طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 46

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 46

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 46، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

إثبات القدر بالأدلة النبوية

يتناول إثبات القدر من خلال الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، حيث ثبت أن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلقهم. هذا الإثبات يستند إلى أحاديث نبوية وأقوال صحابة مثل عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن قتادة وعبد الله بن مسعود.

التوفيق بين القدر وحرية الإنسان

يشرح هذا الفصل كيف يتوافق القدر مع حرية الإنسان واختياره، مؤكداً أن علم الله السابق لا يتعارض مع عمل العبد ويرادته. يستدل على ذلك بأدلة من القرآن والسنة مثل حديث "جف القلم" و"اعملوا فكل ميسر".

موقف أهل السنة والجماعة من القدر وتطبيقاته العملية

يتناول موقف أهل السنة والجماعة من القدر، حيث سلكوا نهج الكتاب والسنة وابتعدوا عن التطرف. كما يفرق بين التعيير على الماضي والاستدلال بالقدر على المعاصي الحاضرة، مؤكداً على أهمية اجتهاد الإنسان في صلاح نفسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قاله في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره». وفي لفظ: «فجعلهم في ظلمة واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة، فمن أصابه النور اهتدى، ومن أخطأه ظل». فلذلك أقول: جف القلم على علم الله. قال: وذكر راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة السلمي -وفي نسخة: عن أبي عبد الرحمن السلمي- أن أبا قتادة سمع. وكلاهما خطأ، وصوابه: عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث الأول ذكره الشيخ الألباني في «الصحيحة»، أي حديث عبد الله بن عمر. وهذا الحديث كذلك ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» قال: عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خلق الله آدم، وأخرج الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي». قال: قيل: على من أعمل؟ قال: «على مواقع القدر». وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد الله بن مسعود أنه مر على رجل، فقالوا: هذا، هذا. ونالوا منه، فقال عبد الله: رأيتم لو قطعتم يده، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له يده؟ قالوا: لا. قال: فلو قطعتم رجله، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلا؟ قالوا: لا. قالوا: فلو قطعتم رأسه، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسا؟ قالوا: لا. قال: «فكما لا تستطيعون أن تغيروا خلقه، لا تستطيعون أن تغيروا خلقه». إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله إليه ملكا، ويكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد. هذان الحديثان وهذا الأثر أورده المؤلف رحمه الله تعالى ليستدل بها على إثبات القدر. أما حديث عبد الله بن عمر، فكما تقدم معنا ذكره الشيخ الألباني رحمه الله بالصحيحة، فهو حديث صحيح. وهذا الحديث فيه ما سمعنا من أن الله عز وجل قذف من نوره على من شاء من خلقه، فكانوا من أهل الهدى، ومنهم من وكلوا إلى أنفسهم، فكانوا من أهل الضلال، فكانوا في تلك الظلمة. وهذا لا ينافي ما تقدم من أن الله عز وجل قد جعل للعباد اختيارا ومشيئة وأعمالا يعملونها، ولكن لأن الله عز وجل الخالق والرب حقا، سبحانه لم يخف عليه من أمر خلقه شيء. ويؤكده قوله: «جف القلم على علم الله»، ومعناه: أنه قد كتب ما أمر الله بكتابته مما يكون يوم يكون كيف يكون. وفي حديث عبد الله بن عمر في الصحيح: «أن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وكل هذا لا ينافي أن العبد يفعل ويختار، ولهذا كان الجزاء. فالله سبحانه وتعالى إنما جعل الجزاء والعتاب والعقاب بعد أعمال العاملين. ولذلك كان الجنة والنار وما يكون من مجازات الله في الدنيا وفي الآخرة بعد عمل العاملين. ﴿إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾، وهديناه النجدين أي الطريقين البارزين الواضحين. فالله سبحانه وتعالى هدى الخلق بمعنى أرشدهم إلى ما فيه هدايتهم، ولكن من الناس من أخذ طريق الهداية فسلم ونجا، ومنهم من أبى إلا طريق الضلال فهلك. ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾. وهكذا كذلك كل فرد. فلا منافاة بين هذا الحديث والذي بعده مع ما جاءت به الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في إثبات أعمال العاملين ويرادتهم ومشيئتهم التي لا تخرج عن مشيئة الله والقدر سر الله سبحانه وتعالى. وهكذا الحديث الثاني: عبد الرحمن بن قتادة السلمي في قوله فيما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلق الله آدم، وأخرج الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي». والمعنى: أن الله عز وجل علم من من ذرية آدم إلى الجنة، ومن من ذرية آدم سيصير إلى النار. وعلم الله السابق لا ينافي عمل العاملين ويرادتهم ومشيئتهم، بل هذا من كمال ربوبيته، وكذلك شأنه في خلقه وسعة علمه سبحانه وتعالى وإحاطته. ولهذا سأل الصحابة: على ما نعمل؟ يعني: هل لا فائدة من العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «على مواقع القدر»، يعني: لابد من العمل، لابد من العمل. وكل عمل لا يخرج عن القدر، والقدر سر الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال في الحديث الآخر: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فالإنسان يعمل ويجتهد، فإذا اجتهد وعمل ووفقه الله سبحانه وتعالى. وهكذا أثر ابن مسعود ومعناه: ليس التيئيس من الهداية، ولكن المعنى: عدم التعنيف في المعاتبة، عدم التعنيف في المعاتبة. فهناك فرق بين أن يعاب الإنسان بعد وقوع الخطأ والمعصية، فإنه ينبغي أن يعاتب بمعنى أن يعير ويعاب لأنه وقع بقدر الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الذي وقع الآن، هم ينكرون على هذا الرجل ما وقع فيه من معصية وخطأ، فيعاتبونه ويعيرونه. والتعيير على المعايب فيما مضى ليس بصواب، بل ينبغي أن يعلم أن ذلك بقدر الله. وأما الاستدلال بالمعاصي -الاستدلال بالقدر على المعاصي- بمعنى أنه لأجل أن يفعله ويستمر فيه، فهذا هو المذموم. وابن مسعود رضي الله عنه إنما لامهم في الإكثار على الرجل في شيء قد مضى. وعلى هذا يؤفهم كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في محاجة آدم وموسى، قال: «فحج آدم وموسى»، بمعنى: أنه لا يلام الإنسان على ما فعل بعد وقوع فعله الخاطئ، فهو وقع بقدر الله، وإن كان قد أخطأ، فشيء قد مضى لا يعير به ولا يعاب به. وإن كان الإنسان مأمورا أن يسلك طريق الصواب، لكن في الشيء الماضي ينبغي أن يقول الإنسان: قدر الله، وما شاء فعل. وأسأل الله أن يعينني على نفسي، وأن لا أخطئ بمثلي هذا، حتى لا يصاب الإنسان بالإحباط، ولا كذلك يجعل هذا وصفا ملازما له. وأما الاستدلال بالقدر على المعاصي الحاضرة أو الآتية والاستمرار على ذلك، فهذا هو المذموم، فلا يجوز الاستدلال بالقدر على ذلك. فهذا هو الفرق. فأثر ابن مسعود يبين هذا المعنى، ولهذا قال: «لن تغير خلقه»، كما أنكم لن تغيروا خلقه، يعني: فيما مضى لا فيما يأتي. وأما فيما يأتي، فالإنسان يجتهد في صلاح نفسه. قال الله عز وجل: ﴿قد أفلح من زكاها﴾، فلابد للتزكية من جهد حتى ترتقي النفس إلى ما فيه صلاحها وهدايتها واستقامتها، فهو يجاهد نفسه على أن لا يقع في أخلاق السوء، ويجاهد نفسه لفعل أفعال وأخلاق الخير. ولهذا كان الصبر ثلاثة: الصبر على طاعة الله، وهذا فيه مجاهدة، والصبر عن معاصي الله، وهذا فيه مجاهدة، والصبر على أقدار الله. وكل هذا الصبر مأمور به، وهذا الصبر في إمكان الإنسان. لو لم يكن في إمكان الإنسان لم يأمر الرب سبحانه وتعالى به، ولم يكن عليه عتاب، بل لأنه في إمكان الإنسان، فالله عز وجل أمر به. وغير ذلك كثير مما هو معلوم من نصوص الكتاب والسنة. وينبغي للإنسان أن ينظر إلى هذه الآثار والأحاديث بما تجتمع به فهم النصوص من الكتاب والسنة، وما كان مشتبها ينبغي أن يرد إلى المحكم الذي جاءت به النصوص وأوضحته، حتى لا يقع الإنسان في الضلال والزيغ. كما قال الله عز وجل: ﴿وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾. وهذا الذي وقع فيه القدرية نفات القدر، والجبرية من غلا في القدر. الصواب هو ما عليه أهل السنة والجماعة، لأنهم سلكوا طريق الكتاب والسنة في باب القدر. إلى هنا والله تعالى أعلم.