الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 44، الدرس الرابع والأربعون:من( فصل:فيمن شفاه الله ببركة النبي صلى الله عليه وسلم ... دعا رسول الله عياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال:هؤلاء أهلي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي قصة مقتل أبي رافع اليهودي الذي كان يؤذي النبي، حيث أرسل النبي مجموعة من الأنصار لقتله وتمكنوا من ذلك. بعد عودتهم، مسح النبي على ساق عبد الله بن عتيك التي كسرت أثناء الهروب فبرأت.
يشرح دلائل نبوته من خلال شفاء بعض الصحابة ببركة دعائه وبصقه، ويبين خصائص النبي في التبرك ببصقه وذاته. كما يفرق بين جواز الرقية للنبي ولغيره وبين التبرك الخاص بالنبي.
يُحذر من العمليات الانتحارية ويُبين أنها غير جائزة شرعًا، ويوضح الفرق بينها وبين العمليات الشجاعة مع أخذ أسباب النجاح والسلامة، ويُشدد على أهمية إذن ولي الأمر في مثل هذه العمليات.
يذكر فضل علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ويشير إلى مكانتهم الرفيعة عند الله تعالى، ويختتم بالتأكيد على علم الله الواسع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: فصل فيمن شفاه الله ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، والبركة من الله أو بارك الله فيه. وجملة قال البخاري، رحمه الله: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك. وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز. فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم -والسرح: الإبل التي ترعى خارج المدينة- قال: فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، فقد دخل الناس. فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. وكانت المدن قديمًا لها أبواب تغلق في المغرب خشية الأعداء. فكان الناس يعدون بعضهم على بعض، ولا تزال تلك العوائد إلى زمن قريب. ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة -يعني يبول أو غيره- وقد دخل الناس. فهتف به البواب: يا عبد الله -ليس لأن اسمه عبد الله، لكن لقب يقال لأي إنسان لا يعرف اسمه- إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب. قال: فدخلت، فكمنت. فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد -يعني على مكان مرتفع- فنظر أين يضع المفاتيح. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب. وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له -يعني يسمر في مكان عنده، وله مكان مرتفع يجلس يسمر فيه مع بعض أصحابه. قال: فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه -جلس يترقب مكان أبي رافع اليهودي ومعه من معه الذين يسمرون معه- فلما انصرفوا -أي من يسمر معه- صار يتابعه عن بعد. قال: فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل. قلت: إن القوم نذروا بي، لم يخلصوا إلي حتى أقتله. فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت. فقلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش -يعني في قلق وخوف ألا يصيبه فيباشره برد أو غير ذلك أو يكون أحد عنده- قال: فما أغنيت شيئًا، وصاح. يعني لم تأت الضربة بقاتلة. فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه. فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. أظهر غير صوته، وأظهر نفسه أنه ناجد له ومعين. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله. ثم وضعت ذبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته. فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض -يعني يظن أن الدرج قد انتهى، ولم يدري أن الدرج مع الظلام بقي فيه درجات- قال: فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة. ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك -يعني مع الفجر- قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز -يعني لأهل المدينة أنه مات- وهذه من عوائد الجاهلية ومما نهى عنه الإسلام. قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع. وهذا من تواضعه، نسب الفعل إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الله أعانه على ذلك، والله خالق ذلك خلقه وخلق عمله. قال: فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته. فقال لي: ابسط رجلك. فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط -يعني لم يحصل بها كسر. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصبتها يوم خيبر. فقال الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكت -أو فما اشتكيت- حتى الساعة. يعني شافاه الله بما كان من بركة نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وقال مسلم، رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عباد، وتقاربا في اللفظ -يعني لفظ الحديث- قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه. لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له -خلفه في بعض مغازيه- فقال له علي: يا رسول الله، أخلفتني مع النساء والصبيان. وكان ذلك في تبوك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي. قال: وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله». قال: فتطاولنا لها، كل منهم يرجوها. فقال: ادعوا لي عليًا. فأتي به أرمد، فيه رمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. وهذا هو الشاهد أن الله شفاه من مرضه ببصقة النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد منه هذا. وهذه الأحاديث الثلاثة كما نرى فيها أولًا ما أشار إليه الشيخ، رحمه الله، من أن من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته: شفاء الله عز وجل بعض من مرض أو عور ببركة دعائه وبصقه أو مسحه عليه الصلاة والسلام. فهذا دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وهي بركة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. فإنه على القول الصحيح من أقوال أهل العلم: ليس كل أحد يتبرك ببصقه ونفته. وأما الدعاء والرقية فهو جائز للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أذن به. وأما البصق، وكذلك التبرك بالذات، فهذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، إلا ما ورد فيه الدليل. مما فيه النفط، مثل نفث المسلم على نفسه بالمعوذات، وهكذا. كذلك النفط مع الرقية من الحمى ونحو ذلك مما ورد، فهذا جائز. وما لم يرد فالأصل فيه المنع. وأما التبرك بذات النبي عليه الصلاة والسلام، فهو من خواصه، لا يتبرك بأحد بعده عليه الصلاة والسلام. ونعرف بهذا خطأ ما توسع فيه بعض الناس في هذا الباب. وفيه من المسائل كذلك: جواز اغتيال الكفار بإذن ولي الأمر المسلم وتدبيره. وليس لاغتيال كما لم يفقه دعاة التكفير ومن لم يعرف ذلك ممن ينتسب إلى السنة، وهو جاهل بالسنة. فيظن أن فيه جواز الاغتيالات مطلقًا، هذا باطل ليس بصحيح. لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرهم وجهزهم للخروج إلى اغتيال هذا اليهودي. ففيه جواز وفيه جواز القيام بالاغتيالات للكفار، لكن بهذا القيد: أن يكون بتدبير ولي أمر المسلمين وتجهيزه. لا يكون للأفراد، ليس يجوز لأحد من المسلمين أن يفعل ذلك بنفسه أبدًا. لا يجوز ولا يجوز لجماعة في وسط المسلمين أن تفعل ذلك، ولو كان فيها عالم ولو كان فيها شيخ. فإن هذا لا يجوز، لأن هذا من خصائص ولاة الأمور، لأنه من الجهاد في سبيل الله. والجهاد في سبيل الله لا يكون إلا براية إمام، ما يكون جهاد في سبيل الله بدون راية إمام ولا تدبير إمام. وهذا الحديث كما نراه مقيدًا. ومن أطلق ذلك فهو جاهل بفهم السلف وعقيدة السلف وطريقة السلف وسياستهم الشرعية في هذا المقام. فما يصنعه هؤلاء دعاة التكفير والتفجير ليس له أصل في ديننا أبدًا، بل هو من التخريب المحرم، وله مفاسد عاجلة وآجلة ومخالفة صريحة للشرع. ومن ظن ممن ينتسب إلى السنة أن هذا كذلك صحيح، فهو خاطئ في هذا الفهم. بل الصواب أنه لا يكون إلا بإذن الإمام وتدبيره وتجهيزه. وما سوى ذلك فباطل. وفيه كذلك من المسائل: جواز العمليات الاستشهادية التي ليس فيها قتل النفس. فرق بين أن يقتل المسلم نفسه، وبين أن يخاطر المسلم بنفسه في دخوله في الأعداء. فرق بين المسألتين. وهؤلاء الذين يجيزون العمليات الانتحارية ويسمونها استشهادية، هؤلاء مخطئون في استدلالهم. فلو تأملنا الأدلة التي فيها دخول الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أوساط العدو، لا نجد أن أحدًا منهم يقتل نفسه أبدًا. ولكن نجد منهم شجاعة تدفعهم للدخول في وسط العدو مع أخذ أسباب النجاح، مع الأخذ بأسباب النجاح. وأما وضع المتفجرات ورمي المسلم نفسه في وسط العدو، فهذا لا يجوز. وليس هناك دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من فهم أحد من سلف الأمة يدل على مشروعية مثل ذلك. بل يلحق هؤلاء بنصوص الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة وفتاوى علمائها في قتل النفس المحرم. ولا يزالون يقتلون أنفسهم بمتفجراتهم يوم القيامة ما شاء الله أن يشاء، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يقتل نفسه بحديدة أو سم أو غيره: أنه يقتل، لا يزال يقتل نفسه يوم القيامة، يعذب بما قتل نفسه في الدنيا. بل قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في رجل قتل نفسه في الغزو: أنه في النار. مع أنه فعل ما فعل في العدو، فلما جرح ولم يتحمل الجرح فقتل نفسه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «في النار». فرأوا صدق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز للمسلم أن يقتل نفسه بأي حال. وأما الدخول في وسط العدو مع الأخذ بأسباب السلام والنجاح، فهذا جائز. وهذا الحديث منه وغيره من الحوادث هو من هذا المعنى، ليس فيه قتل النفس، وإنما فيه الشجاعة في الدخول وسط الأعداء مع الأخذ بأسباب السلام والنجاح. كما رأينا في قصة هذا الصحابي: كيف نجى وخرج، واستطاع أن يتخلص مع أنه دخل إلى وسط المدينة الأعداء، بل وإلى بيت عدو الله هذا اليهودي وهو أبو رافع. فمن استطاع أن يفعل ذلك وبإذن الإمام -انتبه ليس هذا كذلك ارتجال أشخاص يفعلونه من دون إذن ولي أمر المسلمين- هذا مدعاه للفوضى ومدعاه كذلك لدخول الشر والفتن. وينبغي أن تجتمع كلمة المسلمين على شيء واحد. من أراد أن يفعل ما فعل هؤلاء الصحابة، يذهب إلى أولياء أمور المسلمين، يقول: أنا أريد أن أجاهد في سبيل الله، أعينوني على ذلك. فأولوا أمور المسلمين يوجهونه بما يكون فيه النفع للإسلام والمسلمين والعباد والبلاد. أما أن يرتجل الجماعة وطائفة وأشخاص، ولو تحت شيخ، مثل هذه الأعمال، فهذا لا يجوز. وإذا كان فيه قتل الأنفس، فهذا أشد. أشد. وفيه من المفاسد الكثيرة. وقد سبق الكلام عليه في مجال السابقة. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الفطنة والذكاء والمعرفة بأحوال مجتمعه وعلومها ومعارفها مما يعينه على مواجهة الأعداء. فكان في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الوسائل محصورة بالسلاح الخفيف وبالمعارف البسيطة الخفيفة وبغيرها. وكان بمثلها يواجه المسلمون الأعداء. وأما اليوم فصارت المعارف أوسع والوسائل كذلك أكثر. فينبغي للمسلمين من الإعداد في سبيل الله أن تكون عندهم كذلك الاستعداد والأهبة لمثل هذه المعارف. وأن يعد المسلم نفسه كما أمر الله: «وأعدوا لهم ما استطعتم». فمنها إعداد القوة الجسدية، ومنها إعداد القوة الذهنية، ومنها كذلك معرفة الوسائل الحديثة. فمن قبل كانوا يتخذون من يعرف الطرق. أما اليوم فتوجد وسائل متطورة كثيرة، كهذه الأجهزة التي تعرف بها المواقع وتعرف بها الطرق، وهي أجهزة الملاحة المتنوعة: البحرية والبرية والجوية، وهي متيسرة. فكون المسلم يعرفها ويتعلمها خير من الجهل بها. وهكذا علوم الحاسوب وما يلحق به، هذا كذلك من المعارف التي ينبغي أن يكون المسلم كذلك معتنيًا بها. وولاة أمور المسلمين ينبغي أن يعتنوا بهذا الباب، خصوصًا لجيوش المسلمين: أن تكون عندهم أهبة لجميع ما يحتاجونه في مثل هذا المقام. فليس الإعداد فقط بالإعداد الجسدي، وهكذا كذلك بالأسلحة الحربية. بل كذلك توجد أشياء أخرى ينبغي أن يكون لجيوش المسلمين معرفة بها، من استخدام وسائل المعرفة الكثيرة. وهذا الذي قرأناه: قليل من كثير مما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله تعالى عنهم. وكما مر معنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما وجد شيئًا جديدًا يكون به النصر للمسلمين استخدمه واستعمله. فاستعمل حفر الخندق، واتخذ الخاتم. وهكذا كذلك في قول جمهور أهل العلم: استعمل المنجنيق، فهو أول من استعمل المنجنيق من العرب في حرب الطائف. وهكذا اتخذ بعده عمر رضي الله عنه أشياء كثيرة ما كان يعرفها العرب قبل ذلك. وهذا من التوسع في استعمال معارف الناس فيما ينصر به الإسلام والمسلمين. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: فضل علي رضي الله تعالى عنه أرضاه، وفضل فاطمة رضي الله عنها، وفضل الحسن والحسين. ونكتفي بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.