الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 49، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مراحل خلق الإنسان في بطن أمه وتطور الجنين استنادًا إلى روايات مختلفة، ويتطرق إلى آراء العلماء حول هذه المراحل.
سلك العلماء طرقًا متعددة للجمع بين الروايات المختلفة حول خلق الجنين، منها التكلف في التأويل وترجيح بعض الروايات على الأخرى.
يتناول المقطع تفسير خلق الإنسان من نطفة إلى علقة ثم مضغة، ويشرح مراحل نموه وتطوره وفقًا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استمرار الموضوع في درس لاحق، مع التعبير عن العلم الإلهي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامون القَيِّم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: فصل، قال: «الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمةً ومراعاةً لحال النطفة، وأنه يقول: يا رب، هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى، وهو أعلم بها منه، أي الله سبحانه وتعالى». قال: «ولكلام الملك وتصرفه أوقات، أحدها حين يخلقها الله نطفةً، ثم ينقلها علقةً، وهو الأول أوقات علم الملك بأنه ولد؛ لأنه ليس كل نطفة تصير ولدًا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني، ولهذا -والله أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية. وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوة وسعادته. ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته. وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه؛ لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره». جعل رحمه الله تعالى هذا الفصل في الجواب على الإشكال أو الإشكالات التي وردت في هذه الروايات فيما يتعلق بخلق الإنسان في بطن أمه، وإتيان الملك وما يؤمر به مما يتعلق بالقدر. وللعلماء أربعة مذاهب في هذا: المذهب الأول من سلك مسلك الترجيح، فنظر إلى الروايات الصحيحة وترك ما في الروايات التي يرى أنها ضعيفة. وأصح شيء روي في هذا هو حديث ابن مسعود في الصحيحين، ولهذا اعتمد عليه أهل العلم، وأخرجاه. وما جاء من روايات وما جاء من روايات فخالف حديث ابن مسعود اعتبرها جماعة من أهل العلم أنها بين ضعيف وشاذ. فما كان سنده ظاهر الصحة؛ لأنه خالف ما هو أصح منه اعتبروه شاذًا. وبهذا لم يكن عندهم إشكال. ومن أهل العلم من سلك مسلكًا آخر، وهو أنهم جمعوا بين هذه الروايات، ولكن الجمع بين هذه الروايات كان على أوجه. فمنهم من نظر في حديث ابن مسعود وجعله الأصل، وكل ما خالف هذا الأصل وجهوه بما يوافق هذا الأصل. يعني جعلوا لتلك الروايات ظاهر خلاف الباطن، جعلوا لها باطنًا خلاف الظاهر. يعني وإن كان فيها ما يظهر المخالفة، لكنه ليس مخالفًا. فكان في بعض ذلك الجمع شيء من التكلف. والوجه الثالث أنهم سلكوا مسلك الترجيح، لكن لا من جهة الرواية وإنما من جهة المعنى. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه واحدًا واحدًا. والأمر الأخير هو أن منهم من سلك مسلك الجمع، ولكن بطريقتين: الطريقة الأولى إخراج الروايات الضعيفة والشاذة، وما بقي بعد الروايات الضعيفة والشاذة وهو قليل، جمعوا بينها وبين أصل هذا الحديث، وهو حديث ابن مسعود. وهذا الأخير هو أصح هذه المذاهب الأربعة، وسيأتي معنا -إن شاء الله- الكلام عليه في ثنايا هذا الفصل. وابتدأ المؤلف رحمه الله -كما نراها هنا- في الجمع بين هذه الروايات بأنه بيّن أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة. والمعنى أن الملك تكون له أحوال، فتمر الحمل يمر بمراحل: المرحلة الأولى نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. ففي كل وقت من هذه الأوقات الثلاث يكون للملك حال. فما جاء في حديث ابن مسعود هذه حال -يعني كيفية- وما جاء في الروايات الأخرى فهي حال أخرى. وللعلماء في هذا مذهبان: فمنهم من جعل أن هذا بحسب اختلاف المولود، فمن المولود من يكون على حديث ابن مسعود، ومنهم من يأتي على الحديث الآخر، فيكون مختلفًا يختلف. ومنهم من جعله لكل مولود، ولكن على طريقتين: يعني يأتي الأصل حديث ابن مسعود، وما جاء في الأحاديث الأخرى أنه سؤال آخر، فيكون من باب التأكيد. يعني يسأل عند أن يكون علقة، وعند أن يكون مضغة، وهكذا قبل ذلك عند أن يكون نطفة. ولا ينافي السؤال الأول السؤال الثاني، فيكون السؤال الأول هو الأصل، والسؤال الثاني تأكيد لما سبق من أسئلة. يعني جعلوا أن الأسئلة تتكرر لكل مولود، الأسئلة تتكرر لكل مولود. وهذا هو قوله: «لكلام الملك وتصرفه أوقات، أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد؛ لأنه ليس كل النطفة تصير ولدًا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني». ولهذا -والله أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها الله عز وجل على رسوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. يعني أن خلق الإنسان كان من هذا العلق، والعلق هو أول المراحل أو أوسطها. فيكون معناه أنه يأتي له تصرف خاص في هذه المنزلة، ويكون خلقه يخلق به في هذه المنزلة. بينما في حديث ابن مسعود ذكر أن هذا يكون في المرحلة الرابعة، في الشهر الرابع: أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، ثم يأتي الملك. ولا منافاة بين هذا وهذا؛ لأنه منهم من قال: إنه من باب التأكيد. وهذا هو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، «إذ خلقه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية». يعني بعد أن كان نطفة، فلما كان نطفة لم يكن فيه مبدأ الإنسانية. فحين تغير من نطفة إلى علقة اجتمع ما عند الذكر والأنثى، ما عند الأب والأم، فصار علقًا. وقبل ذلك نطفة منفصلة: ما للأب منفصل عما للأم. هكذا قال بعض أهل العلم، وبعضهم قال: بل النطفة حتى عند أول الاجتماع لا يزال نطفة حتى يحصل التلقيح، فيكون علقة. فعند ذلك يكون مبدأ الإنسانية. فإذا لا منافاة مبدأ الإنسانية من حين أن يكون علقة، ويؤمر وهو قبل ذلك؛ لأن كل خلق الله له أمر. بل الله عز وجل علم أن آدم عليه الصلاة والسلام سيكون له ذرية، ولذرية ذريته ذرية إلى قيام الساعة، فالله أمر بذلك، وعلم ما سيكون كيف يكون. وكل هذا العلم عند الله سبحانه وتعالى. وكونه يكون كذلك في وقته هو تأكيد لهذا العلم السابق. فإذا أمر الملك أو سؤال الملك لا ينافي هذا العلم، وتكراره لا ينافي بعضه بعضًا، هو من باب التأكيد. وقوله: «ثم للملك فيه تصرف آخر بوقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره إلى آخره». يعني أن اكتمال الخلقة تكون في هذا الوقت، وهو حين يكون مضغة في الشهر الرابع. وهذه هي المرحلة الثالثة، وهو عندما يكون مضغة. قال: «وهذا إنما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه». وسيأتي معنى أنه جاء في بعض الروايات أن نفخ الروح يكون قبل هذا الوقت، وسيأتي توجيه العلماء لذلك. قال: «لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره». وهذا وجه، وهو الذي جاء في حديث ابن مسعود. نقف إلى هنا -إن شاء الله- ونترك الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم.