الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 21، الدرس الحادي والعشرون : الحديث العالي والحديث النازل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع أقسام العلو والنزول في الإسناد، ويشرح أحوال العلو النسبي بسبب قدم السماع وأقسام النزول في الإسناد.
ذكر أهمية طلب السند العالي في رواية الحديث واعتباره سنة عن السلف، حيث كانوا يحرصون على التثبت وسماع الحديث مباشرة.
شرح ابن حجر العسقلاني مصطلح الرباعيات والثلاثيات في سند الحديث، حيث ذكر أن مسلمًا يروي أحاديثًا برواية ثلاثة أشخاص.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المعلق رحمه الله تعالى: قال وحكي عن آخرين أن حد التقادم ثلاثون سنة. قال ابن الصلاح: وفيما نروي عن أبي عبد الله بن منده الحافظ قال: إذا مر على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال. انتهى. يعني عن المروي عنه، كما مر معنا في الكلام عن الرواية عن الشيخ بما يبعد خمسين سنة، فإنه عالي، وهذا علو نسبي كما تقدم معنا، هذا علو نسبي. قال رحمه الله تعالى: قسم الخامس أن يكون سببه قدم السماع، فإن سمع شخصان من شيخ واحد، ولكن سماع أحدهما سابق على سماع الآخر، ويتأكد ذلك بحق من اختلط شيخه أو خرف، يعني وصل إلى الشيخوخة التي يحصل معها التخريف. قال: وربما يكون المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل بلوغ درجة الإتقان والضبط، ويكون تحديثه للثاني بعد بلوغه درجتهما. إذن الأحوال ثلاثة: إذا روى جماعة أو اثنان من شيخ واحد، وكان الشيخ على سماع واحد في ثبوت روايته وثمام إتقانه وحفظه، فمن سمع منه أولًا له علو السماع بالنسبة لمن سمع منه متأخرًا. مثلا: لك شيخ حضرت عنده أدركته في سنة 1425، وجاء بعدك طالب آخر أدرك هذا الشيخ وأخذ عن علمه في 1426، فأنت بالنسبة لهذا الطالب صاحب علو؛ لأنك أخذت منه قبله من هذا الشيخ. وهكذا قل بالنسبة للرواية لمشايخ الحديث في أسانيدهم. ولهذا قسم العلماء الطلب الملازمين عن غيرهم من الطلبة غير الملازمين، فالملازم للشيخ والأقدم يضعونه في الغالب في الطبقة الأولى في من يقال له: أثبت الناس في فلان، كما تجد في كتب العلل كعلل ابن رجب ونحوه، كذلك قبله في علل ابن المديني ونحوها من كتب الطبقات والرواة، يذكرون أثبت الناس في الراوي، فيقدمون الغالب الأكثر ملازمة والأسبق. والحالة الثانية: أن يكون اثنان فأكثر يرويان عن رجل، لكن هذا الرجل اختل حفظه وإتقانه، ولكن هذا الاختلال كان في آخر أمره، فعند ذلك من روى عنه قبل الاختلاط والاختلال هو صاحب العلو وصاحب الرواية الثابتة. وهذا كما قال يكون كثيرًا في حال المختلطين ومن كبر وهرم فتغير حفظه، ومثله من كذلك يبتلى بوراق سوء أو غير ذلك. فيقال: فلان روى عنه قبل الاختلاط أو قبل أن يهرم أو قبل أن يعمى أو قبل أن تحرق كتبه أو قبل أن يدخل عليه الوارث السوء ما ليس من حديثه، ونحو ذلك من هذه الأمور الأربعة وما كان بمعناها. فإذا كان كذلك فهو إذن أعلى، روايته أعلى وأثبت، والآخر الذي سمع بعد الحدث روايته دون ذلك. والمعنى الثالث أو الوجه الثالث: أن يكون الاختلال العكس حصل في أول الأمر، فهنا يصير من روى عنه في الأول هو صاحب النزول، ومن روى عنه في الآخر هو صاحب العلو؛ لأن الاختلال كان في أول الأمر، كرجل حدث من حفظه ولم يكن متقنًا، فلما كبر صار يحدث من كتاب، فصار تحديثه بالكتاب أتقن من تحديثه من حفظه. والغالب أن من روى عنه من تحديث الكتاب هو يكون من سنة مثلا كذا وكذا، فيقولون: إذن فلان وفلان روى عنه في سنة كذا، فإذن هو ممن سمع منه أثناء تحديثه بالكتاب ونحو ذلك. فهذه أحوال ثلاثة في هذا القسم. قال رحمه الله تعالى: أقسام النزول في الإسناد. قال: النزول ضد العلو، وهو خمسة أقسام أيضًا، كل قسم من أقسامه يقابل قسمًا من أقسام العلو. وهي كثرة الوسائط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نزول مسافة مطلقة. أو إيش عندكم نزول مسافة مطلقة؟ طيب، وهو نزول مسافة مطلقة هكذا المعنى، ليس لها حد، إذا كثرت الوسائط قد يصير ستة، قد يصير عشرة، قد يصير ثلاثة عشر، فهذا يعتبر نزولًا لطول المسافة بين صاحب الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه من حديث. فإذا العلو هو القرب، والنزول هو البعد، والسبب في ذلك أن العلو مظنة السلامة من الأخطاء، والنزول والبعد مظنة حصول الأخطاء. كما قال في البيت الذي ذكره قبل: أفضله الداني من النبي إذا يجيء بسند قوي. يعني أفضل الأسانيد ما كان قريبًا من النبي عليه الصلاة والسلام بقلة رجاله، لكن بشرط أن يكون بإسناد قوي، يعني إسناد نظيف ليس فيه شيء، كما تقدم معنى التنبيه عليه. قال الثاني: كثرة الوسائط إلى إمام من أئمة الحديث، وهو نزول مسافة نسبي. وهذا تقدم، أو ضد القسم الثاني الذي مر معنا، مثلا الإمام مالك أو البخاري أو غيره، وهو على قسمين كما تقدم، إما صاحب الكتاب وإما إمام مطلق بغض النظر أنه صاحب كتاب أم لا. قال الثالث: نزول الإسناد من طريق غير الكتب الستة عن الإسناد من طريقها، وهو نزول مسافة نسبي أيضًا؛ لأن النزول المطلق هو بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وفي غيره يسمى نزول نسبي، كما أن العلو المطلق هو ما كان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود من هذا المبحث. قال: قال وهذا تقدم الكلام عليه كذلك، وأن بعضهم أدخله في القسم الذي قبله. قال الرابع والخامس: تأخر الوفاة، وكذا تأخر السماع، وهما نزول صفة، يعني نزول صفة الرواية كما جاء في القسم الرابع والخامس من العلو. طيب، وبهذا نكون قد انتهينا مما ذكره المعلق، ونحن في الشرح لم نقرأ تقريبًا هذا المبحث الأخير، وقد ذكر معناه المعلق. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقسموه خمسة أقسام. الأول: القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، ويسمى العلو المطلق. وهذا قرأناه في الشرح وفي التعليق، وعلق المعلق قال ذلك إشارة إلى أنه إذا كان بسند ضعيف لا التفات إلى علوه، سيما إن كان فيه بعض الكذابين. قال: في طلعة الأنوار: أفضله الداني من النبي إذا يجيء بسند قوي. وسبغ الكلام على معنى هذا القسم. قال: والثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث ذي صفة عالية كالحفظ والضبط ونحوهما من الصفات المقتضية للترجيح، مثل الإمام مالك والشافعي. وهذا كذلك تقدم الكلام عليه. قال: الثالث: القرب إلى كتاب من كتب الحديث المعتبرة، كما تقدم البخاري أو مسلم أو الموطأ أو غيرها من المسانيد والسنن. قال: الرابع: ما كان علوًا بقدم موت راوي عن شيخ على موت راوي آخر عن ذلك الشيخ وإن كان متساويين في العدد. وهذا كذلك تقدم، وهو المسمى بعلو الصفة، يعني صفة الرواية. قال: الخامس: تقدم السماع من الشيخ، فمن تقدم سماعه من شيخ كان أعلى ممن سمع من ذلك الشيخ نفسه بعده. وهذا كما مر معنا في التمثيل فيمن سمع في سنة كذا وسمع قرينه من التلاميذ بعده بسنة أو أكثر، فيكون الأول صاحب علو والثاني صاحب نزول، على تفصيل تقدم فيما إذا حصل للشيخ شيء من اختلال في حفظه، فإنه قد يكون العكس، السامع أولًا صاحب نزول والسامع ثانيًا ومتأخرًا صاحب علو. قال: وهذه أي ضد ما قلت رجاله، يعني قوله في البيت بعد أن قال: وضده ذاك الذي قد نزل، يعني ضد ذلك هو الحديث النازل. قال: أي ضد ما قلت رجاله ذاك السند الذي قد نزل. قال: بألف الإطلاق، أي هو المسمى عندهم بالنازل لبعده عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقسموه خمسة أقسام، خمسة أقسام أيضًا، فإن كل قسم من العلو يقابل قسمًا من أقسام النزول. ومر معنا الكلام عليه في التعليق بما يغني عن الإعادة. قال: فائدة. قال الإمام أحمد رحمه الله: طلب السند العالي سنة عن من سلف. وهذا تقدم. ووجه أنه سنة عن من سلف، يعني أنه قد حرص عليه من سبقنا من السلف كالصحابة رضي الله تعالى عنهم وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين. فإنهم كانوا يحرصون على العلو، فأحدهم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيأتي، أو أحدهم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيبلغ غيره فيأتي الغير فيتثبت ويسمع من النبي صلى الله عليه وسلم مثل من سمع من قبل. نعم، عند من نعم حديث عمر، فقصة تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فجاء فتثبت من النبي عليه الصلاة والسلام فظهر أن الأمر ليس كذلك. وقد يظهر الأمر أنه كذلك، مثل قصة من نعم ضمان بن تعلبة حين جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يتأكد أن رسوله أخبرهم أن عليهم خمس صلوات وصيام شهر إلى آخره. فهذا من العلو، وهكذا كذلك في حديث أبي هريرة في قصة الغلام الذي زنى بامرأة الأعرابي، فجاء زوجها وأبوه حين أفتى من قبل بعض أهل العلم، فجاء يتثبت من النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أنيس. وهكذا جابر بن عبد الله، بلغه عن بعض الناس حديثًا في القصاص، وهو حديث عبد الله بن أنيس نفسه، فسافر وأخذ جملًا وسافر شهرًا كاملًا إلى الشام ليسمع من عبد الله بن أنيس الحديث، يريد أن يأخذه منه مباشرة بعلو. وقيل: إنه لم ينزل من راحلته أو نزل ولم يدخل في بيت عبد الله بن أنيس، فرجع من حينه شهرًا آخر حتى رجع إلى المدينة. فهذا كله في معنى قوله: طلب الإسناد العالي سنة عن من سلف. قال رحمه الله تعالى: وقال غيره: قرب الإسناد قربه إلى الله تعالى. لماذا؟ قربه إلى الله؛ لأنك بهذا تحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ ومن الضعف، فأنت تتثبت وتحرص على الجيد. كما أن المتصدق إذا أراد أن يتصدق ويكمل صدقته ينتقي الجيد الذي يريد أن يتصدق به، فكذلك فيمن يروي حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على التثبت. وكم قد تعب أهل الحديث في سماع الحديث عاليًا، وللعلماء في ذلك قصص وأخبار. ومن ذلك ما يروى عن شعبة رحمه الله تعالى، بل كثير من الإمام الإمام البخاري وغيره تعبوا تعبًا شديدًا. ومن تعبهم في طلب الحديث وجمعه طلبهم للعلو في الحديث، فربما يسافر المسافات البعيدة لحديث هو عنده لكن عنده بنزول، ويحب أن يسمعه بعلو، فهي قربة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وأعلى ما يقع للبخاري ما بينه وبين الصحابة فيه اثنان، يعني من دون الصحابي، مثل رواية مكي عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، فمكي ويزيد اثنان والصحابي هو الثالث. قال: ولمسلم ما بينه وبين الصحابة فيه ثلاثة، يعني من دون الصحابي، فيكون الصحابي هو الرابع، فللإمام مسلم رباعيات، وللإمام البخاري ثلاثيات. وقد تقدم معنا الكلام على هذا. وإلى هنا والله تعالى أعلم.