هذا القبيل. هذا هو المحمل الحسن الذي يمكن أن يوجه به كلام الجنيد رحمه الله، وإن كانت العبارة تحتاج إلى توضيح حتى لا يزهد في العلم، وإلا فإن العلم حقيقة مفتاح كل خير ومغلاق كل شر. وما حصل مثل هذا الفهم السيء أو كذلك هذا الاتجاه في غير الاعتدال إلا بسبب ماذا؟ البعد عن العلم. إلا بسبب البعد عن العلم. فإذا كان وقع مثل ذلك بزمن الصحابة، رضي الله عنهم، فبالعلم رجعوا إلى العدل. هكذا قصة كذلك أبي الدرداء مع سلمان، وهي كذلك في الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وقال أبو المظفر القرميسيني: «الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة». قال أبو القاسم القشيري: وهذا اللغز فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم. وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بما يجريه الحق تبارك وتعالى. قال قلت: وقائل ابن القيم رحمه الله وبعد، فهو كلام مستدرك خطأ، يعني هذا الكلام المنقول أن أبي المظفر خطأ؛ فليس أحد يفتقر إلى الله ليس له حاجة إلى الله، بل الناس فقراء إلى الله يحتاجون إلى الله. قال: فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس؛ إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الأفاضل والأقسام، بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كقطرة في بحر. فإن حاجته إلى الله بكل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه في مقامات عبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه، ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وآفاتها، ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها، ومواقع سخطه ليجتنبها. فأي حاجات أكثر وأعظم من هذه؟ فالصواب أن يقال: الفقير هو الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر. فالعبد له بكل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله، لا يشعر بكثير منها. فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها. وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد، فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء. وأما أن يقال: لا حاجة له إلى الله، فشطح قبيح. وهذا ظاهر كما ترون. وكما قلنا: إن بعض عبارات هؤلاء إما فيها ما ينافي الشرع، وإن قصدوا معنى صحيحًا، فكما ترون أبو القاسم القشيري يوجه هذه العبارة بتوجيه فيه تكلف، حتى يوجهها على المحمل الصحيح. لهذا قال: «وهذا اللغز فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم»، يعني من هو بعيد من هؤلاء الزهاد ربما لم يفهم كلامهم الفهم الصحيح. إذن ما هو الفهم الصحيح؟ قال: «وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بما يجريه الحق تبارك وتعالى». معناه أن عبارة أبي المظفر لا تدور حول الشرع، وإنما تدور حول القدر. فالشرع كل عبد مفتقر إلى الله، هو يحتاج إلى الله. ولكن يقول: المقصود بالقدر، أي لا يكون له إلى الله حاجة؛ إذ هو راضي بكل ما قدره الله له. فهذا هو قوله: «سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار»، يعني كما ينقى العبارة عن بعض هؤلاء، علمه بحال يغني عن سؤال. هذا معنى عبارة المؤلف أو أبي المظفر هاهنا: «لا يكون له إلى الله حاجة»، لماذا؟ يعني بمعنى علمه بحال يغني عن سؤال. وهذا من عبارة المتصوفة وبعض الزهاد، ولكن هل هي صحيحة؟ الجواب: ليس بصحيح. بل الله عز وجل يثني على عبده الذي يدعوه: «ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي -أي عن دعائي- سيدخلون جهنم داخِرين»، فلا أحد يستكبر عن دعاء الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يحتاج -كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله- في كل لحظة وحين وبعدد أنفاسه إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يحتاج إلى الله في حوائج كثيرة؛ يحتاج إلى الله أن يثبت قلبه ويرقيه بمقامات العبودية، ويصرف عنه كل سوء، ويوفقه لكل خير، ويحفظه بكل لحظة وحين، وكذلك يعينه على كل خير يقبل عليه أو عن سوء يبتعد عنه، وغير ذلك من الحوائج التي لا تنقطع. وكما قال رحمه الله: فحوائج الإنسان كثيرة كبحر لا ساحل له، ليس له عد ولا إحصاء؛ لأن العبد يفتقر إلى الله افتقارًا عظيمًا، وفي كل نفس يفتقر إلى الله؛ النفس الداخل يفتقر إلى الله بأن يعينه عليه؛ لأنك تحتاج إلى حياة تزداد فيها بالعمل الصالح، إذن أنت تحتاج إلى ماذا؟ إلى أن يعينك الله في هذه الحياة، فهذا النفس، وهذا السمع، وهذا البصر، وهذه القوة التي في جسدك التي تعينك على عبادة الله، وأن ترتقي في مقامات العبودية، كلها تحتاج إلى ماذا؟ إلى الله حتى يوفقك إليها. قال رحمه الله: أما حمل أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بمجار الأقدار، فإنما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدر الذي يجري عليه بغير اختياره، ولا يكون مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم. وأما إذا كان مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدر أحب إلى الله منه، وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب، فإسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار فيه وستعي عين العجز، والله تعالى يلوم على العجز. والمعنى: وقد تقدم معنا أن أبا القاسم وجه كلام أبي المظفر بأنه فيما يتعلق بالقدر لا فيما يتعلق بالشرع. ومع ذلك هذه العبارة ليست مستقيمة أن تطلق بهذا الإطلاق، كما قالها هنا ابن القيم رحمه الله؛ لأن القدر ينقسم إلى قسمين، قد مر معنا الكلام على هذا في فصول متقدمة. فإن من القدر ما لا اختيار للإنسان معه، فمثل هذا الأمر لله سبحانه وتعالى، ولكن الإنسان يدعو يدعو كذلك حتى إن كان هو ليس في يده، فإنه يدعو الله عز وجل بالسلامة والعافية، يدعو الله بالسلامة والعافية. ولهذا كان من الدعاء: «حسن القضاء» في ماذا؟ في القدر. «والدعاء يرد القضاء»، و«الدعاء والقضاء يتصارعان في السماء». ومعناه: إذا لم تدع، ربما جاءك القضاء الذي ليس لك فيه اختيار، فوقع عليك بما تكره. ولكن إذا دعوت بالسلامة والعافية، بالخير كله عاجله وآجله، وتتعوذ من الشر كله عاجله وآجله، وتدعو الله عز وجل بأن ما قضاه يجعله خيرًا، وغير ذلك من الأدعية، فمثل هذه الأدعية ماذا؟ ترد القضاء وتمنع القضاء الذي قد يضرك أو لا تحبه، وإن كان ليس باختيارك. فهذا قسم، القسم الثاني الذي هو باختيارك، فأنت مأمور بمدافعته، مدافعته بالدعاء، مدافعته بالأسباب الأخرى التي كذلك تدفع هذا القضاء. قضى الله عز وجل عليك بالحريق، ماذا تصنع؟ تسكت مع هذا الحريق أو تدفعه بإطفائه؟ تدفعه بإطفائه، تدفعه بإطفائه. فالحريق الذي وقع بقضاء الله، وإطفاء هذا الحريق كذلك ماذا؟ بقضاء الله. وكما مر معنا في قول عمر رضي الله عنه حين وقع الوباء، لما قال له أبو عبيدة: «أفرارًا من قضاء الله أو من قدر الله يا أمير المؤمنين؟» فقال: «بل نفر من قضاء الله أو من قدر الله إلى ماذا؟ إلى قدر الله». وضرب له مثلًا في الإبل كما تقدم معنا.