طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 20

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 20

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 20، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الدرجة الثانية من الغنى بالله وشهود أوليته

الدرجة الثانية من الغنى بالله تتعلق بدوام شهود أولية الله تعالى، حيث يشهد العبد سبقه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق، ويستغني بهذا المشهد عن حاجاته. هذا الشهود يزيد من افتقار العبد إلى الله ويجعله مستغنيًا عما سواه.

معنى مطالعة شهود أولية الله وآثارها

مطالعة شهود أولية الله تعالى تعني أن يشهد العبد أولية الله وصفاته العليا، مما يورثه الاستغناء بالله والافتقار إليه. هذا الشهود ليس مختصًا بأولية الله فقط، بل بجميع صفاته وأسمائه الحسنى، ويزيد من تعلق العبد بربه.

مفهوم مطالعة الدوام وشهود أولية الله تعالى وتأثيره

مطالعة الدوام وشهود أولية الله تعالى من خلال صفاته العليا يؤدي إلى استغناء العبد عن سواه وزيادة افتقاره إلى ربه. هذا الشهود يزيد من تعلق العبد بربه وتوجيهه لمراقبته في جميع أعماله، ويعترف العبد بفقره ويستغني بالله عما سواه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل: الدرجة الثانية من درجات الغنى بالله عز وجل. دوام شهود أوليته تعالى، وهذا الشهود عند أرباب السلوك أعلى مما قبله، والغنى به أتم من الغنى المذكور؛ لأنه من مبادئ الغنى بالحقيقة. لأن العبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه حيث كان، ولا شيء غيره، وهو الإله الحق الكامل في أسمائه وصفاته، الغني بذاته عما سواه، الحميد المجيد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده، فهو معبود محمود حي قيوم، له الملك وله الحمد في الأزل والأبد، لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال. وكل شيء سواه فإنما كان به، وهو تعالى بنفسه ليس بغيره، فهو القيوم الذي قيام كل شيء به، ولا حاجة به في قيوميته إلى غيره بوجه من الوجوه. فإذا شهد العبد سبقه تعالى بالأولية، ودوام وجوده الحق، وغاب بهذا عما سواه من المحدثات، فني في وجوده من لم يكن كأنه لم يكن، وبقي من لم يزل. واضمحل الممكنات في وجود الأزلي الدائم، بحيث صارت كالظلال التي يبسطها ويمدها ويقبضها. فيستغني العبد بهذا المشهد العظيم، ويتغذى به عن فاقاته وحاجاته. ومعنى هذا الكلام ما سبقت الإشارة إليه من أن الغنى بالله عز وجل تكون بثلاث درجات، ومن هذه الدرجات الدرجة الثانية: دوام مطالعة أوليته سبحانه وتعالى. والمعنى أن العبد متى ما كان دائمًا هو على استحضار لأولية الرب جل وعلا، أنه الأول الذي ليس قبله شيء، وذلك يقتضي كذلك أنه الآخر الذي ليس بعده شيء. فهذا يزيد في افتقاره إلى ربه وخالقه، فلا يزال على هذا الافتقار، ويحصل بهذا الاستغناء به سبحانه وتعالى عما سواه؛ لأن كل ما يراه حوله هو مما سوى الله سبحانه وتعالى مفتقر إليه. وبعض هذه العبارات التي عبر بها هي من العبارات التي يراد بها توضيح المعنى، وإلا فبعضها ألفاظ من ألفاظ الفلاسفة؛ فالممكنات، وكذلك ما يعبر به هؤلاء بواجب الوجود ونحوه، هي من عباراتهم. لكن رحمه الله أراد أن يقرب المعنى بالألفاظ التي اشتهرت، والكتاب الذي هو ينقل منه «كتاب الهروي» فيه كثير من مثل هذه العبارات، وقد انتقدت على الهروي رحمه الله عدة معاني منها هذه المعاني. ومعنى «محل الممكنات في وجوده الأزلي الدائم»: معنى المخلوقات الموجودة وغير الموجودة مما هو ممكن الوجود. فلا يزال الله عز وجل يخلق في هذا الكون، واستمرار المخلوقات ليس دليلًا على أبديتها؛ لأن كل واحد منها له بداية، وإنما هي سلسلة من البدايات. فما كان موجودًا فهو ينتهي، وما كان سيأتي فهو سيبتدي، وكل ما كان موجودًا أو سيأتي كله له نهاية. ولهذا كما قال رحمه الله: صارت كالظلال، كل يوم تطلع الشمس يمر استمر ساعات النهار، ويبتدئ الظل طويلًا ثم يتقاصر ثم ينتهي، ثم يتطاول، ثم تغيب الشمس انتهى الظل، ويأتي ثاني يوم ظل آخر، وهكذا وهكذا. هذه المخلوقات كل مخلوق له بداية، ليس الظل الأول هو نفس الظل الثاني، الظل الأول هو ظل يوم الخميس تاريخ كذا وكذا، واليوم الثاني ظل آخر، واليوم الثالث ظل آخر، وهكذا المخلوقات. فكل مخلوق موجود له بداية وسينتهي، وما لم يكن موجودًا سيأتي كذلك سيبتدي ووسينتهي. فأنت حين ترى الظل ترى فيه معنى وجود هذه المخلوقات، فتتابع وجود الظل ليس معناه أزلية هذا الظل، ليس كذلك. الجواب لا، وكذلك تتابع هذه المخلوقات مهما طالت لا يدل ذلك على أزليتها؛ لأنها كلها ابتدأت وستنتهي، ويبقى الحق سبحانه وتعالى وحده. فإذا كان هذه المخلوقات على عظمتها ستنتهي حتى الجبال العظيمة، فكيف يمكن لمخلوق ضعيف يتعلق بمخلوق مثله؟ فلهذا هذا معنى من المعاني التي توجب الاستغناء بالله العظيم الأول الذي معاني أوليته تغني هذا العبد عما سواه سبحانه وتعالى. فمتى ما كان مستحضرًا لهذا المعنى فإنه لم يزل ولا يزال مستغنيًا بالله سبحانه وتعالى مفتقرًا إليه. قال رحمه الله: «وإنما كان أفضل عندهم مما قبله» -يعني هذه الدرجة درجة مطالعة شهود أوليته سبحانه وتعالى- وما هي الدرجة التي قبله؟ نعم، نعم، استحضار ذكر الله سبحانه وتعالى. فقال: «وإنما كان أفضل عندهم مما قبله؛ لأن الشهود الذي قبله فيه شائبة مشيرة إلى وجود العبد، وهذا الشهود الثاني ساتر للموجودات كلها سوى الأول تعالى، قد اضمحلت وفنيت فيه، وصارت كأوليتها وهو العدم، فأفنتها أولية الحق تبارك وتعالى، فبقي العبد محوًا صرفًا وعدما محضًا. وإن كانت النية متشخصة مشارًا إليها، لكنها لما نسبت إلى أولية الحق عز وجل اضمحلت وفنيت، وبقي الواحد الحق الذي لم يزل باقيًا. فاضمحل ما دون الحق تعالى في شهود العبد كما هو مضمحل في نفسه. وشهد العبد حينئذ أن كل شيء سوى الله باطل، وأن الحق المبين هو الله وحده. ولا ريب أن الغنى بهذا الشهود أتم من الغنى بالذي قبله». وليس هذا مختصًا بشهود أوليته تعالى فقط، بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الرب جل جلاله يستغني العبد بها بقدر حظه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها. والمعنى أن من أثبت أولية الله عز وجل واستحضر هذا المعنى، فهو يستحضره بجميع أسمائه وصفاته، يستحضر الله عز وجل الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا جل وعلا. فلا يزال ولم يزل العبد متفكرًا مطالعًا لشهود أوليته في سائر أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. ومن كان هذا حاله لا شك أنه لم يزل ولا يزال معترفًا بفقره ومستغنيًا بالله خالقه سبحانه وتعالى عما سواه. قال رحمه الله تعالى: «فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبد في مقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمدًا يعرج القلب إليه مناجيًا له مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر بأن كلامه وعمله صاعد إليه معروض عليه بين خاصته وأوليائه، فيستحي أن يصعد إليه من كلامه وعمله ما يخزيه ويفضحه هناك. ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء وإرساله وتقليب الدول ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرف في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه. فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به». وهذا تأكيد لما تقدم أن مطالعة الدوام شهود أوليته لا يعني عند اسمه الأول سبحانه وتعالى، بل عند سائر أسمائه وصفاته. وضرب مثالًا في العلو والاستواء، فصفة من صفاته سبحانه وتعالى. فهذه الصفة صفة العلو التي هي صفة ذاتية ملازمة لذاته سبحانه وتعالى، وصفة الاستواء صفة فعلية، فهو لم يزل ولا يزال فعلوه جل وعلا، واستوى استواء يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فمتى ما شاهد العبد هذه الصفة فإنه يوجب له ماذا؟ الافتقار؛ لأنه يرى عظمة الرب سبحانه وتعالى، ويحصل له لاستغنابه عما سواه. ثم ضرب مثال كيف تكون المطالعة تكون المطالعة برؤية كل ما يتعلق بهذه الصفة في هذا المشهد. فالله عز وجل عظيم، ومن عظيم عظمته أنه في علوه وأمره نافذ في خلقه، فتصعد إليه أعمال العباد، وكل ما أمر به من أحوال العباد فهو يأمر من علوه، وتصعد إليه أحوال خلقه من عندهم إليه جل وعلا. فإذا استحضر هذا المشهد العبد علم أن الكون كله تحت تدبيره وتصرفه سبحانه وتعالى، وعند ذلك لا شك أنه سيكون له استغناء بالله العظيم عما سواه، وسيزداد افتقاره إلى ربه وخالقه جل وعلا. والآية تبين ما ذكره رحمه الله، فقول سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فكل ما يأتي إلى الأرض فهو من الله في علوه سبحانه وتعالى، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ كذلك تعرج إليه كل ما أمر الله عز وجل بالعروج إليه من أعمال العباد، وكذلك كل ما يتعلق بمخلوقاته حتى أرواحهم يعرجوا بها إليه سبحانه وتعالى. قال: وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك كله علمًا تفصيليًا، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإراداته وعزماته وجوارحه، علمًا بأن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية له، لا يقفى عليه منها شيء. وهكذا كذلك هذا مثال آخر أن مطالعة شهود أوليته سبحانه وتعالى لا تنحصر بإسمه الأول، بل بسائر أسمائه وصفاته. ومن ذلك علم الله سبحانه وتعالى، فعلم الله عظيم، من عظمته سبحانه وتعالى وسع كل شيء علمًا، أحاط سبحانه وتعالى علمه بكل شيء، علم ظواهر الأمور وبواطنها، وعلم ما يكون كيف يكون قبل أن يكون، وما يكون إليه بعد أن يكون سبحانه وتعالى، وهو الذي بكل شيء عليم جل وعلا. فمن كان هذا وصفه عظمت معاني ربوبيته وألوهيته في خلق عبده، فاستغنى به عما سواه، وراقبه في أعماله كلها؛ فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يخفى عليه شيء. فالسر عنده علانية كما قال رحمه الله: «وأحوال العباد كلها ظاهرة مكشوفة لديه سبحانه ولو كانت باطنة». بل من عظمته سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى. قال بعض العلماء: السر معروف، وما هو أخفى من السر؟ قالوا: ما لم يكن أصلا من السر، كالرجل يريد أن يحدث نفسه بالشيء فهو لم يحدث نفسه، علم الله عز وجل ذاك الأخفى الذي لم يحدث نفسه بعد، علمه الله عز وجل قبل أن يكون. فالله عز وجل يعلم كل شيء، وهو محيط بكل شيء، ومن كان هذا وصفه استغنى به العبد عما سواه سبحانه وتعالى. طيب، نقف لهنا إن شاء الله. شكرًا.