المحاضرة بعنوان وقفات مع حديث من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، والتي كانت بمسجد العلامة عبدالرحمن بن مرعي بقرية المدسم بمحافظة الضالع يوم الجمعة 5 صفر 1446هـ الموافق 9 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من الشفاعة في حدود الله والمجادلة بالباطل، ويشدد على عواقب الظلم والخصومة بالباطل. يُبرز أهمية الاحتكام لأمر الله ورسوله.
يُبرز أهمية العلم والحرص على حضور مجالس العلم، ويشدد على أن العلم النافع يميز بين الأحياء والأموات. يُعد سبيلًا للوصول إلى الحياة الحقيقية التي يحبها الله.
يتضمن الدعاء بالثبات على الحق والنجاة من الفتن، ويشكر الله على نعمه ويطلب الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُختتم بالتأكيد على شكر من ساهم في الخير.
عن يحيى بن راشد -رحمه الله تعالى- قال: جلسنا لعبد الله بن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- فخرج علينا، وقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». ولما سرقت تلك المرأة القرشية، وأراد بعض الصحابة أن يشفع لها، جاء أسامة -وكان حب النبي -صلى الله عليه وسلم-، طلب منه بعض الناس أن يشفع، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟». ولم يزل يكرر عليه -عليه الصلاة والسلام- أن الشفاعة في حد من حدود الله، وفي شيء من أمر الله، يعتبر مضادة لدين الله، بل لله -سبحانه وتعالى-. احذر أن تكون قد خدشت إيمانك أو نقبته -والعياذ بالله- بعدم الاحتكام لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك على نفسك، ولو كان ذلك على أقرب قريب وأحب حبيب لك، فإن الحق فوق كل أحد. وهذا هو الذي يجب أن نربي عليه أنفسنا وأبناءنا وأسرنا ومجتمعاتنا: أن الحق فوق كل أحد. احذر -يا أيها المسلم- أن تجادل وتنازع في باطل وأنت تعلم أنه باطل، فإنك ستكون ليلك ونهارك في سخط الله -سبحانه وتعالى-. وإذا سخط الله -عز وجل- عليك، فلا تتعجب إن جاءتك المصائب من كل مكان، بسبب ذنوبك ومعاصيك، وبسبب مجادلتك بالباطل وخصومتك بالباطل. والأمر كما سمعنا: فإن الكثير من المصائب في أنفسنا، في أموالنا، في أولادنا، في حياتنا، ما يكون من الخصومة بالباطل، في كلمة واحدة، كلمة قلتها في مسلم ومؤمن، وليس يستحق هذه الكلمة، فإنك قد حكمت على نفسك بهذه العقوبة التي جعلها الله -عز وجل- حتى يخرج مما قال، حتى تتوب وتترك. وهذه التوبة لا يكفي أن تكون بينك وبين الله، بل إن كانت في الملأ، فتتوب في الملأ، إن كانت في وجهي، فتوب في وجهي، إن كان في مجل الصغير، فتوب في مجل الصغير، وإلا فهذا الحكم يلحقك، وهذه العقوبة تنتظرك، والله -عز وجل- هو الذي أخبرنا بذلك أن يدخلك الله -عز وجل- النار، ويسكنك في ردغة الخبال، في عصارة أهل النار. كلمة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي -حفظه الله-، كانت بتاريخ الخامس من شهر صفر لعام ستة وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في مسجد الشيخ العلامة عبد الرحمن العدني -رحمه الله- في قرية المتسم بمحافظة الظالع، حرسها الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. أما بعد: فنحمد الله -عز وجل- حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحبه ربنا ويرضى، نحمده -سبحانه- الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه -سبحانه- بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-. وذلك عظيم ما أنعم الله -عز وجل- علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده -سبحانه- الذي يسر لنا بزيارة آبائنا وأبنائنا وإخواننا في هذه البلدة الطيبة المباركة، التي لطالما سمعنا منها خيرا، ورأينا من آبائها وأبنائها وإخوانها الخير الكثير في حضورهم المراكز والدورات، وكذلك المجالس والمحاضرات. وإن دل ذلك على شيء، دل على حبهم لهذه السنة الطيبة المباركة، ونصرتهم لها حيثما كانت وحلت، وهذا من نعمة الله -سبحانه وتعالى-. كما أحمده -سبحانه- الذي يسر لنا بمثل هذا المجلس، نجتمع في بيت من بيوت الله، لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله -سبحانه وتعالى-، ونجلس فيها لحظات يسيرات ودقائق معدودات، نتذاكر فيها ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا -بإذن الله سبحانه وتعالى- على العمل الصالح. نقف وإياكم -أيها الأحبة- مع حديث عظيم من حديث نبينا الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، روى الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى- بسنده، بإسناد صحيح، وذكره شيخنا مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- بالصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، وهكذا العلامة الألباني -رحمه الله- في كتابه «صحيح أبي داود». عن يحيى بن راشد -رحمه الله تعالى- قال: جلسنا لعبد الله بن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- فخرج علينا، وقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». هذا حديث عظيم من أحاديث نبينا الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، وفيه عدد من الفوائد والعظات والعبَر. أول هذا الحديث: فيه أهمية العلم وفضل ومنزلة العلماء، فقد كان -ولم يزل- العلماء كالنجوم يهتدى بهم، فيكونون سببا في إضاءة الطريق للناس، وتبصيرهم بما يحتاجون. وكان الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- يأخذون العلم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم أخذ التابعون العلم من الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يزل خير هذه الأمة جيلا بعد جيل، يأخذون هذا العلم حتى وصل إلينا هذا الدين، ووصلت إلينا أحاديث نبينا الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم-. فهذا يحيى بن راشد يحكي عن مجلس من مجالس العلم، حضره مع إخوانه من طلاب العلم عند الصحابي الجليل عبد الله بن عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، قال: جلسنا لعبد الله بن عمر. وفيه: الأدب في سبق العالم إلى مجلس العلم، والجلوس والعكوف في انتظار العالم حتى يخرج إلى المتعلمين. وفيه كذلك: ما قد يفوت طالب العلم من العلم إن لم يبكر في حضور العلم، القرب من العالم، والحِرص على السماع من أول مجلس العلم. ثم قال: فخرج علينا عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر معروف من خيار الصحابة، وصغارهم ممن لزم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخذ عنه علما كثيرا. ومن شدة حرصه على التعلم من النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرب منه، آثر أن يسكن في المسجد، وأن يكون من أهل الصفة؛ لأجل أن يقرب من النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتعلم منه. فقد كان واحدا من سبعين رجلا يسكنون مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما يملأ بطونهم، حرصا منهم على تعلم العلم من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وما هي النتيجة والثمرة؟ الثمرة: أن عبد الله بن عمر كان أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لما كان من كثرة جلوسه وحرصه على سماع العلم عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وما أكثر الأحاديث التي يخبر فيها عبد الله بن عمر جلوسه بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعلم العلم، ومنها الحديث المشهور في حجة الوداع: أنهم جلسوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الحج، وهو يعلمهم أحكام الحج، وذكر عددا من الأحكام. وهكذا -معاشر المسلمين والمؤمنين- إذا حرصتم على مجالس العلم، انتفعتم -بإذن الله تعالى- من هذه المجالس بالخير الكثير. وقد قال الله -عز وجل-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فإن من وفقه الله للعلم، مثل الذي وفقه الله لمصباح يضيء لنفسه في الظلمة، ومن يسير في الظلمة بغير مصباح، فماذا يكون الحال؟ من وفق لهذا المصباح، فإنه يضيء لنفسه ويضيء لغيره، بل الأمر أعظم من ذلك، من وفقه الله للعلم، وفق للحياة الحقيقية التي يحبها الله -سبحانه وتعالى-؛ إذ الحياة الحقيقية ليست بالطعام والشراب وسائر الملذات والشهوات، فهذا يشارك فيها البهائم. ولكن الحياة الحقيقية: هي أن تسير بنور الله، وأن يوفقك الله لعبادة الله وطاعته، وأن تستثمر هذه الحياة فيما تعمر بها آخرة، فتجعل هذه الدار دار ممر وبناء، والآخرة دار مستقر وجزاء، وهذا هو المفلح، وهذا هو الحي. ولهذا قال الله -عز وجل-: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. قسم الله -عز وجل- الناس إلى قسمين اثنين: أحياء وأموات، من وفق للعلم النافع والعمل الصالح، فهو من الأحياء، ومن حرم العلم النافع والعمل الصالح، فهو من الأموات. وهذه حقيقة لا بد أن تصل إلى قلوبنا؛ لأجل أن تتغير حياتنا، فحياتنا الحقيقية هي بالعلم النافع والعمل الصالح، هي حياة المؤمنين، حياة من سار بسيرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اسمع إلى قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَءُ رَفِيقًا﴾. ثم تأمل هذه الجمل الثلاث التي أخبر بها عبد الله بن عمر في هذا المجلس، اكتفى عبد الله بن عمر بأن يحدثهم حديثا واحدا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه أدب العلم والتعليم: أن العالم يراعي حال المتعلمين، ويعطيهم من العلم ما يحفظونه، وما يستطيعون العمل به. ولهذا فإنهم انتفعوا انتفاعا كثيرا عظيما، بحرصهم على العلم وإتباعه بالعمل، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرئ الصحابة، كما قال ابن مسعود: «عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل». فكذلك أنت -يا أيها المؤمن-، احرص كل يوم على أن تأخذ شيئا من العلم، تضيء لنفسك طريقك إلى الله، ولأسرتك، ولمن تحب، ومن حولك، ما يكون عونا لك، وزادا في هذا السير الطويل، والسفر الذي أنت لا تزال فيه حتى تلقى الله -سبحانه وتعالى-. أما الجملة الأولى، فقال عبد الله بن عمر: «من حالت شفاعته فيما يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حد من حدود الله، فقد ضاد الله». وفيه: التحذير من الشفاعة في حدود الله -عز وجل-. ولما سرقت تلك المرأة القرشية، وأراد بعض الصحابة أن يشفع لها، جاء أسامة -وكان حب النبي -صلى الله عليه وسلم-، طلب منه بعض الناس أن يشفع، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟». ولم يزل يكرر عليه -عليه الصلاة والسلام- أن الشفاعة في حد من حدود الله، وفي شيء من أمر الله، يعتبر مضادة لدين الله، بل لله -سبحانه وتعالى-. فالواجب على المسلم أن يعين نفسه، ويعين إخوانه من المسلمين، على الوقوف عند حدود الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولو كان ذلك على نفسك، أو أقرب قريب. هذا نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها»، هذا الدين لا يفرق بين شريف ووضيع، ولا كذلك رفيع ودنيء، بل الرفعة عند الله هي بالتقوى، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، هذا هو ميزان الإسلام، وهذه الرفعة عند الله -سبحانه وتعالى-. فالواجب على المسلم أن يربي نفسه على الوقوف عند حدود الله، وامتثال أوامر الله، وإلا فكان مضادا لله -سبحانه وتعالى-، فنالته عقوبة الدنيا قبل الآخرة، كما قال -سبحانه-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. احذر أن تكون قد خدشت إيمانك، أو نقبته -والعياذ بالله- بعدم الاحتكام لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك على نفسك، ولو كان ذلك على أقرب قريب وأحب حبيب لك، فإن الحق فوق كل أحد. وهذا هو الذي يجب أن نربي عليه أنفسنا وأبناءنا وأسرنا ومجتمعاتنا: أن الحق فوق كل أحد. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، قالوا: «يا رسول الله، ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟» قال: «أن تحجزه عن الظلم»، «أن تحجزه عن الظلم»، ليس إذا كان أخوك ظالما، فأنت تقف معه في الظلم، ولكن الصواب والعدل الذي يحبه الله: أن تقف في وجه أخيك، وترده عن هذا الظلم، أن تدافع عن المظلوم، ولو كان المظلوم عدوا، ولو كان الظالم حبيبا وقريبا. فإن العدل أمر عظيم، وكما قال العلماء: «إن الله ليذهب الدولة المسلمة أو المؤمنة بالظلم، ولا يبقي الدولة الكافرة بالعدل»، فإن العدل سبب لبقاء خير الدنيا، والظلم سبب لزوال خير الدنيا. كما قال الله -عز وجل-: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ماذا حصل؟ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، حرمنا عليهم طيبات، وحلت لهم رِجس من الله، أن منع منهم هذه الطيبات، وهذا التحريم والتحريم الكوني، أي: منعها الله -عز وجل- عنهم؛ بسبب الظلم. وكما قال الله -عز وجل- في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فالبركات من السماء والأرض تكون بتقوى الله، وتقوى الله لا يجتمع مع الظلم. وقال الله -عز وجل-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال الله -عز وجل-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، والآيات في هذا كثيرة. وهكذا الجملة الثانية، يقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن خاصم في باطل وهو يعلمه، لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه». احذر -يا أيها المسلم- أن تجادل وتنازع في باطل وأنت تعلم أنه باطل، فإنك ستكون ليلك ونهارك في سخط الله -سبحانه وتعالى-. وإذا سخط الله -عز وجل- عليك، فلا تتعجب إن جاءتك المصائب من كل مكان، بسبب ذنوبك ومعاصيك، وبسبب مجادلتك بالباطل وخصومتك بالباطل. والأمر كما سمعنا: فإن الكثير من المصائب في أنفسنا، في أموالنا، في أولادنا، في حياتنا، بما يكون من الخصومة بالباطل، الخصومة بالباطل أمرها عظيم، وعقوبتها وخيمة في هذه الدنيا، فضلا عن دار الآخرة. و«صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن اقتطع شبرا -شبرا واحدا- من أرض، طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة، ومن خاصم في مسواك، ولو عودا من أراك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فإن هذا العود أنت تظنه صغيرا، ولكنه عند الله -سبحانه وتعالى- كبير». فاحذر، احذر أن تجادل وتخاصم في باطل، فتنالك غضب الله وسخط الله، وتكون في عقوبة الله في الدنيا قبل الآخرة. والجملة الثالثة والأخيرة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، أدخله الله ردغة الخبال، أو أسكنه الله ردغة الخبال»، وهي عصارة أهل النار -والعياذ بالله-. في كلمة واحدة، كلمة قلتها في مسلم ومؤمن، وليس يستحق هذه الكلمة، فإنك قد حكمت على نفسك بهذه العقوبة التي جعلها الله -عز وجل- حتى يخرج مما قال، حتى تتوب وتترك. وهذه التوبة لا يكفي أن تكون بينك وبين الله، بل إن كانت في الملأ، فتتوب في الملأ، إن كانت في وجهي، فتتوب في وجهي، إن كان في مجل الصغير، فتتوب في مجل الصغير، وإلا فهذا الحكم يلحقك، وهذه العقوبة تنتظرك، والله -عز وجل- هو الذي أخبرنا بذلك: أن يدخلك الله -عز وجل- النار، ويسكنك في ردغة الخبال، في عصارة أهل النار. قال بعض أهل العلم: معناه أنه يؤخذ فيوط في أسفل النار؛ فإن عصارة أهل النار إنما تجتمع في الأسفل، ولا تجتمع بالأعلى، والنار دركات، كما أن الجنة درجات. فيجعل الله -عز وجل- فيمن قال في مسلم ما ليس فيه -ما ليس منه- في الدركات الأخيرة -والعياذ بالله من النار- حتى يقتص منه، ثم ينظر إلى مصيره: إما إلى جنة، وإما إلى نار. كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بالصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن العبد لا يتكلم بكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، تهوي به أبعد ما بين المشرق والمغرب»، وفي رواية: «تهوي به في نار جهنم سبعين خريفا»، «سبعين خريفا»، هذا يؤكد أن الكلمة ترمي به في دركات النار العميقة، والسبعين إذا جاء في الكتاب أو في السنة، فمعناه: الرقم الكبير الكثير. يعني: دركات عميقة وكثيرة، كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، أي: وإن استغفرت لهم استغفارا كثيرا كثيرا، فلن يغفر الله لهم. فليس المقصود بسبعين في اللغة العربية، وفي نصوص القرآن والسنة: رقم سبعين، ولكن المقصود استخدامه للكثرة. أي: وإن استغفرت لهم استغفارا كثيرا، كذلك بهذا الحديث: «يهوي به في النار سبعين خريفا»، أي: بعد أكثر من سبعين سنة، في قعر نار جهنم -والعياذ بالله-، وأكثر من ذلك، وأكثر من ذلك. ويؤيده الحديث الذي سمعنا: حديث ابن عمر: «أسكنه الله في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال»، أسأل الله -عز وجل- بمنه وكرمه أن يجعلنا وإياكم من عباده المتقين، ومن أهل العدل الصالحين، وأن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وأكرر الشكر بكل من كان سببا في هذا الخير، ومؤسسا في هذا الخير، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وجزاكم الله خيرا.