الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 77، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مفهوم حكمة الله في خلق الخير والشر، ويبين أن وجود الشر لا يمنع من وجود الخير. الحكمة الإلهية تتجلى في ابتلاء أهل الخير بغيرهم.
يشرح أن العديد من الأشياء لها منافع ومضار، مثل الشمس والنار، ويبين أن حسن استخدامها يمكن أن يجعل المنافع أكبر. محاولة تجنب المضار قد يؤدي إلى ظهور أضرار أخرى.
يقارن بين النار والنفس البشرية، موضحًا أن كليهما يحمل الخير والشر. كما يشير إلى أن الله هو خالق كل شيء، وقد قام بذلك من خلال قدرته وإرادته وعلمه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أولًا، الكلمة التي مرت معنا في الدرس الماضي قوله: «الأتون»، جاء في المعجم الرائد أنه موقد نار الحمام، وفي المعجم الوسيط الموقد الكبير، فيكون الأتون الموضع الذي توقد فيه نار كبيرة، ويختلف بحسب المكان الذي يوضع فيه، فنار الحمامات -أي الذي يسخن بها الماء- يكون من تحتها موضعًا كبيرًا، وكذلك كل موقد فيه هذا الوصف. قال الإمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قالوا: لو لم يكن في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصة أولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرًا ومصلحة، ومن عداهم وإن كانوا أضعاف أضعافهم، وهم كالقش والزبال وغثاء السيل، لا يعبأ بكثرتهم، ولا يقدح في الحكمة الإلهية، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه آلاف مؤلفة من النوع الآخر، فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها، كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضاده، وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته بتفويت ذلك الشر المقابلة». ويمثل له بأمثلة حسية، فهذا الفلاح الذي يتعب طوال السنة ليستخرج ثمرة في وزنها وفي عدها قليل بالنسبة للتعب الذي تعبه، والزرع الكثير الذي يخرج علفًا، وربما يحرث فلا يستفاد إلا بثمر قليل مقابل تعب كثير، وغثاء، ولكن مع ذلك لا شك أن تلك المنفعة من تلك الثمر القليلة أنفع، ولذلك صبر عليها الفلاح ورضي بذاك التعب الكثير للثمر القليل، وهكذا ولله المثل الأعلى. فخلق الخليقة وما في هذا الكون من الحكم أعظم مما في هذا الكون من الشرور، على أنه كما تقدم لا يوجد شر محض. قال رحمه الله تعالى: «وهذا كالشمس، فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها، وأين نفع الشمس وصلاحه النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح الوجود بهم، بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم وصلاح القلوب والأبدان والدنيا والآخرة به». وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «مقابل ما في الدنيا من شر هو منفعة»، فكيف بمنابع كثيرة وحكم عديدة جعلها الله عز وجل في هذا الكون، ابتلى أهل الخير بغيرهم من أهل السوء والشر، وأنزل كتابه وأرسل رسله للامتحان والابتلاء، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى، فوجود بعض الشرور ولو كثرت لا يمنع من وجود الخير. ومثل بمثال الشمس، ومرت معنا أمثلة كثيرة، فحر الشمس وأذية الشمس في مواضع كثيرة لا يقابلها منافعها الأكثر والأعظم. قال رحمه الله تعالى: «وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أو طاحون شديد الدوران، أي شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده، وعنده قيمه -قال- قيمه الذي يديره، وقد أحكم أمره لينتفع به ولا يضره أحدًا، فربما جاء الغِر الذي لا يعرف فيتقرب منه فيخرق ثوبه أو بدنه أو يؤذيه». يعني معناه: إذا كان هناك شيء ينتفع به وفيه شيء من الدوران، ومثل بالطاحون الذي يدور، فمن يحسن استخدامه، ومثله اليوم مثلًا هذه المروحة التي تستخدم -سواء كانت لتبريد الغرف أو تبريد المكائن والآليات أو نحو ذلك- فمن اقترب منها فلم يحسن استخدامها ضرته، ومن حسن أو من أحسن استخدامها انتفع بما فيها مع ما فيها من خطورة. وقد مر معنا التمثيل بالسيارات والكهرباء وما كان معها من المصنوعات الحديثة، فإن فيها مضار وآفات كثيرة، ولكن فيها منافع، ومنافعها أعظم من تلك المضار إن أحسن استخدامها، فلذلك لا يزال الناس ينتفعون، فمن أحسن استخدامها انتفع واجتنب تلك المضار، وإن كان قد يقع بعض الناس في مضارها وآفاتها، لكن ذلك لا يمنع من استخدامها. وهذا يقرب المعنى. قال رحمه الله تعالى: «فإذا قيل لصاحبه: لما لم تجعله ساكنًا لا يؤذي من اقترب منه؟ قال: هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابًا وطاحونًا، ولو جعل على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه». يعني لو اعترض معترض وقال: «لما لا تجعل منفعته تتم بدون هذه الحركة؟» -مثلًا يريد مروحة تبرد ولكن بدون ما يكون فيها خطورة تلك المروحة- فيقال: كما سبق، لو غيرت هذه الصفة لما حصل المقصود منها، ولصار هناك شيء آخر يختلف، وأضراره ستكون أخرى. ومثلنا بالنار والكهرباء، فلو أن الإنسان قال: «لما لا نسخن طعامنا بغير النار؟» فانتقلوا إلى ماذا؟ مثلًا الكهرباء، فالكهرباء كذلك فيها أخطار أخرى من نوع آخر، حتى لو فررت من لهب النار الخطر وانتقلت إلى شيء آخر فستنتقل إلى شيء آخر، ولو قدر أنك وجدت بديلًا فلن تجد بديلًا من دون شرور وأخطار، بل لا بد أن يحتف به تلك الأخطار والشرور، وربما وإن ذهبت بعض تلك المخاطر التي في النار جاءت مخاطر أخرى ربما هي أكبر. فمثلًا ضرر الكهرباء ربما يكون -إذا لم يحسن استخدامه- أعظم من ضرر النار، مع أن منافع الكهرباء قد تكون كذلك في باب التسخين أقل منفعة وجودة من أثر النار. وهكذا قل في كل من طلب بديلًا يطلب معه ذهاب تلك الأضرار أو الأخطار، فإنه إما أن يذهب المقصود كما ذكر رحمه الله، وإما أن يجد بديلًا لكن مع ذلك لا يسلم من أن تكون معه بعض الأضرار والأخطار. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك إذا قدرنا نار الأتون التي تحرق ما وقع فيها -وهي النار الضخمة الكبيرة كما تقدم معنا- وعندها وقاد حاذق يحشها -يعني يعبئها بما تحتاجه- مثل نار الحديد مثلًا، نار مصانع الحديد نار ضخمة عظيمة، وفيها منفعة من إذابة ذلك الحديد وتصنيعه على الهيئة التي يراد بها، لكن فيها خطر عظيم جدًا، وكم من ناس سقطوا في تلك المصانع فذابوا في لحظة، ذابوا في لحظة سقوط الإنسان في النار التي هي -يعني- كالماء في الحوض الكبير وكله نار، كيف يكون حال من سقط فيها؟ ليست هي لهبًا، ولكنه يذوب في الحال، لا شك أن هذا خطر كبير، لكن له منفعة كذلك أكبر». قال: «فإذا غفل عنها أفسدت، وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره -يعني لأنه يعلم خطرها أعظم من ذاك المتساهل- هذا الذي لا يعرف خطرها ربما ما يعرف». ومثلها مثلًا مروحة الطائرة، مروحة الطائرة خطيرة جدًا، ولهذا يجعلون عند نزول النازلين وركوب الراكبين حدودًا بالشريط حتى لا يقترب أحد منها وقت تشغيلها، لأنها تجذب من يقترب منها فيخرج من الطرف الآخر كأنه لحم ممزق، ما فيها لعب. لكن هل يعرف كل الناس هذا الخطر؟ ما يعرف الناس أنها قوية جدًا، وقد تسحب الإنسان على وزنه الثقيل، قد تسحبه وتجره إلى داخلها، فلذلك كل خطر كبر كان معه منفعة أكبر. قال: «وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره، فإذا استغفله من قرب منها حتى حرقته، لم يقل صاحب النار: هلاّ قللت حرها لألا تفسد من يقرب منها وتحرقه؟ فإنه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها». وهكذا كذلك أنت تريد طائرة تحمل وزنًا كبيرًا وترتفع في السماء، إذا لا بد أن تكون لها مروحة عظيمة قوية جدًا، ومن قوتها أنها قد تجذب كل من أمامها وتقتله إذا اقترب منها، وهذا في مقابل هذا. قال رحمه الله تعالى: «فإنه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو جعلتها دون ذلك لم تحرق أحجار الكلس ولم تطبخ الآجر ولم تنضج الأطعم الغليظة ونحو ذلك». يعني أن مثل هذه النار -وهي مشهورة معروفة في بعض البلاد- يُصنع منها الكلس، وهو الذي نسميه النورة، وتطبخ به الأحجار حتى يُصنع منه ما يستخدمه الناس في مصنوعاتهم، وهكذا كذلك بعض الأطعم الضخمة، ومثله كذلك ما قلنا: الحديد ونحوه. قال رحمه الله تعالى: «فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خُلقت عليها التي لا تكون إلا نارًا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارًا، وكذلك النفس، ما يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها، وما حصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته، والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك». طيب، لهنا إن شاء الله، ونكمل الباقي في درس لاحق، والله تعالى أعلم.